الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله - ﷺ -، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فحديثنا اليوم عن الرؤيا، وسيكون الكلام فيها عن الأمور التالية:
أولًا: فضل الرؤيا ومنزلتها في الشريعة الإِسلامية.
ثانيًا: أقسام الرؤيا وأنها على ثلاثة أقسام.
ثالثًا: تعبير الرؤيا وبعض الفوائد المتعلقة بذلك.
رابعًا: بعض الأخطاء التي يقع فيها الناس في الرؤيا.
خامسًا: أمثلة للرؤيا الصالحة.
أما ما يتعلق بفضل الرؤيا ومنزلتها: فيقول الله تعالى عن يوسف ﵇: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَاوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آَلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [يوسف: ٦].
وقوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَاوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾، أي: يعلمك تفسير الرؤيا.
روى مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس - ﵁ - قال: كشف رسول الله - ﷺ - الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر؛ فقال: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلَاّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ» (^١).
_________________
(١) صحيح مسلم برقم (٤٧٩).
[ ١ / ١٢١ ]
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي الدرداء عن النبي - ﷺ - في قوله ﷿: ﴿لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤]؛ قال: «هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا المُسلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ» (^١).
وروى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ تَكْذِبُ، وَأَصْدَقُهُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُهُمْ حَدِيثًا، وَرُؤْيَا الْمُسْلِمِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» (^٢).
وقوله - ﷺ -: «إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ» أي في آخر الزمان وذلك عند كثرة الفتن، وغربة الدين، وشدة الحاجة إلى المبشرات التي تطمئن بها قلوب المؤمنين، ولذلك قال: «لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا المُؤْمِنِ» فهي خاصة بالمؤمنين.
وقوله: «جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ»؛ قال بعض أهل العلم: إن مدة النبوة ثلاثة وعشرون سنة منها: نصف سنة، الوحي فيها رؤيا يراها النبي - ﷺ - في النوم؛ فيكون ذلك جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَاّ جَاءَتْهُ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ (^٣).
وقوله - ﷺ - في آخر الحديث السابق: «أَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثًا»، دليل على أهمية الصدق، وأن أصدق الناس كلامًا هو أصدقهم رؤيا.
وأما أقسام الرؤيا فهي ثلاثة، روى الترمذي في سننه من حديث
_________________
(١) مسند الإمام أحمد (٤٥/ ٥٠٢) برقم (٢٧٥٠٩)، وقال محققوه: صحيح لغيره.
(٢) سنن الترمذي برقم (٢٢٧٠)، وقال: هذا حديث صحيح، وأصله في الصحيحين.
(٣) صحيح البخاري برقم (٦٩٨٢)، وصحيح مسلم برقم (١٦٠).
[ ١ / ١٢٢ ]
أبي هريرة - ﵁ -: عن النبي - ﷺ - أنه قال: «الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ: فَرُؤْيَا حَقٌّ، وَرُؤْيَا يُحَدِّثُ بِهَا الرَّجُلُ نَفْسَهُ، وَرُؤْيَا تَحْزِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ» (^١).
هذا الحديث بيان من النبي - ﷺ - بأنه ليس كل ما يُرى في المنام من الرؤيا الصالحة، فما يراه الإِنسان في منامه؛ من المفزعات والمزعجات فهو من الشيطان ليحزن المؤمن بذلك، وما يراه مما يعرض له في يومه وليلته فتلك الأحلام، وأحاديث النفس تعرض له في اليقظة فيحلم بها في منامه.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث جابر - ﵁ -: عن رسول الله - ﷺ - قال: «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الرُّؤْيَا يَكْرَهُهَا فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا، وَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ثَلَاثًا، وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ» (^٢).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة - ﵁ -: عن النبي - ﷺ - قال: «فَإِنْ رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا النَّاسَ» (^٣).
