توليه القضاء
في عام ١٢٠٩ من هجرة المصطفى ﷺ توفي كبير قضاة اليمن القاضي يحيى بن صالح الشجري السحولي، وكان مرجع العامة والخاصة وعليه المعول في الرأي والأحكام ومستشار الإمام والوزارة (١).
قال الشوكاني (٢) " وكنت إذ ذاك مشتغلا بالتدريس في علوم الاجتهاد، والإفتاء والتصنيف منجمعا عن الناس لا سيما أهل الأمر وأرباب الدولة، فإني لا أتصل بأحد منهم كائنا من كان ولم يكن لي رغبة في سوى العلوم. . . فلم أشعر إلا بطلاب لي من الخليفة بعد موت القاضي المذكور بنحو أسبوع، فذهبت إلى مقامه العالي فذكر لي أنه قد رجح قيامي مقام القاضي المذكور، فاعتذرت له، بما كنت فيه من الاشتغال بالعلم، فقال: القيام بالأمرين ممكن وليس المراد إلا القيام بفصل ما يصل من الخصومات إلى ديوانه العالي في يومي اجتماع الحكام فيه، فقلت سيقع مني الاستخارة لله والاستشارة لأهل الفضل، وما اختاره الله ففيه الخير، فلما فارقته ما زلت مترددا نحو أسبوع، ولكنه وفد إلي غالب من ينتسب إلى العلم في مدينة صنعاء وأجمعوا على أن الإجابة واجبة، وأهم يخشون أن يدخل في هذا المنصب الذي إليه مرجع الأحكام الشرعية في جميع الأقطار اليمنية من لا يوثق بدينه وعلمه،. . فقبلت مستعينا بالله ومتكلا عليه. . . وأسأل الله بحوله وطوله أن يرشدني إلى مراضيه، ويحول بيني وبين معاصيه وييسر لي الخير حيث كان، ويدفع عني الشر، ويقيمني في مقام العدل ويختار لي ما فيه الخير في الدين والدنيا " ا هـ.
قلت: وربما أن الشوكاني رأى في منصب القضاء فرصة لنشر السنة وإماتة البدعة، والدعوة إلى طريق السلف الصالح. . . .
_________________
(١) البدر الطالع (٢/ ٣٣٤)
(٢) في البدر الطالع (١/ ٤٦٤ - ٤٦٦)
[ ١ / ٢٦ ]
كما أن منصب القضاء سيصد عنه كثيرا من التيارات المعادية له، ويسمح لأتباعه بنشر آرائه السديدة، وطريقته المستقيمة.
" والأئمة الثلاث الذين تولى الشوكاني القضاء الأكبر لهم ولم يعزل حتى وافته المنية هم:
١ - المنصور علي بن المهدي عباس ولد سنة ١١٥١ هـ وتوفي سنة ١٢٢٤هـ ومدة خلافته (٢٥) سنة.
٢ - ابنه المتوكل علي بن أحمد بن المنصور علي، ولد سنة ١١٧٠هـ وتوفي سنة ١٢٣١ هـ ومدة خلافته نحو (٧) سنوات.
٣ - المهدي عبد الله ولد سنة ١٢٠٨هـ وتوفي سنة ١٢٥١هـ ومدة خلافته (٢٠) سنة " (١).
قلت: كان تولي الشوكاني القضاء كسبا كبيرا للحق والعدل، فقد أقام سوق العدالة بينا، وأنصف المظلوم من الظالم، وأبعد الرشوة وخفف من غلواء التعصب ودعا الناس إلى اتباع القرآن والسنة.
إلا أن هذا المنصب قد منعه من التحقيق العلمي، يظهر ذلك إذا ما تتبع المرء مؤلفاته قبل توليه القضاء وبعده، تجد الفرق واضحا.
_________________
(١) الإمام الشوكاني مفسرا. للغماري (ص ٧١) باختصار
[ ١ / ٢٧ ]