تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
[ ٤ / ٢٠٠٥ ]
وصف المخطوط (أ):
١ - عنوان الرسالة: (بحث في حديث "أجعل لك صلاتي كلها" وفي تحقيق الصلاة على الآل ومن خصهم).
٢ - موضوع الرسالة: في "الحديث".
٣ - أول الرسالة: الحمد لله وحده، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله، ورضي الله عن الصحابة الراشدين، آمين، وبعد: فإنه وصل إلى أسير التقصير محمد بن علي الشوكاني.
٤ - آخر الرسالة: وقد عرفت أن الأولى أن يُصلى على الآل في كل موضع يُصلى فيه على رسول الله لما سلف. انتهى تحرير هذا البحث في نهاية يوم السبت من غرة شهر جمادى الآخرة سنة ١٢٠٨ هـ كتبه محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما.
٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد.
٦ - الناسخ: المؤلف محمد بن علي الشوكاني.
٧ - عدد الصفحات: (٧) صفحات.
٨ - المسطرة: الأولى: (٢٧) سطرا.
الثانية: (٢٦) سطرا.
الثالثة والرابعة: (٢٧) سطرا.
الخامسة: (٢٦) سطرا.
السادسة: (٢٧) سطرا.
السابعة: (٤) أسطر.
٩ - عدد الكلمات في السطر: (١١ - ١٣) كلمة.
١٠ - الرسالة من المجلد الثالث من "الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني".
[ ٤ / ٢٠٠٧ ]
وصف المخطوط (ب):
١ - عنوان الرسالة: (بحث في حديث "أجعل لك صلاتي كلها" وفي تحقيق الصلاة على الآل ومن خصهم).
٢ - موضوع الرسالة: في "الحديث".
٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
سيدنا العلامة المحقق بدر الإسلام محمد بن علي الشوكاني كثر الله فوائده وجعل سوابغ نعمه
٤ - آخر الرسالة: وأشدها ما سلف. انتهى من تحرير المجيب جامعه قرة عين المسلمين عز الإسلام والدين محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما. وأقام به الدين إنه حليم كريم. حرره حفظه الله في شهر القعدة سنة ١٢٠٨ هـ.
٥ - نوع الخط: خط نسخي معتاد.
٦ - عدد الصفحات: (١٢) صفحة.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: (٢٩ - ٣٠) سطرا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: (١٦ - ١٨) كلمة.
٩ - الرسالة من المجلد الثالث من "الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني".
[ ٤ / ٢٠١٠ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
سيدنا العلامة المحقق بدر الإسلام محمد بن علي الشوكاني كثر الله فوائده، وجعل سوابغ نعمه وآلائه عليه عائدة، وأتحفه بشريف سلامه، وجزيل إلمامه، دار في ذلك الموقف المبارك بيوم الجمعة مع الاجتماع بكم وبأولئك الأعيان الذين هم أشبه بالملأ الأعلى، كثر الله أعداد أمثالهم من العلماء في الملأ.
ذكر الحديث الشريف، وهو قوله - ﵌ -: "إذا تُكفى همك، ويغفر ذنبك" (١) جوابا على القائل له: جعلت لك صلاتي كلها. فحصلت المراجعة في لفظ الصلاة (٢)، إلام ينصرف؟ هل إلى ذات الأذكار والأركان؟ أم إلى الدعاء؟.
_________________
(١) سيأتي تخريجه.