أما تعبير الرؤيا، فهو علم شريف خص الله تعالى به بعض أنبيائه، وأوليائه، كمحمد ويوسف ﵉، وممن اشتهر بذلك من الصحابة: أبو بكر. ومن التابعين محمد بن سيرين، وغيرهم من الصالحين في كل زمان ومكان.
ولقد أرشد النبي - ﷺ - من رأى رؤيا ألَاّ يقصها على كل أحد.
_________________
(١) سنن الترمذي برقم (٢٢٨٠)، وقال: حديث حسن صحيح، وأصله في الصحيحين.
(٢) صحيح البخاري برقم (٧٠٤٤)، وصحيح مسلم برقم (٢٢٦٢).
(٣) قطعة من حديث في صحيح البخاري برقم (٧٠١٧)، وصحيح مسلم برقم (٢٢٦٣).
[ ١ / ١٢٣ ]
روى أبو داود في سننه من حديث أبي رزين العقيلي - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: « وَلَا يَقُصُّهَا إِلَاّ عَلَى وَادٍّ (^١) أَوْ ذِي رَايٍ» (^٢).
ومن فوائد ذلك: ألا تعبر الرؤيا تعبيرًا خاطئًا، أو بما يحزن صاحبها.
وأما الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس فيما يتعلَّق بالرؤيا: فنذكر من ذلك ثلاثة أخطاء مهمة.
أولًا: الكذب في الرؤيا بأن يدَّعي أنه رأى كذا وكذا ولم ير ذلك؛ روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي - ﷺ - قال: «مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلُمٍ لَمْ يَرَهُ، كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ، وَلَنْ يَفْعَلَ» (^٣).
ثانيًا: اعتماد بعض الجهال من الصوفية وغيرهم على الرؤيا في الأحكام الشرعية من تحليل حرام، أو تحريم حلال ونحو ذلك؛ وليس من ذلك أن يعمل العبد عملًا صالحًا فيرى ما يبشره بقبوله أو نفعه.
ثالثًا: ليس كل من رأى النبي - ﷺ - في منامه يكون رآه حقًا حتى يراه على صورته الحقيقية التي كان عليها - ﷺ -؛ فقد كان ابن سيرين ﵀ إذا قال له أحد رأيت النبي - ﷺ - يقول له: صف لي الذي رأيت؛ فإن وصفه بصفته الحقيقية قال له: «رَأَيتَ».
ومن الأمثلة للرؤيا الصالحة: رؤيا النبي - ﷺ -، وهو من المبشرات لمن رآه؛ روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «مَنْ رَأَىنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَأَىنِي فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي» (^٤).
_________________
(١) أي صاحب مودة.
(٢) جزء من حديث في سنن أبي داود برقم (٥٠٢٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٣/ ٩٤٧) برقم (٤١٩٨).
(٣) صحيح البخاري برقم (٧٠٤٢).
(٤) صحيح البخاري برقم (٦٩٩٤)، وصحيح مسلم برقم (٢٢٦٦) واللفظ له.
[ ١ / ١٢٤ ]
ولكن كما تقدم أن يراه على صورته الحقيقية.
ومنها أيضًا رؤيا يوسف ﵇؛ كما في الآية: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤].
قال الله في تأويلها: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَاوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ البَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ [يوسف: ١٠٠].
ومنها: ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «رَأَيْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّا فِي دَارِ عُقْبَةَ ابْنِ رَافِعٍ فَأُتِينَا بِرُطَبٍ مِنْ رُطَبِ ابْنِ طَابٍ، فَأَوَّلْتُ الرِّفْعَةَ لَنَا فِي الدُّنْيَا، وَالْعَاقِبَةَ فِي الآخِرَةِ، وَأَنَّ دِينَنَا قَدْ طَابَ» (^١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
_________________
(١) صحيح مسلم برقم (٢٢٧٠). طاب: أي كمل واستقرت أحكامه.
[ ١ / ١٢٥ ]