الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله - ﷺ -، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فإِنّه ينبغي للمسلم أن يسأل الله ﵎ أن يبارك له في علمه وعمله، وفي وقته وماله، وفي أهله وأولاده، وفي دنياه وآخرته، وأن يحرص على الأسباب التي تستجلب بها البركة.
قال الراغب: «البركة هي ثبوت الخير الإِلهي في الشيء» (^١). اهـ.
فالبركة ما حلت في قليل إلا كثر، ولا كثير إلا نفع، وإن من أعظم ثمار البركة في الأمور كلها استعمالها في طاعة الله ﷿.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦].
ولما كان النبي - ﷺ - وأصحابه ﵃ أعظم الناس قيامًا بالتقوى ولوازمها، كانت البركة لهم وبهم أَعظم وأعم، ولقد هداهم الله تعالى ومن شاء من صالحي العباد إلى ما فيه الخير كله والبركة كلها، وهو هذا الكتاب العظيم الذي أمر الناس بتعلمه وتدبره.
قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩].
_________________
(١) معجم مفردات ألفاظ القرآن الكريم (٤١).
[ ١ / ٤٧ ]
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي عثمان قال: قال عبد الرحمن ابن أبي بكر ﵄: جَاءَ أَبُو بَكْرٍ بِضَيْفٍ لَهُ - أَوْ بِأَضْيَافٍ لَهُ -، فَأَمْسَى عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَلَمَّا جَاءَ قَالَتْ أُمِّي: احْتَبَسْتَ عَنْ ضَيْفِكَ - أَوْ أَضْيَافِكَ - اللَّيْلَةَ. قَالَ: مَا عَشَّيْتِهِمْ؟ فَقَالَتْ: عَرَضْنَا عَلَيْهِ - أَوْ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا أَوْ - فَأَبَى، فَغَضِبَ أَبُو بَكْرٍ فَسَبَّ وَجَدَّعَ، وَحَلَفَ لَا يَطْعَمُهُ، فَاخْتَبَاتُ أَنَا فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ. فَحَلَفَتِ الْمَرْأَةُ لَا تَطْعَمُهُ حَتَّى يَطْعَمَهُ، فَحَلَفَ الضَّيْفُ - أَوِ الأَضْيَافُ - أَنْ لَا يَطْعَمَهُ - أَوْ يَطْعَمُوهُ - حَتَّى يَطْعَمَهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَأَنَّ هَذِهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَدَعَا بِالطَّعَامِ، فَأَكَلَ وَأَكَلُوا، فَجَعَلُوا لَا يَرْفَعُونَ لُقْمَةً إِلَاّ رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا، فَقَالَ: يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ مَا هَذَا؟ فَقَالَتْ: وَقُرَّةِ عَيْنِي إِنَّهَا الآنَ لأَكْثَرُ قَبْلَ أَنْ نَاكُلَ، فَأَكَلُوا وَبَعَثَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَذَكَرَ أَنَّهُ أَكَلَ مِنْهَا (^١).
وعن عائشة ﵂ قالت: «لَقَدْ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَمَا فِي رَفِّي مِنْ شَيْءٍ يَاكُلُهُ ذُو كَبِدٍ، إِلَاّ شَطْرُ شَعِيرٍ فِي رَفٍّ لِي، فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ، فَكِلْتُهُ، فَفَنِيَ» (^٢).
وهناك أسباب كثيرة تُستجلب بها البركة.
منها: تقوى الله جل وعلا، فما اتَّقَى الله عبد في أي أمرٍ من أُموره، إلَاّ بارك الله له فيه بقدر تقواه أو أعظم.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦].
ومنها: الدعاء، ولقد علمنا النبي - ﷺ - الدعاء بطلب البركة في
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٦١٤١)، وصحيح مسلم برقم (٢٠٥٧).
(٢) صحيح البخاري برقم (٦٤٥١)، وصحيح مسلم برقم (٢٩٧٣).
[ ١ / ٤٨ ]
أمور كثيرة، فقد علمنا أن ندعو للمتزوج: فنقول: «بَارَكَ اللهُ لَكَ، وَبَارَكَ عَلَيْكَ، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي الخَيْرٍ» (^١)، وعلمنا أن ندعو لمن أطعمنا فنقول: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِيمَا رَزَقْتَهُمْ، وَاغْفِرْ لَهُمْ وَارْحَمْهُمْ» (^٢)، وعلمنا أن ندعو بالبركة في طعامنا فنقول: «اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ» (^٣).
