الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله - ﷺ -، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فمن الصفات المذمومة التي جاء الشرع بالنهي عنها: العجلة.
قال الراغب: «العجلة طلب الشيء وتحريه قبل أوانه، وهو من مقتضى الشهوة، فلذلك صارت مذمومة في عامة القرآن، حتى قيل: الْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ» (^١).
قال تعالى لنبيه محمدٍ - ﷺ -: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦]، وقد كان النبي - ﷺ - خُلُقه القرآن، يتخلق بأخلاقه ويتأدَّب بآدابه، لذلك التزم بهذا التوجيه المبارك، فلم يكن يستعجل؛ بل كان يتأنّى ويصبر، وإلى هذا أرشد أمته؛ فقال - ﷺ -: «التَّأَنِّي مِنَ اللهِ، وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ» (^٢).
وقال الله له أيضًا: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَاّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَاّ القَوْمُ الفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] فكان - ﷺ - وهو القدوة المثلى - أولى الخلق التزامًا بهذا الأمر.
_________________
(١) معجم مفردات ألفاظ القرآن (ص: ٣٣٤).
(٢) مسند أبي يعلى (٧/ ٢٤٧) برقم (٤٢٥٦) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٤/ ٤٠٤) برقم (١٧٩٥).
[ ١ / ٣٩ ]
روى مسلم في صحيحه من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ فَقَالَ: «لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَاّ بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَاسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللهَ ﷿ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَامُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ. قَالَ: فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَامُرَنِي بِأَمْرِكَ، فَمَا شِئْتَ؟ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ» (^١). فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» (^٢).
أما المسارعة إلى فعل الخيرات والمبادرة إليها، وانتهاز الفرص إذا حانت، فإن ذلك محمود وليس بمذموم.
قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
وقال موسى ﵇: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤].
روى أبو داود في سننه من حديث مصعب بن سعد عن أبيه أن النبي - ﷺ - قال: «التُّؤَدَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَاّ فِي عَمَلِ الآخِرَةِ» (^٣).
لأن العجلة المذمومة القطع في الأمور قبل التفكر والمشاورة
_________________
(١) هما جبلا مكة أبو قبيس والجبل الذي يقابله.
(٢) صحيح مسلم برقم (١٧٩٥).
(٣) سنن أبي داود برقم (٤٨١٠)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (١٧٩٤).
[ ١ / ٤٠ ]
والاستخارة، ولهذا قال أبو حاتم البستي ﵀: «إن العَجِلَ يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم، ويحمد قبل أن يجرب، ويذم بعدما يحمد، والعَجِلُ تصحبه الندامة، وتعتزله السلامة، وكانت العرب تسميها أم الندامات» (^١). اهـ.
قال الشاعر:
قَدْ يُدْرِكُ المُتأَنِّي بَعْضَ حَاجتِهِ وَقَد يَكُونُ مَعَ المُستَعجلِ الزَّلَلُ
ومن الأمثلة على العجلة المذمومة: الاستعجال بالدعاء على الأهل، والمال والولد عند الغضب، قال تعالى: ﴿وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالخَيْرِ وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١].
روى مسلم في صحيحه من حديث جابر - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ» (^٢).
ولعل كثيرًا مما نرى من المصائب والأمراض وفساد الأولاد يكون بسبب الدعاء عليهم، وكثير من الناس لا يشعر بذلك، فهل من مُدَّكِر؟
ومنها: استعجال المرء إجابة دعائه، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «يُسْتَجَابُ لأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ فَيَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ رَبِّي فَلَمْ يَسْتَجِبْ لِي» (^٣).
ومنها: استعجال بعض المصلين في صلاتهم، فلا يتمُّون ركوعها ولا سجودها ولا يطمئنون فيها، وقد جاء في حديث أبي هريرة - ﵁ -: أن رجلًا صلى عند النبي - ﷺ -، فقال له النبي - ﷺ -: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ
_________________
(١) روضة العقلاء (ص: ٢٨٨).
(٢) صحيح مسلم برقم (٣٠٠٩).
(٣) صحيح البخاري برقم (٦٣٤٠)، وصحيح مسلم برقم (٢٧٣٥) واللفظ له.
[ ١ / ٤١ ]
تُصَلِّ» - ثلاث مرات - في كل مرة يقول له ذلك.
ثم قال له: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَا بِمَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا » (^١) - الحديث.
ومن واقعنا المعاصر نرى كثيرًا من الناس يندمون حين لا ينفعهم الندم، بسبب استعجالهم في أمور كان عليهم أن يتأنوا فيها، فمن ذلك: أنَّه لأقل الأسباب يطلق الرجل زوجته، فتتشتت الأُسَر، ويضيع الأطفال، وتُهدم البيوت، ويقع من الهم والغم ما الله به عليم، كل ذلك بسبب العجلة فهل من مُدَّكِر؟
ومنها: العجلة في قيادة السيارات، وما نسمعه من الحوادث المروِّعة التي كانت سببًا لإِزهاق نفوس كثيرة، وأمراض خطيرة، وعاهات مزمنة، إنما وقع بسبب العجلة.
ومنها: أن يستبطئ الإِنسان الرزق فيستعجل، فيطلبه من طرق محرمة ووجوه غير مشروعة، روى أبو نعيم في حلية الأولياء من حديث أبي أُمامة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي (^٢)، أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ، حَتَّى تَسْتَكْمِلَ أَجَلَهَا، وَتَسْتَوْعِبَ رِزْقَهَا، فَاتَّقُوا اللهَ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلَا يَحْمِلَنَّ أَحَدَكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ يَطْلُبَهُ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنَّ اللَه تَعَالَى لَا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلَاّ بِطَاعَتِهِ» (^٣).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
_________________
(١) جزء من حديث في صحيح البخاري برقم (٧٥٧)، ومسلم برقم (٣٩٧).
(٢) أي: قلبي.
(٣) حلية الأولياء (١٠/ ٢٧) وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم (٢٠٨٥).
[ ١ / ٤٢ ]