(٢) الصلاة أصلها في اللغة الدعاء، مأخوذة من صلى يصلي إذا دعا. وقال قوم: هي مأخوذة من الصلا وهو عرق في وسط الظهر ويغترق عند العجب فيكتنفه، ومنه أخذ المصلى في سبق الخيل؛ لأنه يأتي في الحلبة ورأسه عند صلوى السابق، فاشتقت الصلاة منه إما لأنها ثانية للإيمان فشبهت بالمصلى من الخيل، وإما لأن الراكع تثنى صلواه. والصلا: مغرز الذنب من الفرس، والاثنان صلوان. والمصلى: تالي السابق؛ لأن رأسه عند صلاه. وقيل: هي مأخوذة من صليت العود بالنار إذا قومته ولينته بالصلاء. والصلاء: صلاء النار بكسر الصاد محدود، فإن فتحت الصاد قصرت فقلت صلا النار، فكأن المصلي يقوم نفسه بالمعاناة فيها ويلين ويخشع. والصلاة: الدعاء، والصلاة: الرحمة، ومنه: "اللهم صل على محمد". والصلاة العبادة، ومنه قوله تعالى: (وما كان صلاتهم عند البيت) أي عبادتهم. والصلاة النافلة، ومنه قوله تعالى: (وأمر أهلك بالصلاة) والصلاة التسبيح، ومنه قوله تعالى: (فلولا أنه كان من المسبحين) أي من المصلين، ومنه سبحة الضحى، وقد قيل في تأويل: (نسبح بحمدك): نصلي، والصلاة: القراءة، ومنه قوله تعالى: (ولا تجهر بصلاتك). انظر: "الصحاح" (٦/ ٢٤٠٢). و"الجامع لأحكام القرآن" (١/ ١٦٨ - ١٦٩).
[ ٤ / ٢٠١٥ ]
وذكرتم في غضون جوابكم ذكرها بمعنى الدعاء في بعض السنن، وبمعنى ذات الأركان قد ذكرت كذلك، ولم يتبين الصحيح من القولين فيعلم، أو صحتهما [١].
ويحصل ترجيح، أو وقف، وكل من المحاضرين عنده فيما أظن ما يشفي غلته في ذلك، محيط به علمه ما عداني، فأين أنا من أولئك الرجال أهل التدين والكمال.
وتقدموا للعاشقين فكلهم طلب النجاة لنفسه إلا أنا
فلكم الفضل بتحقيق ما لديكم في ذلك، وإن شققت عليكم بكثرة السؤالات فويل الشجي من الخلي.
وقد سمعت من جوابكم ما تقدم ذكره من ورود الأمرين، لكن المراد من الصحيح ما يسفر به الصبح من فوائدكم، أبقاكم الله لذي عينين.
مع أن جمعان ذكر في ذلك في شرح العدة ما لفظه: ومعنى: جعلت لك صلاتي كلها، أي دعائي كله لمن يذكر غير هذا. وأي الوجهين صح فقد عم فضل الله به، كثر خير ربنا وطاب، إنما حيث الصحيح أو الأصح أحد القولين أراد الحقير التطلع له ومعرفته إن شاء الله، وأسأل الله أن يجعل العمل خالصا لوجهه، ويعلمنا ما جهلناه، ويرزقنا العمل بما علمناه، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
نعم، وكذلك حصلت المذاكرة هنالك، هل يكون السلام على النبي - ﵌ - مقرونا بكل صلاة يلفظ بها؛ فإذا صلى المصلي مثلا عشرا سلم عشرا، مقترنة بها كل سلام مع كل صلاة، أو يكون السلام بعد إكمال الصلاة، فإذا صلى مثلا ألفا قال بعدها، إما بلا فصل، أو مع تراخ: السلام عليك أيها النبي الكريم .. إلخ، فقد أجزأه، وفعل ما كفاه.
وأما في قوله تعالى: ﴿وسلموا تسليما﴾ فقد أجبتم في السؤال السابق في حديث النفث بعد الإخلاص والمعوذتين عند النوم أنها لا تقتضي الترتيب، فهاهنا كذلك
[ ٤ / ٢٠١٦ ]
تكون أولا.
وسؤال آخر لم يحصل مذاكرة به: من جملة الألفاظ الواردة عنه - ﵌ - في الصلاة عليه.
اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد.
كما حرره في مجموعة سيدنا حامد شاكر - ﵀ - بغير زيادة مع أني ما قد وجدته مفردا هكذا إلا في مجموعه ﵀.