وكَانَ - ﷺ - يُؤتَى بِالأَطفَالِ فَيَدعُو لَهُم بالبَرَكَةِ (^٤)، وَإِذَا أَتَوْهُ بالبَاكُورَةِ مِنَ الثَّمَرَةِ دَعَا فِيهَا بالبَرَكَةِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، وَفِي ثِمَارِنَا، وَفِي مُدِّنَا، وَفِي صَاعِنَا، بَرَكَةً مَعَ بَرَكَةٍ». ثُمَّ يُعْطِيهِ أَصْغَرَ مَنْ يَحْضُرُهُ مِنَ الْوِلْدَانِ (^٥).
ومنها أن يأخذ المال بطيب نفس من غير شره ولا إلحاح.
قال النبي - ﷺ - لحكيم بن حزام - ﵁ -: «يَا حَكِيمُ! إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، كَالَّذِي يَاكُلُ وَلَا يَشْبَعُ» (^٦).
ويلحق بهذا إنفاق المال في وجوه البر وإخراج زكاته، وبذل حقوقه بإِخلاص وطيب نفس.
قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩].
_________________
(١) سنن الترمذي برقم (١٠٩١)، وقال: حسن صحيح.
(٢) صحيح مسلم برقم (٢٠٤٢).
(٣) أبو داود برقم (٣٧٣٠)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم (٣٨١).
(٤) سنن أبي داود برقم (٥١٠٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٣/ ٩٦١) برقم (٤٢٥٩).
(٥) انظر: صحيح مسلم برقم (١٣٧٣).
(٦) صحيح البخاري برقم (١٤٧٢)، وصحيح مسلم برقم (١٠٣٥).
[ ١ / ٤٩ ]
روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ» (^١).
وفي حديث قدسي عن أبي هريرة - ﵁ -: يبلغ به النبي - ﷺ - قال: «قَالَ اللهُ ﵎: يَا ابْنَ آدَمَ أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ» (^٢).
ومنها: الصدق في المعاملة من بيع وشراء وتجارة وشراكة وغيرها.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث حكيم بن حزام - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» (^٣).
ومنها: قضاء الأعمال والتجارات في أول النهار؛ روى الإمام أحمد في مسنده من حديث صخر الغامدي - ﵁ -: عن النبي - ﷺ - قال: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا» (^٤).
قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً بَعَثَهَا أَوَّلَ النَّهَارِ، وَكَانَ صَخْرٌ رَجُلًا تَاجِرًا، وَكَانَ لَا يَبْعَثُ غِلْمَانَهُ إِلَاّ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، فَكَثُرَ مَالُهُ حَتَّى كَانَ لَا يَدْرِي أَيْنَ يَضَعُ مَالَهُ؟ !
ومنها: اتباع السنة في الطعام والشراب، وفيه أحاديث نشير إلى بعضها، روى الترمذي في سننه من حديث عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال النبي - ﷺ -: «الْبَرَكَةُ تَنْزِلُ وَسَطَ الطَّعَامِ، فَكُلُوا مِنْ حَافَتَيْهِ وَلَا تَاكُلُوا مِنْ وَسَطِهِ» (^٥).
_________________
(١) صحيح مسلم جزء من حديث برقم (٢٥٨٨).
(٢) صحيح البخاري برقم (٤٦٨٤)، وصحيح مسلم برقم (٩٩٣).
(٣) صحيح البخاري برقم (٢١١٠)، وصحيح مسلم برقم (١٥٣٢).
(٤) مسند الإمام أحمد (٣/ ٤١٦) وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم (١٣٠٠).
(٥) سنن الترمذي برقم (١٨٠٥) وقال: حديث حسن صحيح.
[ ١ / ٥٠ ]
وروى مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِلَعْقِ الأَصَابِعِ وَالصَّحْفَةِ، وَقَالَ: «إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّ طَعَامِكُمُ الْبَرَكَةُ» (^١).
وروى ابن ماجه في سننه من حديث وحشي - ﵁ - أنهم قالوا: يَا رَسُولَ اللهِ: إِنَّا نَاكُلُ وَلَا نَشْبَعُ؛ قَالَ: «فَلَعَلَّكُمْ تَأكُلُونَ مُتَفَرِّقِينَ». قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: «فَاجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ، يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ» (^٢).
ومنها: أي من أسباب حصول البركة، استخارة المولى جل وعلا في الأمور كلها، مع الإِيمان بأَن ما يختاره الله لعبده خير مما يختاره لنفسه في العاجل والآجل؛ وكان النبي - ﷺ - من شدة حرصه عليها يعلمها أصحابه كما يعلمهم السورة من القرآن؛ فيقول: «إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَاّمُ الْغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي - أَوْ قَالَ: عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ -، فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، - أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ -، فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ أَرْضِنِي بِهِ» (^٣).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
_________________
(١) صحيح مسلم برقم (٢٠٣٤).
(٢) سنن ابن ماجه برقم (٣٢٨٦) وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه برقم (٢٦٧٤).
(٣) صحيح البخاري برقم (١١٦٢).
[ ١ / ٥١ ]