تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حقَّقه وعلَّق عليه وخرَّج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
[ ٥ / ٢٦٣٨ ]
نقيس حمل هذا الخفض وارفع على ما بينته رواية (١) الجمهور، بل رواية الكل لا على ما في رواية ذلك الكذاب والضعيف، وليست بزيادة يجب العمل بها، أو الحمل عليها، فإن العمل بالزيادة إنما تكون بعد أن تقوم بها الحجة، ويتعين الأخذ بها، لا مثل هذه الزيادة التي لا يجوز العمل عليها، ولا الأخذ بها، فضلًا عن أن تكون مقبولة.
وفي هذا كفاية. والله ولي التوفيق، وقد ذكر ابن القيم في الهدي (٢) أن رواية الرفع في السجود وهم، فليكتب كلامه هنا [٢أ].
_________________
(١) في المخطوط مكرر.
(٢) (١/ ٢١١ - ٢١٢) وانظر «جامع الفقه» موسوعة الأعمال الكاملة للأمام ابن القيم الحوزية (١/ ٨٩ - ٩١).
[ ٥ / ٢٦٣٥ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على [سيد] (١) المرسلين وآله الأكرمين- ورضي الله عن الصحابة أجمعين-.
اعلم أن السجود (٢) لمجرده من غير انضمامه إلى صلاة ودخوله فيها عبادة مستقلة يأجر الله عبده عليها والنصوص على ذلك في الكتاب العزيز معروفة والحمل في بعضها غلى السجود الكائن في الصلاة أو على نفس الصلاة هو مجاز لابد فيه من علاقة وقرينة ودليل ومن ذلك السجودات للتلاوة فإنه ﷺ بينها بالسجود المنفرد وغيرها مثلها يحمل على السجود المنفرد.
وهكذا يحمل المنفرد على السجود أو على نفس الصلاة ما ثبت في الصحيح (٣) من حديث معدان بن طلحة اليعمري قال لقيت ثوبان مولى رسول الله ﷺ فقلت أخبرني بعمل أعمله يدخلني الجنة أو قال قلت ما أحب الأعمال إلى الله ﷿ فسكت ثم سألته فسكت ثم سألته الثالثة فقال سألت عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: «عليك بكثرة السجود لله فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة» ثم لقيت أبا الدرداء فسألته فقال لي مثل ما قال لي ثوبان هذا لفظ
_________________
(١) في الأصل: سيدي والصواب ما أثبتناه.
(٢) قال ابن القيم في «زاد المعاد» (١/ ٢٢٩): أول سورة أنزلت على رسول الله ﷺ (اقرأ) على الأصح وختمها بقوله: ﴿واسجد وأقترب﴾ [العلق: ١٩]، بأن السجود لله يقع من المخلوقات كلها علويها وسفليها، وبأن الساجد أذل ما يكون لربه وأخضع له، وذلك أشرف حالات العبد. فلهذا كان أقرب ما يكون من ربه في هذه الحالة، وبأن السجود هو سر العبودية، فإن العبودية هي الذل والخضوع، يقال: طريق معبد، أي ذللته الأقدام، ووطأته. وأذل ما يكون العبد وأخضع إذا كان ساجدًا.
(٣) أخرجه مسلم رقم (٤٨٨) والترمذي رقم (٣٨٨) والنسائي (٢/ ٢٢٨) وابن ماجه رقم (١٤٢٣) وهو حديث صحيح.
[ ٥ / ٢٦٤٣ ]
مسلم (١) وكل عربي لا يفهم من قوله سجدة إلا السجدة المنفردة وأما السجود الذي في الصلاة فأجره داخل في أجر الصلاة.
وثبت في الصحيح (٢) من حديث ربيعة بن كعب الأسلمي كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي: «سل» فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة فقال: «أو غير ذلك» فقلت هو ذاك. قال: «فأعني على نفسك بكثرة السجود». هذا لفظ مسلم (٣) فصدق هذا السجود على السجود المنفرد هو المعنى الحقيقي ومثل هذا حديث عائشة [﵂] (٤) الثابت عنها في الصحيح (٥) أنها فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدها على بطن قدمه وهو في المسجد وهما منصوبتان مهو يقول: «اللهم إني أعوز برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوز بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك»، وهكذا يصدق على السجود المنفرد ما ثبت في
_________________
(١) في صحيحة رقم (٢٢٥/ ٤٨٨).