نعم فإذا وسط المصلي التسليم بينه، فقال: اللهم صل وسلم على محمد، وعلى آل محمد، هل قد أجزأه عن التسليم المعروف عن النبي - ﵌ -، وهو السلام عليك .. إلخ. فهو أعني: وسلم قد ورد في لفظه - ﵌ - بفتح اللام، فهل يكون كذلك هنا بكسرها في دعاء الصباح والمساء ونحوه كما عرفتم؟ وعلى دين نبينا محمد - ﵌ - الفائدة مستمدة، والشيء بالشيء يذكر: حذف الآل في الصلاة المذكورة في الصباح والمساء، هل هي كذلك بغير ذكر الآل في كل الروايات، أو في بعض؟ فإن كانت في البعض فما يحمل في البعض الآخر إلا على غفلة، أو سهو، أو تحامل، كما فعله أكثر المحدثين السابقين [٢]، وحذا حذوهم جماعة من اللاحقين والنقال اعتباطا، فلم يسمع في كل ما رووه من أحاديث الصلاة عنه - ﵌ - صلاة واحدة كما علمتم، ولم يذكر فيها الآل، وهم الذين حققوها لنا، ورووها، ودونوها، وتحروا النقص ولو بالحرف الواحد والزيادة في روايتهم، فما بالهم وهنوها. يا لله العجب، والله خير مستعان.
عرفت قدري ثم أنكرته فما عدا الله مما بدا
والأعداء قد عرفت باردة، والحجة واردة، والله سبحانه حسبي وكفى. وإن كانت لم تسمع، أعني: الصلاة المذكورة في الصباح والمساء، ومثلها إلا كذلك بغير الآل، فهل الأولى ترك ذكرهم فيها للاتباع. أما الأولى زيادة ذكرهم، وما عسى أن يسألهم الله عن هذه الزيادة إن لم يثبت عليها، ولا يعاتبهم الرسول من أجلها، وهو الحادي إليها
[ ٤ / ٢٠١٧ ]
بقوله - ﵌ -: "لا تصلوا علي الصلاة البتراء" أو معناه، كنا نحب اتباع الحق، فإن كان في البناء على ما سمع من إفراد الأصل عن الفروع لزمناه وإن شق، والله يلهم إلى ما علمه صلاحا، ويجعل يوم دنيانا وآخرتنا أوله صلاحا، وأوسطه فلاحا، وآخره نجاحا. آمين اللهم آمين. وشريف سلامه عليكم، ورحمة الله وبركاته، وصليت على سيدنا محمد وآله وسلمت] (١).
_________________
(١) زيادة من (ب) وهو نص السؤال.
[ ٤ / ٢٠١٨ ]
[الجواب، قال - حفظه الله تعالى - ما لفظه: بسم الله الرحمن الرحيم] (١)
الحمد لله وحده، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله، ورضي الله عن الصحابة الراشدين آمين، وبعد:
فإنه وصل إلى أسير التقصير محمد بن علي الشوكاني - غفر الله لهما - من مولانا العلامة عين الآل الكرام علي بن إسماعيل (٢) بن الإمام - لا برحت نعم الله الجليلة الجزيلة واصلة إليه على الدوام - سؤالات نفيسة، وطلب - حفظه الله - من الحقير الجواب عليها.
السؤال الأول: عن حديث أبي بن كعب (٣) لما قال للنبي - ﵌ -: "أجعل لك صلاتي كلها؟ " فقال له النبي - ﵌ -: "إذا تكفى همك، ويغفر ذنبك" هل تنصرف الصلاة المذكورة إلى ذات الأركان؟ أم إلى
_________________
(١) زيادة من (ب).
