الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله - ﷺ -، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
فإن على المسلم أن يحرص أن يكون حجه موافقًا لحج النبي - ﷺ -؛ لقوله - ﷺ - في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر - ﵁ -: «لِتَاخُذُوْا مَنَاسِكَكُم، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ» (^١)، وهناك مخالفات شرعية يقع فيها بعض الحجاج، أحببت التذكير بها أداء لحق الله، وقيامًا بواجب النصيحة.
أولًا: إخراج الصلاة عن وقتها، قال الإمام ابن النحاس في ذكره بعض منكرات الحجاج ومنها، وهو أعظمها فتنة، وأجلها في الدين مصيبة، وأكثرها وجودًا وبلية هو تضييع أكثرهم للصلاة في الحج، وكثير منهم لا يتركونها، بل يضيعون وقتها ويجمعونها على غير الوجه الشرعي، وذلك حرام بالإجماع (^٢)، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].
ثانيًا: ما يفعله بعض الحجاج الذين يقومون بزيارة قبر النبي - ﷺ - قبل الحج وبعده، من استقبال قبر النبي - ﷺ -، ودعائه بكشف الضر وجلب النفع، وهذا شرك ينافي التوحيد لا يرضاه الرسول - ﷺ -، بل نهى عنه وحذر منه. قال تعالى: ﴿وَأَنَّ المَسَاجِدَ للهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا﴾
_________________
(١) برقم (١٢٩٧).
(٢) تنبيه الغافلين (ص: ٢٨٤).
[ ٣ / ٤٢٩ ]
[الجن: ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥].
وقال - ﷺ -: «لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» يحذر مثل ما صنعوا (^١).
وقال - ﷺ - لرجل قال له: ما شاء الله وشئت: «أَجَعَلْتَنِي وَاللهِ عَدْلًا؟ ! بَلْ مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ» (^٢).
ثالثًا: التصوير، وهو من المحرمات التي يجهل حرمتها كثير من الحجاج، وقد نهى الرسول - ﷺ - عن التصوير في أحاديث كثيرة، ولعن فاعله، روى البخاري ومسلم، من حديث ابن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ» (^٣).
وروى البخاري ومسلم من حديث جندب: أن النبي - ﷺ - قال: «مَن سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِه، وَمَن يُرَائِي يُرَائِي اللهُ بِهِ» (^٤).
هذا أولًا، وثانيًا: أن بعض الحجاج يتخذ لنفسه صورًا حال إحرامه، أو رافعًا يديه يدعو، أو يقرأ، أو غير ذلك من أحوال العبادة ليطلع عليها أهله وأقاربه إذا عاد إليهم، وقد يدخل هذا في الرياء المنهي عنه، بل يخشى على فاعل ذلك أن يحبط عمله من حيث لا يشعر.
رابعًا: من أراد الحج أو العمرة فليحرم من الميقات الذي يمر به، ولا يجوز تجاوز الميقات بلا إحرام لمريد الحج أو العمرة، روى البخاري ومسلم من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي - ﷺ - قال: «هُنَّ لَهُنَّ
_________________
(١) قطعة من حديث في صحيح مسلم برقم (٥٣١).
(٢) مسند الإمام أحمد (٣/ ٣٣٩) برقم (١٨٣٩) وقال محققوه: صحيح لغيره ..
(٣) برقم (٥٩٥٠)، وصحيح مسلم برقم (٢١٠٩).
(٤) برقم (٦٤٩٩)، وصحيح مسلم برقم (٢٩٨٧).
[ ٣ / ٤٣٠ ]
وَلِمَن أَتَى عَلَيْهِنَّ مِن غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّن أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ» (^١).
وأما من يأتي عن طريق الجو في الطائرة، أو البحر في السفينة، فمن الأولى أن يحرم عند محاذاة الميقات، أو قبله بقليل احتياطًا، ولا ينتظر حتى يصل إلى جدة؛ لأن هذا مخالف لما عليه فتاوى علمائنا، كالشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين رحمهما الله تعالى، وغيرهما.
خامسًا: أن كثيرًا من الحجاج يلزم أدعية خاصة في الطواف يقرأها من كتاب مناسك، وقد يكون مجموعة منهم يتلقونها من قارئ يلقنهم إياها، ويرددونها خلفه بصوت جماعي، وأكثر هذه الأدعية والأذكار لا تثبت عن النبي - ﷺ -، والدعاء بها بهذه الطريقة بدعة محدثة.
روى البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂: أن النبي - ﷺ - قال: «مَن أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيْهِ فَهُوَ رَدٌّ» (^٢). إضافة إلى أن فيه تشويشًا على الحجاج الآخرين.
سادسًا: ومن الأخطاء العظيمة المتعلقة بيوم عرفة، أن بعض الحجاج يبقون خارج حدود عرفة حتى تغرب الشمس، ثم ينصرفون إلى مزدلفة من غير أن يقفوا بعرفة، وهذا خطأ عظيم؛ لأن الوقوف بعرفة ركن لا يصح الحج إلا به، فمن لم يقف بعرفة في وقت الوقوف فلا حج له، روى الترمذي من حديث عبد الرحمن بن يعمر: أن النبي - ﷺ - قال: «الْحَجُّ عَرَفَةُ، مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ» (^٣).
