الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله - ﷺ -، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] فلما ذكر بقية صفاتهم ذكر جزاءهم فقال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠ - ١١].
قال الحسن البصري ﵀ في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: كَانَ خُشُوْعُهُمْ فِيْ قُلُوْبِهِمْ فَغَضُّوا بِذَلِكَ أَبْصَارَهُمْ وَخَفَضُوا لِذَلِكَ الجَنَاحَ (^١).
قال ابن القيم: علق الله فلاح المصلين بالخشوع في صلاتهم، فدل على أن من لم يخشع فليس من أهل الفلاح، ولو اعتد له بها ثوابًا لكان من المفلحين (^٢).
والخشوع يأتي بمعنى لين القلب ورقته وسكونه، فإِذا خشع القلب تبعه خشوع الجوارح لأنها تابعة له، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث النعمان بن بشير - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «أَلَا وَإِنَّ فِيْ الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلبُ» (^٣).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (١٠/ ١٠٧).
(٢) مدارج السالكين (١/ ٥٢٦).
(٣) قطعة من حديث في صحيح البخاري برقم (٥٢)، وصحيح مسلم برقم (١٥٩٩) واللفظ له.
[ ٢ / ٣٠٩ ]
ولذلك كان النبي - ﷺ - في صلاته يقول: «خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي» (^١).
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوْسٌ عِنْدَ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ - ذَاتَ يَوْمٍ فَنَظَرَ فِي السَّمَاءِ ثُمَّ قَالَ: «هَذَا أَوَانُ العِلمِ أَنْ يُرْفَعَ»، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: زِيَادٌ ابْنِ لَبِيْدٍ: أَيُرْفَعُ العِلمِ يَا رَسُوْلَ اللهِ، وَفِيْنَا كِتَابُ اللهِ وَقَدْ عَلَّمْنَاهُ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا؟ ! فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ - ﷺ -: «إِنْ كُنْتُ لأَظُنُّكَ مِنْ أَفْقَهِ أَهْلِ المَدِيْنَةِ»، ثُمَّ ذَكَرَ ضَلالَةَ أَهْلِ الكِتَابَيْنِ وَعِنْدَهُمَا مَا عِنْدَهُمَا مِنْ كِتَابِ اللهِ ﷿، فَلَقِيَ جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ شَدَّادَ بْنَ أَوْسٍ بِالمُصَلَّى، فَحَدَّثَهُ هَذَا الحَدِيْثَ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: صَدَقَ عَوْفٌ، ثُمَّ قَالَ: فَهَل تَدْرِيْ مَا رَفعُ العِلمِ؟ قَالَ: قُلتُ: لَا أَدْرِيْ، قَالَ: ذَهَابُ أَوْعِيَتِهِ. قَالَ: وَهَل تَدْرِيْ أَيُّ العِلمِ أَوَّلُ أَنْ يُرْفَعَ؟ قَالَ: فَقُلتُ: لَا أَدْرِيْ، قَالَ: «الخُشُوعُ حَتَّى لَا تَكَادَ تَرَى خَاشِعًا» (^٢).
فإذا دخل المصلي المسجد بدأت الوساوس والأفكار والانشغال بأمور الدنيا في ذهنه، فما يشعر إلا وقد انتهى الإِمام من صلاته، وحينئذ يتحسر على صلاته التي لم يخشع فيها ولم يذق حلاوتها، وإنما كانت مجرد حركات وتمتمات كالجسد بلا روح.
قال ابن القيم ﵀: (صلاة بلا خشوع ولا حضور كبدن ميت لا روح فيه، أفلا يستحيي العبد أن يهدي إلى مخلوق مثله عبدًا ميتًا، أو جارية ميتة؟ فما ظن هذا العبد أن تقع تلك الهدية ممن قصده بها من ملك أو أمير أو غيره؛ فهكذا سواء الصلاة الخالية عن الخشوع والحضور، وجمع الهمة على الله تعالى فيها بمنزلة هذا العبد أو الأمة الميت الذي
_________________
(١) قطعة من حديث في صحيح مسلم برقم (٧٧١).
(٢) مسند الإمام أحمد (٣٩/ ٤١٨) برقم (٢٣٩٩٠)، وقال محققوه: حديث صحيح.
