الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله - ﷺ -، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فإن من أجل الطاعات وأعظم العبادات والقربات التي يتقرب بها المسلم إلى ربه جل وعلا: الدعاء، لما يتضمن من الاعتراف بعظمة الباري وقوته، وغناه وقدرته، ولما فيه من تذلل العبد وانكساره بين يدي خالقه جل وعلا.
وقد أمرنا الله بالدعاء ووعدنا الإِجابة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦].
والناس في الدعاء على ثلاثة أحوال: فمنهم من يدعو غير الله وهم المشركون، فإنَّهم وإن أخلصوا الدُّعاء في الشدة فإِنَّ ذلك لا ينفعهم، قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] ويشبههم من بعض الوجوه: المسلم الذي يدعو الله في الشدائد والكرب، فإِذا جاء الرخاء غفل ونسي.
روى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْتَجِيبَ اللهُ لَهُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالْكُرَبِ فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ» (^١).
_________________
(١) سنن الترمذي برقم (٣٣٨٢) وقال: هذا حديث غريب وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم (٦٢٩٠).
[ ١ / ٨٣ ]
ومنهم قوم أعطاهم الله من واسع فضله فلم يشكروا؛ بل طغوا واستكبروا، قال الله في هؤلاء: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].
ومنهم المؤمنون الذين عرفوا قدر ربهم، وأيقنوا أنه لا سعادة ولا فلاح في الدنيا والآخرة إلا منه.
قال تعالى مثنيًا عليهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
قال النبي - ﷺ - مبينًا لأمته فضل الدعاء: «لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللهِ مِنَ الدُّعَاءِ» (^١)، وَقَالَ أَيضًا: «لَا يَرُدُّ القَضَاءَ إِلَاّ الدُّعَاءُ» (^٢).
وروى الترمذي في سننه من حديث أنس - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «أَلِظُّوا بِيَا ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ» (^٣).
فبيَّن النبي - ﷺ - أن الله ﷿ يحب من عباده كثرة الدعاء والإِلحاح فيه، قال الشاعر:
لَا تَسْأَلَنَّ بُنَيَّ آدَمَ حَاجَةً وَسَلِ الَّذِي أَبوَابُه لَا تُحْجَبُ
اللهُ يَغْضَبُ إِن تَرَكْتَ سُؤَالَهُ وَبُنَيَّ آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ
وهذا شاعر جاهلي يقول في معلقته:
وَاللهُ لَيْسَ لَهُ شَرِيكُ عَلَاّمُ مَا أَخْفَتِ الْقُلُوبُ
_________________
(١) سنن الترمذي برقم (٣٣٧٠)، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب وصححه الألباني في صحيح الترمذي (٣/ ١٣٨) برقم (٢٦٨٤).
(٢) سنن الترمذي برقم (٢١٣٩)، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢/ ٢٢٥) برقم (١٧٣٨).
(٣) سنن الترمذي برقم (٣٥٢٤)، قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، وصححه الألباني في صحيح الترمذي (٣/ ١٧٢) برقم (٢٧٩٧).
[ ١ / ٨٤ ]
مَنْ يَسْأَلِ النَّاسَ يَحْرِمُوهُ وَسَائِلُ اللهَ لَا يَخِيبُ
ويجب على العبد أن يراعي في دعائه الأمور التالية:
أولًا: الإِخلاص لله في الدعاء. روى أبو داود في سننه من حديث النعمان بن بشير - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ» (^١).
وقد قال الله تعالى مبينًا وجوب إِخلاص العبادة له: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].
وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ المَسَاجِدَ للهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨].
ثانيًا: ألا يستعجل العبد في استجابة الدعاء، فإِنّ الله سبحانه أعلم بمصالح عباده، وما من داعٍ إلا ويستجاب له بأَن يُعطى سؤله، أو يصرف عنه من الشر مثله، أو يدَّخر له في الآخرة كما ثبت بذلك الحديث الصحيح عن النبي - ﷺ - (^٢)، ولذلك نهى النبي - ﷺ - عن الاستعجال في الدعاء.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: «يُسْتَجَابُ لأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي» (^٣).
ثالثًا: ألَاّ يدعو بإِثم أو قطيعة رحم.
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ» (^٤).
_________________
(١) سنن أبي داود برقم (١٤٧٩)، وقال: الترمذي: حسن صحيح، وانظر: صحيح الجامع الصغير برقم (٣٤٠١).
(٢) انظر: مسند الإمام أحمد (١٧/ ٢١٣) برقم (١١١٣٣)، وقال محققوه: إسناده جيد.
(٣) صحيح البخاري برقم (٦٣٤٠)، وصحيح مسلم برقم (٢٧٣٥).
(٤) جزء من حديث في صحيح مسلم برقم (٢٧٣٥).
[ ١ / ٨٥ ]
رابعًا: أن يكون حاضر القلب حال الدعاء، مقبلًا على ربه عند مناجاته في خشوع وسكينة، موقنًا بالإِجابة.
وروى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «ادْعُوا اللهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ» (^١).
خامسًا: تقوى الله بفعل الطاعات واجتناب المعاصي، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: ١١].
قال بعض السلف: لا تستبطئ الإِجابة وقد سددت طريقها بالمعاصي.