(٢) علي بن إسماعيل بن علي بن القاسم بن أحمد بن الإمام المتوكل على الله إسماعيل بن القاسم بن محمد. ولد سنة ١١٥١هـ بشهارة، ونشأ بها، برع في الأدب وسهل له كتابة الشعر بشكل مدهش، كان يتردد على صنعاء ويتصل برجالها وعلمائها ومنهم الإمام الشوكاني الذي سمع منه بعض مؤلفاته. قال الشوكاني في "البدر الطالع" (١/ ٤٣٣ - ٤٣٧): وهو حسن المحاضرة لا يمل جليسه لما يورده من الأخبار والأشعار والظرائف واللطائف والمباحثات العلمية والاستفادة فيما لم يكن لديه منها وتحرير الأسئلة الحسنة، وقد كتب إلي من ذلك شيئا كثيرا، وأجبت عليه برسائل هي في مجموع رسائلي. توفي سنة ١٢٣٠ هـ. انظر: "نيل الوطر" (٢/ ١٢٥ - ١٢٦ رقم ٣٣١). "البدر الطالع" (١/ ٤٣٣).
(٣) أخرجه أحمد (٥/ ١٣٦) والترمذي رقم (٢٤٥٧) والحاكم (٢/ ٤٢١ و٥١٣) وصححه ووافقه الذهبي. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وهو حديث حسن.
[ ٤ / ٢٠١٩ ]
الدعاء؟ هذا حاصل السؤال.
وأقول: الصلاة في اللغة (١) الدعاء كما حقق ذلك جماعة من الأئمة المعتبرين، وفي الشرع ذات الأركان والأذكار، وقد ذكر العلامة جار الله في كشافه (٢) ما يشعر بملاحظة المعنى الشرعي عند أهل اللغة، فقال [٣]: إنها تعني الصلاة مأخوذة من تحريك الصلوين وهي الشهادتان.
قال النووي في شرح مسلم (٣): اختلف العلماء في أصل الصلاة، فقيل: هي الدعاء؛ لاشتمالها عليه، وهذا قول جماهير أهل العربية والفقهاء وغيرهم، وقيل: لأنها تالية لشهادة التوحيد كالمصلي من السابق في خيل الحلية. وقيل: هي من الصلوين، وهما عرقان مع الردف. وقيل: هما عظمان [ينحنيان في الركوع والسجود، قالوا: ولهذا كتبت الصلوة بالواو في المصحف] (٤). وقيل: هي من الرحمة. وقيل: أصلها الإقبال على الشيء. وقيل غير ذلك. انتهى.
وقد تقرر في الأصول (٥) أنها تقدم الحقيقة (٦) الشرعية (٧) فالعرفية (٨)
_________________
(١) انظر "الصحاح" (٦/ ٢٤٠٢). و"لسان العرب" (٧/ ٣٩٧).
(٢) (١/ ١٥٥).
(٣) (٤/ ٧٥).
(٤) زيادة من "شرح مسلم للنووي" (٤/ ٧٥).
(٥) انظر "الكوكب المنير" (١/ ١٤٩) "الإبهاج" (١/ ٢٧٥).
(٦) قيل من الحق في اللغة: وهو الثابت الذي لا يسوغ إنكاره، وفي اصطلاح أهل المعاني هو الحكم المطابق للواقع يطلق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب باعتبار اشتمالها على ذلك ويقابله الباطل. وقيل: هي اللفظ المستعمل فيما وضع له. وقيل من حق الشيء بمعنى ثبت. والتاء لنقل اللفظ من الوصفية إلى الإسمية. انظر: "التعريفات" (ص٩٤) "الإبهاج" (١/ ٢٧١).
(٧) هي اللفظ المستعمل فيما وضع له بوضع الشارع.