(٢) أخرج مسلم في صحيحة رقم (٢٢٦/ ٤٨٩) عن ربيعة بن كعب الأسلمي قال: كنت مع رسول الله ﷺ فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: «سل» فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: «أو غير ذلك» قلت: هو ذلك. قال: «فأعني على نفسك بكثرة السجود». قال القاضي عياض في «أكمال المعلم بفوائد مسلم» (٢/ ٣٠٤): ليزداد من القرب ورفعة الدرجات حتى يقرب من منزلته وإن لم يساره فيها، فإن السجود معارج القرب ومدراج رفعة الدرجات قال تعالى: ﴿واسجد وأقترب﴾ [العلق: ١٩]. وقال﵇- في الحديث الآخر: «لا تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة» ولأن السجود غايته التواضع لله، والعبودية له، وتمكين اعز عضو في الإنسان وأرفعه وهو وجهه من أدنى الأشياء وأخسها وهو التراب والأرض المدوسة بالأرجل والنعال وأصله في اللغة: الميل.
(٣) في صحيحة رقم (٢٢٦/ ٤٨٩).
(٤) زيادة يستلزمها السياق.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحة رقم (٢٢٢/ ٤٨٦).
[ ٥ / ٢٦٤٤ ]
الصحيح (١) من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء».
وأخرج النسائي (٢) من حديث عائشة [﵂] (٣) قالت: «كان [١أ] رسول الله ﷺ يصلي إحدى عشرة ركعة فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى صلاة الفجر سوى ركعتي الفجر ويسجد قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية».
وقد أخطأ صاحب عدة الحصن الحصين (٤) في الحكم منه بأن هذه السجدة موضوعة فقد نبهت على ذلك في شرحي على العدة (٥).
وأخرج ابن أبي شبيبة في مصنفه (٦) عن أبي سعيد أنه قال: ما وضع رجل جبهته لله ساجدًا فقال يا رب اغفر لي ثلاثًا إلا رفع رأسه وقد غفر له، وهذا وإن كان موقوفُا عليه فله حكم الرفع لأن ذلك لا يقال من طريقة الرأي وأخرجه الطبراني (٧) عن أبي مالك عن أبيه عن النبي ﷺ، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨) رواه الطبراني في الكبير (٩) من رواية محمد بن جابر عن أبي مالك هذا قال ولم أر من ترجمهما (١٠).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحة (٤٨٢). قلت: وأخرجه أبو داود رقم (٨٧٥) والنسائي (٢/ ٢٢٦) وهو حديث صحيح.
(٢) رقم (١٧٤٩) وهو حديث صحيح.
(٣) زيادة يستلزمها السياق.
(٤) (ص١٦٩).
(٥) (ص ١٦٨ - ١٦٩).
(٦) (١٠/ ٢٢١ - ٢٢٢ رقم٩٢٨٢).
(٧) في «الكبير» (٨/ ٤٨٣ رقم٨١٩٧).
(٨) (٢/ ١٢٩).
(٩) في «الكبير» (٨/ ٤٨٣ رقم٨١٩٧).
(١٠) «قلت: محمد بن جابر هذا يترجح لدي أنه ابن سيار المترجم في «تهذيب الكمال» (٢٤/ ٥٦٥) لأمور عدة منها:
(١١) التقارب في الطبقة.
(١٢) أن ابن سيار هذا كوفي، وشيخه أبو مالك هو سعد بن طارق الأشجعي من أهل الكوفة.
(١٣) نكارة المتن، فإذا كان محمد بن جابر هو ابن سيار- كما رجحته- فهو أولى من تلزق به هذه النكارة حيث إن من دونه أفضل حالًا منه، وابن سيار وشهور برواية المناكير.
(١٤) شهرته تكفي عند الرواية عنه عن تعيينه، خلافًا لغيره ممن يسمى بهذا الاسم، فهم دون الشهرة عنه فغالبًا ما يحتاجون عند الرواية عنهم إلى زيادة نسبة تعيينهم. وهذه النقطة كثيرًا ما تجدها في مصنفات الطبراني فإنه إذا جاء عنده راو غير مشهور فغالبًا ما يعينه» ١هـ. «الفرائد على مجمع الزوائد» خليل بن محمد العربي (ص٢٦٩ - ٢٩٧).