قال الشاعر:
نَحْنُ نَدْعُو الإِلَهَ فِي كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ نَنْسَاهُ عِنْدَ كَشْفِ الكُرُوب
كَيْفَ نَرْجُو إِجَابَةً لِدُعَاءٍ قَدْ سَدَدْنَا طَرِيقَهَا بِالذُّنُوب
سادسًا: أن يعلم أن من أعظم موانع استجابة الدُّعاء أكل الحرام، وإن من المحزن أن كثيرًا منا لا ينتبه لهذا.
روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «لَيَاتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْمَرْءُ بِمَا أَخَذَ الْمَالَ، أَمِنْ حَلَالٍ أَمْ مِنْ حَرَامٍ» (^٢).
وعلى سبيل المثال ترى البعض يأخذ أموال الناس بالظلم والقوة، وبعضهم بالمكر والحيلة، ومنهم من يبخس العمال حقوقهم، وآخرون يساهمون بأموالهم في البنوك الربوية، أو يتعاطون في أموالهم وتجاراتهم
_________________
(١) سنن الترمذي برقم (٣٤٧٩)، وحسّنه الألباني في الأحاديث الصحيحة برقم (٥٩٤).
(٢) صحيح البخاري برقم (٢٠٨٣).
[ ١ / ٨٦ ]
معاملات محرمة أو مشبوهة.
روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَاّ طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]، وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا للهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢]. ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟ !» (^١).
سابعًا: أن يعلم المسلم أن من موانع الدعاء ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، روى الترمذي في سننه من حديث حذيفة بن اليمان ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَامُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ» (^٢).
وقد ذكر أهل العلم آداب الدعاء، وبينوا ذلك في كتبهم، فينبغي للعبد أن يعرفها ويأخذ بها، فمن ذلك أن يبدأ الدّاعي بحمد الله والثناء عليه بما هو أهله، والصلاة والسلام على رسوله - ﷺ -، وأن يعزم المسألة، فلا يقول: اللهم اغفر لي إن شئت، ونحوها، وأن يرفع يديه حال الدعاء مستقبلًا القبلة وأن يكون على طهارة، وأن يكون معترفًا بذنبه ونعمة الله وفضله عليه، ومنها إظهار الافتقار إلى الله تعالى والشكوى إليه، وأن لا يعتدي في الدعاء، وقد بينت هذه الآداب بأحاديث صحيحة عن النبي - ﷺ -، وأن يتحرى الأوقات الفاضلة التي
_________________
(١) صحيح مسلم برقم (١٠١٥).
(٢) سنن الترمذي برقم (٢١٦٩)، وقال: هذا حديث حسن.
[ ١ / ٨٧ ]
يستجاب فيها الدعاء كحال السجود، وبين الأذان والإِقامة، والدعاء في جوف الليل، وآخر النهار يوم الجمعة، وعند نزول المطر، وإفطار الصائم، وليلة القدر، ويوم عرفة، ودبر الصلوات المكتوبات، وعند النداء للصلوات المكتوبات، وعند إقامة الصلاة، وعند زحف الصفوف في سبيل الله، وعند الاستيقاظ من النوم ليلًا والدعاء بالمأثور، وقد ثبتت هذه المواضع بأحاديث صحيحة عن النبي - ﷺ -.
وقد جاء عن النبي - ﷺ - الإِخبار عمن يستجاب دعاؤهم، فمنهم: دعوة الأخ لأخيه بظهر الغيب، ودعوة الوالد، والمسافر، والصائم، والمظلوم، والإِمام العادل، ودعوة الولد الصالح، ودعوة المستيقظ من النوم إذا دعا بالمأثور وغيرهم.
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة - ﵁ -: قال رسول الله - ﷺ -: «دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ تُحمَلُ عَلَى الْغَمَامِ، وَتُفَتَّحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاوَاتِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ ﷿: وَعِزَّتِي لأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ» (^١).
وقد كان - ﷺ - يختار في دعائه جوامع الدعاء فيقول: ﴿رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] وكان يكثر منها، ويقول: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» (^٢)، وقال لعلي: «قُل: اللَّهُمَّ اهْدِنِي وَسَدِّدْنِي» (^٣)، وعلم عائشة أن تقول في ليلة القدر: «اللهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ
_________________
(١) مسند الإمام أحمد (١٣/ ٤١٠) برقم (٨٠٤٣)، وقال محققوه: حديث صحيح بطرقه وشواهده] طبعة مؤسسة الرسالة [.
(٢) مسند الإمام أحمد (١٩/ ١٦٠) برقم (١٢١٠٧) وقال محققوه: إسناده قوي على شرط مسلم وأصله في صحيح مسلم.
(٣) سنن أبي داود برقم (٤٢٢٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٢/ ٧٩٥) برقم (٣٥٥٦).
[ ١ / ٨٨ ]
فَاعْفُ عَنِّي» (^١)، وقال - ﷺ -: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ هُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَاّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا مُسْلِمٌ رَبَّهُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَاّ اسْتَجَابَ لَهُ «(^٢). وغيرها من الأدعية.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
_________________
(١) سنن الترمذي برقم (٣٥١٣)، وقال: حديث حسن صحيح.
(٢) مسند الإمام أحمد (٣/ ٦٦) برقم (١٤٦٢) من حديث سعد بن أبي وقاص، وقال محققوه: إسناده حسن.
[ ١ / ٨٩ ]