الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
فإن أفضل ما يتمناه المسلم أن يخرج من هذه الدنيا وقد غفر الله له ذنوبه، وضاعف له في حسناته.
ومن حكمة الله تعالى أن جعل للإنسان أعداء يزينون له الذنوب، ويهونونها عليه، ويبعدونه عن الخير، وهم: النفس الأمارة بالسوء، والشيطان، والهوى، قال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَاّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٣].
وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى * فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَاوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١].
وقال تعالى: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧].
وقال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣].
ومن رحمة الله بعباده أن هيأ لهم أسبابًا يكفر بها عنهم الذنوب، ويمحوها، وهذه الكفارات الماحيات هي الأقوال والأعمال التي شرعها في كتابه، أو على لسان رسوله - ﷺ -، فمن ذلك:
[ ٣ / ٤٥١ ]
أولًا: الإيمان بالله وتوحيده والعمل الصالح، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٧].
روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ وَيَوْمَ الخَمِيْسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا» (^١).
ثانيًا: اجتناب الكبائر من الذنوب، قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١].
روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالجُمُعَةُ إِلَى الجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتُ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الكَبَائِرَ» (^٢).
ثالثًا: التوبة الصادقة، قال ﷾: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَاّ بِالحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَاّ مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠].
روى ابن ماجه في سننه من حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» (^٣).
رابعًا: الاستغفار، قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللهَ إِنَّ اللهَ كَانَ
_________________
(١) برقم (٢٥٦٥).
(٢) برقم (٢٣٣).
(٣) برقم (٤٢٥٠)، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (٢/ ٤١٩) برقم (٣٤٢٧).
[ ٣ / ٤٥٢ ]
غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٦].
وقال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المزمل: ٢٠].
روى الإمام أبو داود من حديث زيد - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «مَن قَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الحَيُّ القَيُّوْمُ وَأَتُوْبُ إِلَيْهِ، غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ» (^١).
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر - ﵁ -، وفيه أن النبي - ﷺ - قال فيما يرويه عن ربه ﷿ أنه قال: « يَا عِبَادِي، إِنَّكُم تُخْطِئُوْنَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيْعًا، فَاسْتَغْفِرُوْنِي أَغْفِرْ لَكُمْ» (^٢).
خامسًا: الوضوء، روى مسلم في صحيحه من حديث حمران مولى عثمان - ﵁ - قال: أتيت عثمان بن عفان بوضوء فتوضأ، ثم قال: إن ناسًا يتحدثون عن رسول الله - ﷺ - أحاديث لا أدري ما هي؟ إلا أني رأيت رسول الله - ﷺ - توضأ مثل وضوئي هذا، ثم قال: «مَن تَوَضَّأَ هَكَذَا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ، وَكَانَت صَلَاتُهُ، وَمَشْيُهُ إِلَى المَسْجِدِ نَافِلَةً» (^٣).
سادسًا: الصلاة، والمشي إليها، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «أَلَا أَدُلُّكُم عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ قَالُوْا: بَلَى يَارَسُوْلَ اللهِ، قَالَ: إِسْبَاغُ الوُضُوْءِ عَلَى المَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الخُطَى إِلَى المَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ
_________________
(١) برقم (١٥١٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (١/ ٢٨٣) برقم (١٣٤٣).
(٢) قطعة من حديث برقم (٢٥٧٧).
(٣) برقم (٢٢٩).
[ ٣ / ٤٥٣ ]
الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ» (^١).
سابعًا: الصدقات، قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١]، روى الترمذي في سننه من حديث معاذ - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيْئَةَ كَمَا يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ» (^٢).
ثامنًا: الحج والعمرة، روى النسائي من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي - ﷺ - قال: «تَابِعُوا بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيْدِ» (^٣).
تاسعًا: المصائب، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: لما نزلت ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ بلغت من المسلمين مبلغًا شديدًا، فقال رسول الله - ﷺ -: «قَارِبُوْا وَسَدِّدُوا، فَفِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ المُسْلِمُ كَفَّارَةٌ، حَتَّى النَّكْبَةِ يُنْكَبُهَا، أَوِ الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا» (^٤).
عاشرًا: صيام رمضان وقيامه، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (^٥)، وروى البخاري
_________________
(١) برقم (٢٥١).
(٢) قطعة من حديث برقم (٢٦١٦)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(٣) برقم (٢٦٣١)، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (٢/ ٥٥٨) برقم (٢٤٦٧).
(٤) برقم (٢٥٧٤).
(٥) صحيح البخاري برقم (٣٨)، وصحيح مسلم برقم (٧٥٩).
[ ٣ / ٤٥٤ ]
ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (^١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٣٧)، وصحيح مسلم برقم (٧٥٩).
[ ٣ / ٤٥٥ ]