الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله - ﷺ -، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فإن من الذنوب العظيمة التي تخرج فاعلها من دائرة الإِسلام وتوجب له الخلود في نار جهنم الاستهزاء بالله أو رسوله أو كتابه أو المؤمنين، وحيث إن الموضوع واسع المجال لمن أراد أن يتكلَّم فيه، رأيت إيجاز القول في العناصر التالية:
١ - تعريف الاستهزاء وذكر أمثلة لذلك.
٢ - حكم الاستهزاء وبيان الأدلة على كفر المستهزئين وأقوال أهل العلم في ذلك.
٣ - حكم توبة المستهزئ وهل تُقبل أم لا؟
٤ - صور من الاستهزاء في وقتنا المعاصر.
أما تعريفه: فإن الاستهزاء لغة: مصدر من قولهم استهزأ يستهزئ، وهو مأخوذ من مادة (هـ - ز - أ) التي تدل على السخرية، أو على مزح في خفية، أو على السخرية واللعب (^١). اهـ.
قال بعض أهل العلم: ينقسم الاستهزاء إلى قسمين - الاستهزاء الصريح، كالذي نزلت الآية فيه، وهو قولهم: ما رأينا مثل قُرّائنا هؤلاء،
_________________
(١) ابن فارس في المقاييس (٦/ ٥٢)، مفردات الراغب (ص: ٥٤٠).
[ ٢ / ٣٦٣ ]
أرغب بطونًا، أو نحو ذلك من أقوال المستهزئين، وقول بعضهم: دينكم هذا دين خامس. وقول الآخر: دينكم أخرق، وقول الآخر إذا رأى الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر: جاءكم أهل الدِّيك، من باب السخرية بهم، وما أشبه ذلك مما لا يُحصى، إلا بكلفة مما هو أعظم من قول الذين نزلت فيهم الآية (^١).
قال الشيخ صالح الفوزان - حفظه الله -: ومثل هذا ما يقوله بعضهم: إن الإِسلام لا يصلح للقرن العشرين، وإِنَّما يصلح للقرون الوسطى، وإِنَّه تأخر ورجعية، وأَن فيه قسوة ووحشية في عقوبات الحدود والتعازير، وأنه ظلم المرأة حقها حيث أباح الطلاق وتعدد الزوجات، وقولهم: الحكم بالقوانين الوضعية أحسن للناس من الحكم بالإِسلام، ويقولون في الذي يدعو إلى التوحيد وينكر عبادة القبور والأضرحة: هذا متطرِّف، أو يريد أن يفرق جماعة المسلمين، أوهذا وهابي، أو مذهب خامس أو الدين ليس في الشعر استهزاء بإعفاء اللحية، وما أشبه هذه الأقوال التي كلها سب للدين وأهله واستهزاء بالعقيدة الصحيحة (^٢). اهـ.
٢ - الاستهزاء غير الصريح، وهو البحر الذي لا ساحل له مثل الغمز بالعين، وإِخراج اللسان، ومد الشفة، والغمز باليد عند تلاوة كتاب الله، أو سنة رسوله - ﷺ -، أو عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (^٣).
أما حكم الاستهزاء فإنه كفر، وهو من نواقض الإِسلام العشرة كما ذكر ذلك أهل العلم، وهو من أعظم صفات المنافقين والأدلة على ذلك كثيرة، قال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ
_________________
(١) مجموعة التوحيد (ص: ٤٠٩).
(٢) كتاب التوحيد (ص: ٤٧).
(٣) مجموعة التوحيد (ص: ٤٠٩).
[ ٢ / ٣٦٤ ]
وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ [التوبة: ٧٤].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٢].
وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٥].
وسبب نزول هذه الآية عن ابن عمر ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم وقتادة: دخل حديث بعضهم في بعض، أن رجلًا كان مع النبي - ﷺ - في غزوة تبوك، فقال: «مَا رَأَيْنَا مِثْلَ قُرَّائِنَا هَؤُلَاءِ أَرْغَبَ بُطُونًا، وَلَا أَكْذَبَ أَلْسُنًا، وَلَا أَجْبَنَ عِنْدَ اللِّقَاءِ» وهو يعني بقوله هذا: النبي - ﷺ - وأصحابه القراء ﵃، فذهب عوف إلى رسول الله - ﷺ -، فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله - ﷺ - وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله: إنما كنا نخوض ونلعب ونتحدث حديث الركب نقطع به عنا الطريق، قال ابن عمر: فكأني أنظر إليه متعلقًا بنسعة ناقة رسول الله - ﷺ - وإن الحجارة لتنكب رجليه، وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب، فقال له رسول الله - ﷺ -: «﴿أَبِاللهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٥]، مَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ وَمَا يَزِيْدُ عَلَيْهِ» (^١).
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀: الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر يكفر به صاحبه بعد إيمانه (^٢).