[ ٢ / ٣١٠ ]
يريد إهداءه إلى بعض الملوك ولهذا لا يقبلها الله تعالى منه وإن أسقطت الفرض في أحكام الدنيا ولا يثيبه عليها فإنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها). اهـ (^١).
قال بعضهم: إن الرجلين ليكونان في الصلاة وإن ما بينهما كما بين السماء والأرض (^٢).
روى أبو داود في سننه من حديث عمار بن ياسر - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْصَرِفُ وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلَاّ عُشْرُ صَلَاتِهِ، تُسُعُهَا، ثُمُنُهَا، سُبُعُهَا، سُدُسُهَا، خَمُسُهَا، رُبُعُهَا، ثُلُثُهَا، نِصْفُهَا» (^٣).
والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرغ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون له قرة عين، روى النسائي في سننه من حديث أنس - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا: النِّسَاءُ وَالطِّيْبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِيْ فِي الصَّلَاةِ» (^٤)، بل إنه ﵊ كان إذا حزبه أمر صلى، وكان يقول: «قُمْ يَا بِلَالُ فَأَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ» (^٥).
من الأمور التي تعين على الخشوع في الصلاة:
أولًا: أن يستحضر المسلم عظمة الباري ﷾، وأنه واقف بين يدي
_________________
(١) الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص: ١١).
(٢) مدارج السالكين (١/ ٥٦٧).
(٣) سنن أبي داود برقم (٧٩٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (١/ ١٥١) برقم (٧١٤).
(٤) سنن النسائي برقم (٣٩٣٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (٣/ ٨٢٧) برقم (٣٦٨٠).
(٥) سنن أبي داود برقم (٤٩٨٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٣/ ٩٤١) برقم (٤١٧١).
[ ٢ / ٣١١ ]
جبار السماوات والأرض، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧].
ثانيًا: أن ينظر المسلم إلى موضع السجود ولا يلتفت في صلاته.
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي ذر - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «لَا يَزَالُ اللهُ مُقْبِلًا عَلَى العَبْدِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلتَفِتْ، فَإِذَا صَرَفَ وَجْهَهُ انْصَرَفَ عَنْهُ» (^١).
ثالثًا: تدبر القرآن الكريم والأذكار التي يقولها في صلاته، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤].
فإذا تدبَّر المسلم أذكار الركوع والسجود وغيرها من الأذكار كان ذلك أوعى للقلب وأقرب للخشوع.
رابعًا: ذكر الموت في الصلاة.
روى الطبراني في المعجم الكبير من حديث سعد بن عمارة أخي بني سعد بن بكر وكانت له صحبة أن رجلًا قال له: عظني في نفسي يرحمك الله، قال: «إِذَا أَنتَ صَلَّيتَ فَصَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ» (^٢).
خامسًا: أن يهيئ المصلي نفسه فلا يصلي وهو حاقن ولا بحضرة طعام، قال - ﷺ -: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ» (^٣)
_________________
(١) مسند الإمام أحمد (٣٥/ ٤٠٠) برقم (٢١٥٠٨) وقال محققوه: صحيح لغيره.
(٢) معجم الطبراني الكبير (٦/ ٤٤) برقم (٥٤٥٩)، وقال الحافظ في الإصابة (٣/ ٧٠): ورجاله ثقات، قال الألباني في السلسلة الصحيحة (٤/ ٥٤٦) برقم (١٩١٤): وهو في حكم المرفوع كما هو ظاهر.
(٣) صحيح مسلم برقم (٥٦٠).
[ ٢ / ٣١٢ ]
وأن يزيل كل ما يشغله في صلاته من الزخارف والصور ونحوها، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂ قالت: قام رسول الله - ﷺ - يصلي في خميصة ذات أعلام. فنظر إلى علمها. فلما قضى صلاته قال: «اذْهَبُوْا بِهَذِهِ الخَمِيْصَةِ إِلَى أَبِيْ جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ، وَائْتُوْنِيْ بِأَنْبِجَانِيِّهِ، فَإِنَّهَا أَلهَتْنِي آنِفًا فِيْ صَلَاتِي» (^١).