[ ٥ / ٢٦٤٥ ]
وأخرج بن ماجه (١) بإسناد صحيح عن عبادة بن الصامت أنه سمع رسول الله ﷺ يقول ما من عبد يسجد لله سجدة إلا كتب الله له بها حسنة ومحا عنه بها سيئة ورفع له بها درجة فاستكثروا من السجود.
وأخرج أحمد (٢) وابن ماجه (٣) بإسناد جيد عن أبي فاطمة قال: يا رسول الله أخبرني بعمل استقيم عليه وأعمل قال عليك بالسجود فإنه لا يسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة ولفظ أحمد (٤) أنه ﷺ قال له: «يا أبا فاطمة إن أردت أن تلقاني فأكثر السجود».
وأخرج الطبراني في الأوسط (٥) بإسناد رجاله ثقات من حديث حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من حالة يكون العبد أحب إلى الله من أن يراه ساجدًا يعفر وجهه في التراب».
وأخرج أحمد (٦) والبزار (٧) بإسناد صحيح من حديث أبي ذر قال سمعت رسول الله ﷺ
_________________
(١) في «السنن» رقم (١٤٢٤). وهو حديث صحيح.
(٢) في «المسند» (٣/ ٤٢٨).
(٣) في «السنن» رقم (١٤٢٢) وهو حديث صحيح.
(٤) في «المسند» (٣/ ٤٢٨).
(٥) رقم (٦٠٧٥).
(٦) في «المسند» (٥/ ١٤٨).
(٧) في مسنده (١/ ٣٤٥ - ٣٤٦ رقم ٧١٨ - كشف). وأورده الهيثمي في «المجمع» (٢/ ٢٥٨) وقال: رواه أحمد والبزار ورجاله رجال الصحيح.
[ ٥ / ٢٦٤٦ ]
ٍ
يقول: «من سجد لله سجدة كتب الله له بها حسنة وحط عنه بها خطيئة ورفع له بها درجة»، ومعلم أن المراد بهذه السجدات المذكورة في هذه الأحاديث هي السجدات المنفردة كما هو المعنى الحقيقي وصدقه مجاوًا على السجود الكائن في الصلاة لا يضرنا ولا يدفع صدقه على السجود المنفرد والحاصل أن السجود نوع من أنواع العبادة مرغب فيه بهذه الحاديث وغيرها يتقرب به العبد كما يتقرب بالصلاة لورود التغيب والوعد النبوي بالأجر الجزيل عليه وفعله ﷺ لبعض أنواعه لا يمنع من فعل غيره كما هو شأن الترغيب العام بالقول ومثل هذا لا يخفى فيسجد في أي وقت شاء على أي صفة أراد ومن أنكر عليه ذلك فهو لا يدري بهذه الأحاديث التي ذكرناها وأشرنا إلى غيرها أو يدري بها ولكنه لا يفهم أن المشروعية ثبتت بدون ذلك [١ب] ومن قال بأن المشروع من السجود إنما هو بعض أنواعه مثل سجود التلاوة (١) والشكر (٢) ونحو ذلك فيقال له يلزم هذا في
_________________
(١) (منها): ما أخرجه مسلم في صحيحة رقم (١٠٨/ ٥٧٨) وأبو داود رقم (١٤٠٧) والترمذي رقم (٥٧٣، ٥٧٤) وقال: حديث حسن صحيح والنسائي (٢/ ١٦١، ١٦٢) وابن ماجه رقم (١٠٥٨). عن أبي هريرة ﵁ قال: سجدنا مع رسول الله ﷺ في: ﴿إذا السماء انشقت﴾ [الانشقاق: ١]. و﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ [العلق: ١]. وهو حديث صحيح. ومنها ما أخرجه البخاري رقم (١٠٧١) عن ابن عباس قال: «أن النبي ﷺ سجد بالنجم».