_________________
(١) برقم (١٥٢٤)، وصحيح مسلم برقم (١١٨١).
(٢) برقم (٢٦٩٧)، وصحيح مسلم برقم (١٧١٨).
(٣) جزء من حديث في سنن الترمذي برقم (٨٨٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (١/ ٢٦٥) برقم (٧٠٥).
[ ٣ / ٤٣١ ]
سابعًا: ما يتعلق بمزدلفة، فبعض الحجاج لا يتأكد من حدود مزدلفة، ويبيت خارجها، وبعضهم يخرج منها قبل منتصف الليل، ولا يبيت فيها، ومن لم يبت فيها من غير عذر فقد ترك واجبًا من واجبات الحج، ويلزمه دم مع التوبة، ويرى بعض أهل العلم أن المبيت بمزدلفة، وصلاة الصبح بها ركن من أركان الحج، كالوقوف بعرفة، لأن الله نص عليه، فقال: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]. والنبي - ﷺ - سواها بعرفة حينما قال: «وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» (^١) (^٢).
روى الترمذي في سننه من حديث عروة الطائي: أن النبي - ﷺ - قال: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ أَتَمَّ حَجَّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ» (^٣).
ثامنًا: أن بعض الحجاج يوكلون من يقوم برمي الجمار عنهم، مع قدرتهم على ذلك ليسقطوا عن أنفسهم معاناة الزحام، ومشقة العمل، وهذا مخالف لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لله﴾ [البقرة: ١٩٦]، وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ عن حكم التوكيل عن المريض والمرأة العاجزة كالحبلى والثقيلة والضعيفة التي لا تستطيع رمي الجمار؟ فأجاب بأنه لا بأس بالتوكيل عنهم (^٤)، أما القوية النشيطة فإنها ترمي بنفسها، ومن عجز عنه نهارًا رمى بالليل.
_________________
(١) جزء من حديث في سنن الترمذي برقم (٨٨٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (١/ ٢٦٣) برقم (٧٠٢).
(٢) الشرح الممتع للشيخ ابن عثيمين ﵀ (٧/ ٣٠٥ - ٣٠٦).
(٣) سنن الترمذي برقم (٨٩١) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٤) فتاوى الحج والعمرة (ص: ١١١ - ١١٢).
[ ٣ / ٤٣٢ ]
تاسعًا: أن بعضهم إذا أراد تقصير شعر رأسه يكتفي بأخذ شعرات من رأسه، أو يأخذ من جانب ويدع آخر، والصحيح أن الواجب على الحاج أن يحلق رأسه كله أو يقصره كله، هذا في حق الرجل، أما المرأة فإنها تقص من ضفائرها بقدر أنملة فقط. والأفضل أن يبدأ بالشق الأيمن في الحلق أو التقصير.
عاشرًا: أن بعضهم إذا تحلل التحلل الأول حلق لحيته أو قصر منها، قال الشيخ ناصر الدين الألباني: وهذه المعصية من أكثر المعاصي شيوعًا بين المسلمين في هذا العصر، بسبب استيلاء الكفار على أكثر بلادهم، ونقلهم هذه المعصية إليها، وتقليد المسلمين لهم فيها مع نهيه - ﷺ - إياهم عن ذلك صراحة في قوله - ﷺ -: «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، أَحْفُوا الشَّوَارِبَ وَأَوْفُوا اللِّحَى» (^١).
وفي هذه القبيحة عدة مخالفات:
الأولى: مخالفة أمره - ﷺ - الصريح بالإعفاء.
الثانية: التشبه بالكفار.
الثالثة: تغيير خلق الله الذي فيه طاعة الشيطان في قوله كما حكى الله تعالى ذلك عنه: ﴿وَلآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ﴾ [النساء: ١١٩].
الرابعة: التشبه بالنساء، وقد لعن رسول الله - ﷺ - من فعل ذلك.
وإن من المشاهدات التي يراها الحريص على دينه أن جماهير من الحجاج يكونون قد وفروا لحاهم بسبب إحرامهم، فإذا تحللوا منه فبدل أن يحلقوا رؤوسهم كما ندب إليه رسول الله - ﷺ - حلقوا لحاهم التي
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٥٨٩٢)، وصحيح مسلم برقم (٢٥٩).
[ ٣ / ٤٣٣ ]
أمرهم - ﷺ - بإعفائها، فإنا لله وإنا إليه راجعون (^١) (^٢).
أسأل الله أن يتقبل من المسلمين حجهم، وسائر أعمالهم، وأن يوفقنا لكل خير.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
_________________
(١) حجة النبي - ﷺ - كما رواها عنه جابر (ص: ٨ - ٩)، للشيخ ناصر الدين الألباني.
(٢) انظر مخالفات الحج والعمرة للشيخ عبدالعزيز السدحان.
[ ٣ / ٤٣٤ ]