سادسًا: مجاهدة النفس في الخشوع، فالخشوع، ليس بالأمر السهل فلا بد من الصبر والمجاهدة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] ومع الاستمرار والمجاهدة يسهل الخشوع في الصلاة.
سابعًا: استحضار الثواب المترتب على الخشوع، روى مسلم في صحيحه من حديث عثمان - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «مَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوْبَةٌ، فَيُحْسِنُ وُضُوْءَهَا وَخُشُوْعَهَا وَرُكُوْعَهَا، إِلَاّ كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَها مِنَ الذُّنُوبِ، مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيْرَةً، وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ» (^٢).
وكان النبي - ﷺ - من أكثر الناس خشوعًا في الصلاة، روى أبو داود في سننه من حديث عبد الله بن الشخير قال: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي وَفِيْ صَدْرِهِ أَزِيْزٌ كَأَزِيْزِ الرَّحَى مِنَ البُكَاء (^٣).
وَأَبُوْ بَكْرٍ كَانَ رَجُلًا بَكَّاءً لَا يُسْمِعُ النَّاسَ مِنَ البُكَاءِ إِذَا صَلَّى بهم (^٤)،
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٣٧٣)، وصحيح مسلم برقم (٥٥٦).
(٢) صحيح مسلم برقم (٢٢٨).
(٣) سنن أبي داود برقم (٩٠٤) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (١/ ١٧٠) برقم (٧٩٩).
(٤) صحيح البخاري (ص: ١٥١)، باب إذا بكى الإمام في الصلاة.
[ ٢ / ٣١٣ ]
وَعُمَرُ - ﵁ - صَلَّى بِالنَّاسِ وَقَرَأَ سُوْرَةَ يُوَسُفَ فَسُمِعَ نَشِيْجُهُ مِنْ آخِرِ الصُّفُوفِ وَهُوَ يَقْرَأُ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ [يوسف: ١٨] (^١).
قال ابن القيم ﵀ والناس في الصلاة على مراتب:
أحدها: مرتبة الظالم لنفسه المفرط، وهو الذي انتقص من وضوئها، ومواقيتها، وحدودها، وأركانها.
الثاني: من يحافظ على مواقيتها وحدودها وأركانها الظاهرة ووضوئها، لكن قد ضيع مجاهدة نفسه في الوسوسة فذهب مع الوساوس والأفكار.
الثالث: من حافظ على حدودها وأركانها، وجاهد نفسه في دفع الوساوس والأفكار، فهو مشغول بمجاهدة عدوه لئلا يسرق صلاته فهو في صلاة وجهاد.
الرابع: من إذا قام إلى الصلاة أكمل حقوقها وأركانها وحدودها، واستغرق قلبه مراعاة حدودها، لئلا يضيع شيئًا منها، بل همه كله مصروف إلى إقامتها كما ينبغي، وإكمالها وإتمامها، قد استغرق قلبه شأن الصلاة وعبودية ربه ﵎ فيها.
الخامس: من إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك، ولكن مع هذا قد أخذ قلبه ووضعه بين يدي ربه ﷿، ناظرًا بقلبه إليه مراقبًا له، ممتلئًا من محبته وعظمته كأنه يراه ويشاهده، وقد اضمحلت تلك الوساوس والخطرات، وارتفعت حجبها بينه وبين ربه، فهذا بينه وبين غيره في الصلاة أفضل وأعظم مما بين السماء والأرض وهذا في صلاته مشغول بربه ﷿.
فالقسم الأول معاقب، والثاني محاسب، والثالث مكفر عنه،
_________________
(١) الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص: ٣٤ - ٣٥).
[ ٢ / ٣١٤ ]
والرابع مثاب، والخامس مقرب من ربه لأن له نصيبًا ممن جعلت قرة عينه في الصلاة، فمن قرت عينه بصلاته في الدنيا، قرت عينه بقربه من ربه ﷿ في الآخرة، وقرت عينه أيضًا به في الدنيا، ومن قرت عينه بالله قرت به كل عين، ومن لم تقر عينه بالله تعالى تقطعت نفسه على الدنيا حسرات (^١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (١٧٧٣)، وصحيح مسلم برقم (١٣٤٩).
[ ٢ / ٣١٥ ]