(٨) هي اللفظة المنتقلة عن معناها إلى غيره بعرف الاستعمال العام أو الخاص، فالعامة: هي أن يختص تخصيصها بطائفة دون أخرى (كدابة) فإن وضعها بأصل اللغة لكل ما يدب على الأرض من ذي حافر وغيره، ثم هجر الوضع الأول وصارت في العرف حقيقة (للفرس) ولكل ذات حافر. وكذا شاع استعماله في غير موضوعه اللغوي، كالغائط والعذرة والراوية، فإن حقيقة الغائط: المطمئن من الأرض، والعذرة: فناء الدار، والراوية: الجمل الذي يستقى عليه بالماء. والخاصة: هي ما خصته كل طائفة من الأسماء بشيء من مصطلحاتهم، كمبتدأ وخبر وفاعل ومفعول ونعت وتوكيد. في اصطلاح النحاة. ونقض وكسر وقلب في اصطلاح الأصوليين، وغير ذلك مما اصطلح عليه أرباب كل فن. انظر: "الكوكب المنير" (١/ ١٥٠) و"التحصيل" (١/ ٢٢٤).
[ ٤ / ٢٠٢٠ ]
فاللغوية، فلو فرضنا تجرد الصلاة المذكورة في الحديث عن القرائن كان المتعين حملها على الصلاة الشرعية التي هي ذات الأذكار والأركان، ولكنها قد اقترنت في الحديث بما يوجب صرف معناها إلى المدلول اللغوي، وبيانه أن لفظ الحديث على ما ساقه العامري في آخر البهجة عن الترمذي (١) وغيره، من طريق أبي بن كعب - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﵌ - إذا ذهب ربع الليل قام فقال: "يا أيها الناس اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه"، فقال أبي بن كعب: يا رسول الله، إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ فقال: "ما شئت"، قال: الربع، قال: "ما شئت، وإن زدت فهو خير لك"، قال: يا رسول الله، الثلث؟ قال: "ما شئت، وإن زدت فهو خير لك" قال: النصف، قال: "ما شئت، وإن زدت فهو خير لك" قال: يا رسول الله، فأجعل صلاتي كلها لك؟ قال: "إذن تكفى همك، ويغفر ذنبك" انتهى.
ففي الحديث قرينتان [مشعرتان بأن المراد بالصلاة المذكورة الصلاة اللغوية أعني الدعاء لا الشرعية] (٢).
_________________
(١) في "السنن" (٤/ ٦٣٦ - ٦٣٧ رقم ٢٤٥٧).
(٢) زيادة من (أ).
[ ٤ / ٢٠٢١ ]
القرينة الأولى: أن أول الحديث في الترغيب، والإكثار من الذكر، فينبغي أن يكون مراد أبي بالصلاة المذكورة بعد ذلك الصلاة الذكرية اللغوية، ليكون سؤاله مطابقا لما سأل النبي - ﵌ - بصدده، ويبعد كل البعد أن يريد بسؤاله الصلاة الشرعية، التي هي ذات الأركان، وهو عربي اللسان، عارف بمخالفة ما جاء به سياق الكلام. ومن تتبع كلام العرب، وعرف كيفية محاوراتهم، علم أنهم يراعون في أكاليمهم السياق، ويحرصون على مطابقته، ولا يخرجون عنه إلى غيره.
القرينة الثانية: قوله: يا رسول الله، إني أكثر الصلاة عليك. فإن المجيء بلفظ: على، بعد الصلاة من أعظم المشعرات بأن مراده بالصلاة الصلاة الذكرية، لا الشرعية؛ لأنه لو أراد الشرعية التي هي ذات الأركان لقال: إني أكثر الصلاة لك؛ فهاتان قرينتان من نفس الحديث.
القرينة الثالثة: ما أخرجه الحافظ أحمد بن معد التجيبي في الأربعين له، في فضل الصلاة على النبي - ﵌ -؛ فإنه قال: وإن جعلت الصلاة على نبيك معظم عبادتك، فقد كفاك الله دنياك وآخرتك، ثم أتى بالحديث [٤]، فإن قوله: وإن جعلت الصلاة إلخ مشعر بأنها الصلاة الذكرية، ولو أراد الركنية لقال: وإن جعلت الصلاة لنبيك .. إلخ.
القرينة الرابعة: أن الصلوات الخمس المفترضة أوجبها الله تعالى على كل فرد من أفراد العباد، فمن جعلها لغيره لم يؤد ما افترض الله عليه، فلا يجوز جعلها للخير، فتقرر من هذا أن المراد بالصلاة المذكورة في الحديث هي الذكرية، أعني: الدعاء.
