الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله - ﷺ -، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
روى مسلم في صحيحه من حديث سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - سِتَّةَ نَفَرٍ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: اطْرُدْ هَؤُلَاءِ لَا يَجْتَرِؤُونَ عَلَيْنَا، قَالَ: وَكُنْتُ أَنَا وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ، وَبِلَالٌ، وَرَجُلَانِ نَسِيتُ اسمَيهِمَا، فَوَقَعَ فِي نَفْسِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقَعَ، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢] (^١).
يأمر الله تعالى نبيه محمدًا - ﷺ - والأمر عام له ولأمته - بلزوم الصالحين، ومصابرة النفس على مصاحبتهم، والبقاء معهم، خصوصًا الفقراء منهم والضعفاء، فالآية نزلت فيهم، والمكث معهم أبعد عن مظاهر الدنيا، وفتنتها، ثم ذكر أهم صفاتهم، وهي شغل أوقاتهم بالعبادة بحسب الأحوال، لا يريدون بذلك رياء ولا سمعة، ولا ليقال: فلان قارئ أو عابد، أو عرضًا من الدنيا زائل، إِنما يريدون بذلك
_________________
(١) صحيح مسلم برقم (٢٤١٣).
[ ٢ / ١٨٥ ]
وجه الله تعالى وطلب مرضاته، ثم نهاه تعالى عن مصاحبة أهل الدنيا، فقال: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٢٨] أي: لا تتطلع إلى مصاحبة غيرهم من أهل الشرف والغنى، لما يحصل بذلك من اشتغال القلب بزينة الدنيا عن أمر الآخرة.
قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀: «فإنَّ ذلك يوجب تعلق القلب بالدنيا، فتصير الأفكار والهواجس فيها، وتزول من القلب الرغبة في الآخرة، فإن زينة الدُّنيا تروق للناظر، وتسحر القلب، فيغفل عن ذكر الله، ويقبل على اللذات والشهوات، فيضيع وقته وينفرط أمره، فيخسر الخسارة الأبدية والندامة السرمدية». اهـ (^١).
ثم نهاه نهيًا آخر، فقال: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾، فنهاه عن طاعة الغافلين عن ذكر الله المتبعين أهواءهم، الذين أَضاعوا دينهم، فطاعة من هذه صفته هي الخسارة الحقيقية في الدنيا والآخرة، وفي هذه الآية الكريمة فوائد كثيرة:
الأولى: الحثُّ على الصبر. والمراد بالصبر هو الصبر على طاعة الله الذي هو أَعلى أنواع الصبر، وقد ذكر الله الصبر في أكثر من تسعين موضعًا من كتابه لأهميته ومكانته العظيمة، بل إنه في الآية الواحدة يتكرر الأمر بالصبر كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
والثانية: استحباب ذكر الله والدعاء طرفي النهار.
قال الشيخ ابن سعدي ﵀: «لأن الله مدحهم بفعله، وكل فعل مدح الله فاعله دل ذلك على أن الله يحبه، وإذا كان يحبه فإنه يأمر به
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (ص: ٤٢٥).
[ ٢ / ١٨٦ ]
ويرغب فيه» (^١). اهـ.
قال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩].
روى أبو داود في سننه من حديث أنس - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «لأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللهَ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَةً مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَلأَنْ أَجْلِسَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللهَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى أَن تَغْرُبَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَةً» (^٢).
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «لأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِلهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» (^٣).
الثالثة: الحث على مجالسة الصالحين الأخيار، حتى لو كانوا فقراء أو ضعفاء، فإن في مجالستهم خيرًا كثيرًا، روى أبو داود في سننه من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «لَا تُصَاحِبْ إِلَاّ مُؤْمِنًا، وَلَا يَاكُلْ طَعَامَكَ إِلَاّ تَقِيٌّ» (^٤).
قال أبو سليمان الخطابي: وإنما حذر من صحبة من ليس بتقيٍّ وزجر عن مخالطته، ومؤاكلته؛ لأن المطاعمة توقع الألفة والمودة في القلوب. اهـ (^٥).
_________________
(١) تفسير ابن سعدي (ص: ٤٢٥).
(٢) سنن أبي داود برقم (٣٦٦٧)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٢/ ٦٩٨) برقم (٣١١٤).
(٣) صحيح مسلم برقم (٢٦٩٥).
(٤) سنن أبي داود برقم (٤٨٣٢)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٣/ ٩١٧) برقم (٤٠٤٥).
(٥) شرح السنة للبغوي (١٣/ ٦٩).
[ ٢ / ١٨٧ ]
روى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» (^١).
قال الشاعر:
عَنِ المَرءِ لَا تَسَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ فَكُلُّ قَرِينٍ بِالمُقَارَنِ يَقتَدِي
الرابعة: الزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١]، وكما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٣ - ٣٥].
الخامسة: الحث على الإِخلاص لله تعالى، فقد ذكر الله في الآية الأخرى عن عباده الصالحين أنهم يريدون بهذا العمل وجه الله، لا رياءً ولا سمعة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩].
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
_________________
(١) سنن أبي داود برقم (٤٨٣٣)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٣/ ٩١٧) برقم (٤٠٤٦).
[ ٢ / ١٨٨ ]