_________________
(١) تفسير ابن جرير (٥/ ٤٠٣٦) برقم (١٦٩٧٠)، وقال الشيخ مقبل الوادعي ﵀ في كتابه الصحيح المسند من أسباب النزول (ص: ١٢٦): الحديث رجاله رجال الصحيح إلا هشام ابن سعد فلم يخرج له مسلم إلا في الشواهد كما في الميزان، وله شاهد بسند حسن عند ابن أبي حاتم (٤/ ٦٤) من حديث كعب بن مالك.
(٢) الفتاوى (٧/ ٢٧٣).
[ ٢ / ٣٦٥ ]
قال الإِمام النووي ﵀: ولو قال وهو يتعاطى قدح الخمر، أو يقدم على الزنا: بسم الله استخفافًا بالله تعالى كفر (^١).
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتابه «التوحيد»: باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول، وفيه مسائل:
الأولى وهي العظيمة: أن من هزل بهذا كافر (^٢).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد ابن عبد الوهاب: أجمع العلماء على كفر من فعل شيئًا من ذلك، فمن استهزأ بالله أو بكتابه أو برسوله أو بدينه كفر، ولو هازلًا، لم يقصد حقيقة الاستهزاء إجماعًا (^٣). اهـ.
وسئل الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى: «الذي يبغض اللحية ويقول وساخة، هل هو مرتد؟
فأجاب: إن كان يعلم أنه ثابت عن الرسول الله - ﷺ -، فهذا استهزاء بما جاء به الرسول - ﷺ -، فحريٌّ أن يحكم عليه بذلك» (^٤).
وإن من الردة عن دين الله: ما يتلفظ به بعض أبناء المسلمين من كلمات كفرية، يخرجون بها من دين الإِسلام وهم لا يشعرون.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهَا (^٥) يَهْوِي
_________________
(١) روضة الطالبين (١٠/ ٦٧).
(٢) (ص: ٥٨).
(٣) تيسير العزيز الحميد (ص: ٦١٧).
(٤) فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم (١١/ ١٩٥).
(٥) أي ما يتفكر هل هي خير أو شر؟
[ ٢ / ٣٦٦ ]
بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» (^١).
أما عن توبة المستهزئ، فقال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في كتابه «القول المفيد في شرح كتاب التوحيد»: وقد اختلف أهل العلم فيمن سب الله أو رسوله أو كتابه، هل تقبل توبته أم لا؟ على قولين:
الأول: أنها لا تقبل توبته، بل يقتل كافرًا ولا يُصلى عليه ولا يدعى له بالرحمة، وهو المشهور عند الحنابلة.
الثانية: أنها تُقبل توبته إذا علمنا صدقه وأقر على نفسه بالخطأ، ووصف الله تعالى بما يستحق من صفات التعظيم (^٢).
ومن صور الاستهزاء التي نرى ونسمع وللأسف في هذه الأيام، هذه المقالات السيئة والرسوم الساخرة، التي تكتب في الجرائد والمجلات والكتب، ويزعمون أنها للتسلية وفيها الكفر والردة عن الدِّين.
أحدهم رسم ديكًا تتبعه أربع دجاجات يقصد السخرية من تعدد الزوجات، وآخر كتب مقالًا تهجم فيه على الحجاب، وزعم أنه تخلف ورجعية، وآخر سوَّل له الشيطان سوء عمله فجعل القرآن شعرًا يتغنى به على أنغام الموسيقى. نسأل الله السلامة والعافية.
وينبغي أن يعلم أنه يجب الإِنكار على هؤلاء المستهزئين وتنبيههم على عظيم جرمهم وخطورته، فإن لم يستجيبوا فلا يجوز الجلوس معهم في مجلس واحد، قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللهَ جَامِعُ المُنَافِقِينَ وَالكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠].
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٦٤٧٧)، وصحيح مسلم برقم (٢٩٨٨).
(٢) (٢/ ٢٦٨) بتصرف.
[ ٢ / ٣٦٧ ]
سئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ عن الصحف والمجلات والكتب التي تنشر المقالات الإلحادية والصور الخليعة وتشيد بالكفار والفجار وأهل الفن، وهل يجوز شرائها أو بيعها أو الترويج لها؟ فأجاب: الصحف التي هذا شأنها يجب أن تقاطع وأن لا تشترى ويجب على الدولة إذا كانت إسلامية أن تمنعها لأن هذه تضر المجتمع وتضر المسلمين فالواجب على المسلم أن لا يشتريها وأن لا يروجها وأن يدعو إلى تركها، وعلى المسؤولين الذين يستطيعون منعها أن يمنعوها (^١). أ. هـ.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
_________________
(١) الموسوعة البازية في المسائل النسائية (٢/ ١٢٧٤).
[ ٢ / ٣٦٨ ]