الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله - ﷺ -، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩].
روى الطبراني في المعجم الصغير من حديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ لأَحَبُّ إِلَيَّ مِن نَفسِي، وَإِنَّكَ لأَحَبُّ إِلَيَّ مِن أَهلِي وَمَالِي، وَأَحَبُّ إِلَيَّ مِن وَلَدِي، وَإِنِّي لأَكُونُ فِي البَيتِ فَأَذكُرُكَ فَمَا أَصبِرُ حَتَّى آتِيَكَ فَأَنظُرَ إِلَيكَ، وَإِذَا ذَكَرتُ مَوتِي وَمَوتَكَ عَرَفتُ أَنَّكَ إِذَا دَخَلتَ الجَنَّةَ رُفِعتَ مَعَ النَّبِيِّينَ، وَأَنِّي إِذَا دَخَلتُ الجَنَّةَ خَشِيتُ أَلَاّ أَرَاكَ، فَلَم يَرُدَّ عَلَيهِ النَّبِيُّ - ﷺ - شَيئًا حَتَّى نَزَلَ جِبرِيلُ ﵇ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ ﴾ (^١).
_________________
(١) معجم الطبراني الصغير (١/ ٢٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٧) رجاله رجال الصحيح إلا عبدالله بن عمران وهو ثقة وله شاهد من حديث ابن عباس كما في المجمع (٧/ ٧) وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط. قال الشيخ مقبل الوادعي في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول" (ص: ٨٠ - ٨١) وقد أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٤٠) و(٨/ ١٢٥) والواحدي في أسباب النزول بهذا السند، وقال الشوكاني: إن المقدسي حسنه، وله شواهد كما في تفسير ابن كثير (٤/ ١٥١ - ١٥٢) تزيده قوة.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
وقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ ﴾، قال ابن كثير ﵀: أي من عمل بما أمره الله ورسوله وترك ما نهاه الله ورسوله، فإن الله ﷿ يسكنه دار كرامته، ويجعله مرافقًا للأنبياء، ثم لمن بعدهم في الرتبة وهم الصدِّيقون، ثم الشهداء، ثم عموم المؤمنين وهم الصالحون الذين صلحت سرائرهم وعلانيتهم، ثم أثنى الله عليهم بقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] (^١).
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَيَّرَ» فَلَمَّا اشْتَكَى وَحَضَرَهُ الْقَبْضُ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ شَخَصَ بَصَرُهُ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قَالَ: «مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الأَعْلَى». قَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَلِمتُ أَنَّهُ يُخَيَّرُ (^٢).
قال ابن حجر: الرفيق الأعلى: هم المذكورون في سورة النساء في قوله: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ ﴾ الآية (^٣).
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عمرو بن مرة الجهني قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله شَهِدْتُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهِ وأَنَّكَ رَسُولُ اللِه، وَصَليْتُ الْخَمْسَ، وَأَدَّيْتُ زكَاةَ مَالِي، وَصُمْتُ شَهر رَمَضَانَ، فقال النبي - ﷺ -: «مَنْ مَاتَ عَلَى هَذَا كَانَ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ يَومَ اَلْقِيَامَة هَكَذَا - وَنَصَبَ إِصْبَعيهِ - مَا
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٤/ ١٥١ - ١٥٢).
(٢) صحيح البخاري برقم (٤٤٣٧، ٤٤٤٠)، وصحيح مسلم برقم (٢٤٤٤).
(٣) فتح الباري (٨/ ١٣٨).
[ ٢ / ٢٠٤ ]
لَمْ يَعُقَّ واِلدَيه» (^١).
وروى مسلم في صحيحه من حديث ربيعة بن كعب الأسلمي - ﵁ - قال: كنت أبيت عند النبي - ﷺ - فآتيه بوضوئه وحاجته، فقال لي: «سَلْ»، فقلت: يا رسول الله أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: «أَوَ غَيرَ ذَلِكَ؟» قلت: هو ذاك، قال: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفسِكَ بِكَثرَةِ السُّجُودِ» (^٢).
قال ابن كثير: وأعظم من هذا كله ما ثبت في الصحيح والمسانيد وغيرها من طرق متواترة، عن جمع من الصحابة، أن النبي - ﷺ - سئل عن الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم؟ فقال النبي - ﷺ -: «المَرءُ مَعَ مَن أَحَبَّ» قال أنس: فما فرح المسلمون فرحهم بهذا الحديث (^٣) (^٤).
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ، كَمَا تَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ من الأُفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ أَوِ الْمَغْرِبِ، لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، تِلْكَ مَنَازِلُ الأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ؟ قَالَ: «بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، رِجَالٌ آمَنُوا بِاللهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ» (^٥).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
_________________
(١) مسند الإمام أحمد (٣٩/ ٥٢٢ - ٥٢٣) وقال محققوه: حديث صحيح.
(٢) صحيح مسلم برقم (٤٨٩).
(٣) تفسير ابن كثير (٤/ ١٥٥).
(٤) صحيح البخاري برقم (٦١٦٩)، وصحيح مسلم برقم (٢٦٤٠).
(٥) صحيح البخاري برقم (٣٢٥٦)، وصحيح مسلم برقم (٢٨٣١).
[ ٢ / ٢٠٥ ]