الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله - ﷺ -، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فإِنَّ من أفضل الأعمال التي دعا إليها الشرع ورغَّب فيها حسن الخلق، فهو من أعظم مواهب الله لعباده.
قال تعالى عن نبيه محمدٍ - ﷺ -: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وقال تعالى: ﴿خُذِ العَفْوَ وَامُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].
روى الترمذي في سننه من حديث أبي الدرداء - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ اللهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ» (^١).
وحسن الخلق يشمل جوانب كثيرة من حياة المسلم، في أقواله وأعماله، وفي عبادته لربه وتعامله مع عباده.
قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [الإسراء: ٥٣].
وقال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ وقال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤].
_________________
(١) سنن الترمذي برقم (٢٠٠٢) وقال: حديث حسن صحيح.
[ ١ / ٣٣ ]
قال ابن عباس: «أمر الله المؤمنين بالصبر عند الغضب؛ والحلم عند الجهل، والعفو عند الإِساءة، فإِذا فعلوا ذلك عصمهم الله، وأخضع لهم عدوهم» (^١).
ومن وصايا النبي الكريم - ﷺ - للصحابِيَّيْنِ الجليلَيْنِ أبي ذر ومعاذ بن جبل ﵄: أنه قال: «اتَّقِ اللهِ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» (^٢).
قال ابن القيم ﵀: «جمع النبي - ﷺ - بين تقوى الله وحسن الخلق، لأن تقوى الله تصلح ما بين العبد وبين ربه، وحسن الخلق يصلح ما بينه وبين خلقه، فتقوى الله توجب له محبة الله، وحسن الخلق يدعو الناس إلى محبته» (^٣). اهـ.
ولما سُئِل - ﷺ - عَنْ أَكْثَرَ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ قَالَ: «تَقْوَى اللهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ» (^٤).
ولا يكتمل إيمان عبد ما لم يوفق للخلق الحسن. عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا» (^٥).
قال بعض السلف: حسن الخلق قسمان: أحدهما مع الله ﷿ وهو أن تعلم أن كل ما يكون منك يوجب عذرًا، وأن كل ما يأتي من الله يوجب شكرًا.
_________________
(١) تفسير ابن كثير (١٢/ ٢٤٣).
(٢) سنن الترمذي برقم (١٩٨٧)، وقال: حديث حسن صحيح.
(٣) الفوائد (٨٤ - ٨٥).
(٤) سنن الترمذي برقم (٢٠٠٤)، وحسن إسناده الألباني ﵀ في صحيح سنن الترمذي (٢/ ١٩٤) برقم (١٦٣٠).
(٥) سنن الترمذي برقم (١١٦٢)، وقال: حديث حسن صحيح.
[ ١ / ٣٤ ]
ثانيهما: حسن الخلق مع الناس وجِماعه أمران: بذل المعروف قولًا وفعلًا، وكف الأذى قولًا وفعلًا (^١).
فحريٌّ بمن تمسك بهذا أن يصل إلى مراتب العاملين، فقد روى أبو داود في سننه من حديث عائشة ﵂: أن النبي - ﷺ - قال: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ» (^٢).
لقد كان النبي - ﷺ - أعظم الناس خلقًا، فمن أحب أن يهتدي إلى معالي الأخلاق فليقتد بمحمد - ﷺ -.
روى الترمذي في سننه من حديث أنس - ﵁ - قال: «خَدَمْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي: أُفٍّ قَطُّ، وَمَا قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَهُ؟ وَلَا لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ: لِمَ تَرَكْتَهُ؟» (^٣).
وروى البخاري في صحيحه من حديث عطاء بن يسار قال: لَقِيتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - ﵁ -، قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي التَّوْرَاةِ؟ قَالَ: أَجَلْ، وَاللهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥]، وَحِرْزًا لِلأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ. وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا» (^٤).
_________________
(١) تهذيب السنن لابن القيم شرح سنن أبي داود (١٣/ ١٣٠).
(٢) سنن أبي داود برقم (٤٧٩٨) وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٣/ ٩١١) برقم (٤٠١٣).
(٣) سنن الترمذي برقم (٢٠١٥) وأصله في الصحيحين.
(٤) صحيح البخاري برقم (٢١٢٥).
[ ١ / ٣٥ ]
قال حسان بن ثابت يمدح النبي - ﷺ -:
وأَحسنُ مِنْكَ لم ترَ قطُّ عينِي وَأجْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النّسَاءُ
خُلِقتَ مُبَرَّءًا مِنْ كُلِّ عَيْبٍ كَأَنكَ قدْ خُلِقْتَ كما تَشَاءُ
قال عبد الله بن المبارك رحمه اله: حُسْنُ الخُلُقِ: طَلَاقَةُ الوَجْهِ، وَبَذْلُ المَعْرُوْفِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَأَنْ تَحْتَمِلَ مَا يَكُوْنُ مِنَ النَّاسِ (^١).
وحسن الخلق يعمر الديار ويزيد في الأعمار، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عَائِشَة ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لَهَا: «إِنَّهُ مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ وَحُسْنُ الْجِوَارِ يَعْمُرَانِ الدِّيَارَ وَيَزِيدَانِ فِي الأَعْمَارِ» (^٢).
والمسلم لا بدَّ أن تواجهه في حياته مواقف كثيرة، إن لم يستعمل فيها حسن الخلق فإنه سيفشل في مواجهتها.
فمن القواعد العامة في هذا المجال: أن لا تسرع بالملامة في حق من أساء إليك، أو قصر في حقك، وأن تعامله بحسن الظن والتماس العذر، وعلى العكس من ذلك أن لا تقول قولًا، ولا تفعل فعلًا قد تحتاج فيما بعد للاعتذار منه، ففي الحديث عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «إِيَّاكَ وَكُلَّ أَمْرٍ يُعْتَذَرُ مِنهُ» (^٣).
قَالَ الشَّاعرُ:
وإنما الأُممُ الأخلاقُ ما بَقِيت فإِن هُمُ ذَهَبَت أَخلاقُهم ذَهَبُوا
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (ص: ١٦٠).
(٢) مسند الإمام أحمد (٤٢/ ١٥٣) برقم (٢٥٢٥٩)، وقال محققوه: إسناده صحيح.
(٣) الضياء في المختارة (٦/ ١٨٨) برقم (٢١٩٩) وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ٦٨٩) برقم (٣٥٤).
[ ١ / ٣٦ ]
وقال آخر:
صلَاحُ أمرِكَ للأَخلَاق مَرجعُهُ فَقوِّمِ النَّفسَ بالأَخلَاقِ تَستَقِم
ومن الأمثلة التي استعمل فيها حسن الخلق فكانت نتائجها حميدة، ما روي أن رجلًا لقي علي بن الحسين فسبه، فثارت إليه العبيد، فقال: مهلًا، ثم أقبل على الرجل فقال: ما سُتر عنك من أمرنا أكثر، ألك حاجة نعينك عليها؟ فاستحى الرجل، فألقى عليه خميصة (^١) كانت عليه، وأمر له بألف درهم، فكان الرجل بعد ذلك يقول: أشهد أنك من أولاد الرسول - ﷺ - (^٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
_________________
(١) كساء أسود مربع معلم.
(٢) مختصر منهاج القاصدين (ص: ٢٣٨).
[ ١ / ٣٧ ]