(٢) منها: ما أخرجه أحمد (٥/ ٤٥) وأبو داود رقم (٢٧٧٤) والترمذي رقم (١٥٧٨) وابن ماجه رقم (١٣٩٤) وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وهو حديث حسن. عن أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ «كان إذا جاءه خبر يسره خر ساجدًا لله». قال ابن القيم في «إعلام الموقعين» (٢/ ٤٤٨ - ٤٤٩): فإن النعم نوعان: مستمرة، ومتحددة، فالمستمرة شكرًا لله عليها، وخضوعًا له، وذلًا في مقابلة فرحة النعم، وانبساط النفس لها وذلك من أكبر أدوائها، فإن الله سبحانه لا يحب الفرحين ولا الآشرين. فكان دواء هذا الداء الخضوع والذل والانكسار لرب العالمين، وكان سجود الشكر من تحصيل هذا المقصود ما ليس في غيره. ونظير هذا السجود عند الآيات التي يخوف الله بها عباده كما في الحديث: «إذا رأيتم آية فاسجدوا». أخرجه أبو داود رقم (١١٩٧) والترمذي رقم (٣٨٩١) وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقد فزع النبي ﷺ عند رؤية انكساف الشمس إلى الصلاة، وأمر بالفزع إلى ذكره «- أخرجه البخاري رقم (١٠٤٦) ومسلم رقم (٩٠١) ومعلوم أن آياته تعالى لم تزل مشاهدة معلومة بالحس والعقل، ولكن تجددها يحدث للنفس من الرهبة، والفزع إلى الله ما لا تحدثه الآيات المستمرة فتجدد هذه النعم في اقتضائها لسجود الشكر كتحدد تلك الآيات في اقتضائها للفزع إلى السجود والصلوات. قال ابن القيم في «عدة الصابرين» (ص١٧٢ - ١٧٤): فإن قيل: فنعم الله دائمًا مستمرة على العبد فما الذي اقتضى تخصيص النعمة الحادثة بالشكر دون الدائمة وقد تكون المستدامة أعظم». قيل: الجواب من وجوه:
(٣) إن النعمة المتجددة تذكر بالمستدامة، والإنسان موكل بالأدنى.
(٤) إن هذه النعمة المتجددة تستدعي عبودية مجددة وكان أسسها على الإنسان وأحبها إلى الله السجود شكرًا له.
(٥) إن المتجددة لها وقع في النفوس والقلوب بها أعلق، ولهذا يهني بها ويعزي بفقدها.
(٦) إن حدوث النعم توجب فرح النفس وانبساطها، وكثيرًا ما يجر ذلك إلى الأشر والبطر، والسجود ذل لله وعبودية وخضوع.
[ ٥ / ٢٦٤٧ ]
الصلاة فيقال ليس له أن يتنفل ألا النفل الذي وقع منه ﷺ ولا يزيد عليه في عدد ولا صفة ولا يفعله في زمان غير الزمان الذي فعله ﷺ فيه ولا يخفاك أن هذا القول جهل عظيم لأن الترغيبات في مطلق النفل من الصلاة تدل على أن الاستكثار من صلاة النفل سنة ثابتة وشريعة قائمة ما لم يكن الوقت وقت كراهة (١) فهكذا مجرد السجود فإنه ثبت
_________________
(١) أخرج البخاري في صحيحة رقم (٥٨٦) ومسلم رقم (٢٨٨/ ٨٢٧) من حديث أبي سعيد الخدري قال ﷺ: «لا صلاة بعد الصبح حتى تبزغ الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب». وأخرج مسلم في صحيحة رقم (٢٩٣/ ٨٣١) عن عقبة بن عامر الجهني قال: «ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن، أو أن نقبر موتانا حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس وحين تضيف الشمس للغروب».
[ ٥ / ٢٦٤٨ ]
الترغيب فيه والأجر العظيم لفاعله كما تقدم ولا سيما وهو من أسباب القرب من الرب ﷿ كما تقدم (١) من قوله ﷺ: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» ثم أمره بإكثار الدعاء عند هذا القرب الكائن للساجد بسجوده ما أحق طالب الخير وقارع باب الإجابة أن ينحط عند أن يدعو ربه ساجدًا فإنه يفتح له باب الرحمة التي تجاب عندها الدعوات وترفع بها الدرجات وتكفر بها الخطيئات لأنه قد صار في مقام القرب من ربه في مقام أقرب القرب من الجناب العالي ﷿.
كتبه قائله الشوكاني غفر الله له [٢أ].
_________________
(١) تقدم ذكره من حديث أبي هريرة.
[ ٥ / ٢٦٤٩ ]