والظاهر أن المراد كل الأدعية؛ لأن لفظ صلاتي مصدر (١) مضاف، وهو من صيغ العموم، فكأنه قال: أجعل كل دعاء أردت أن أدعو به لنفسي لك، فقال النبي - ﵌ -: "إذن تكفى همك .. إلخ".
_________________
(١) انظر "اللمع" (ص ١٥)، "الكوكب المنير" (٣/ ١٣٦).
[ ٤ / ٢٠٢٢ ]
أي إذا جعلت مكان الدعاء لنفسك الدعاء لي حصلت لك المغفرة، وكفاية المهمات. وقد ورد في الحديث القدسي: "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" (١) ولا شك أن الصلاة على النبي - ﵌ - مشتملة على ذكر الله، وذكر رسوله؛ فهي أفضل الأذكار.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في "الشعب" رقم (٥٧٢) من حديث عمر بن الخطاب ورقم (٥٧٣) من حديث جابر بن عبد الله ورقم (٥٧٤) من حديث مالك بن الحارث. وأخرجه الترمذي رقم (٢٩٢٦) وقال: هذا حديث حسن غريب. من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يقول الرب ﷿: من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه". وهو حديث ضعيف. انظر: "الضعيفة" رقم (١٣٣٥).
[ ٤ / ٢٠٢٣ ]
السؤال الثاني: قال - حفظه الله -: هل يكون السلام على النبي - ﵌ - مقرونا بكل صلاة تلفظ بها، فإذا صلى المصلي عشرا سلم عشرا، مقترنا بها كل سلام مع كل صلاة، ويكون السلام بعد كمال الصلاة، فإذا صلى مثلا ألفا ثم قال بعدها: إما بلا فصل، أو مع تراخ: السلام عليك أيها النبي الكريم .. إلخ، فقد أجزأه، وفعل ما كفاه. انتهى.
أقول: ينبغي للمصلي على النبي - ﵌ - أن يجعل السلام مقترنا بالصلاة كما علمنا الله تعالى بقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ (١) فلا يحسن إفراد الصلاة عن السلام، كما لا يحسن العكس.
ومن الإفراد أن تأتي بلفظ الصلاة، وتكررها مرات، ثم تأتي بعد ذلك بلفظ السلام مرة، أو مرات، أو بالعكس. وأما تقديم الصلاة على السلام، أو العكس، فليس في القرآن ما يقتضي ذلك، لما تقرر عند أئمة النحو وغيرهم من أن الواو لمطلق الجمع من غير ترتيب ولا معية، ولكنه يستفاد تقديم الصلاة على السلام من غير الآية؛ فإن من تتبع ما ورد عن النبي - ﵌ - من ذلك وجده في جميع المواطن بتقديم الصلاة على السلام، إلا في صلاة الصلاة، فإن النبي - ﵌ - اقتصر في ذلك على تعليمهم كيفية الصلاة ثم قال: والسلام كما علمتم؛ لأنهم قد كانوا عرفوا كيفية السلام عليه قبل أن يعرفوا كيفية الصلاة عليه، كما يشعر بذلك ما أخرجه أحمد (٢)، والبخاري (٣)، ومسلم (٤)، وأبو داود (٥)
_________________
(١) [الأحزاب: ٥٦].
(٢) في "المسند" رقم (٤/ ٢٤١).
(٣) في صحيحه رقم (٦٣٥٧).
(٤) في صحيحه رقم (٦٦/ ٤٠٦).
(٥) في "السنن" رقم (٩٧٦ و٩٧٧).
[ ٤ / ٢٠٢٤ ]
والنسائي (١)، وابن ماجه (٢) عن [كعب بن عجرة] (٣) قال: قلنا: يا رسول الله، قد علمنا، أو عرفنا كيف السلام عليك، فكيف الصلاة الحديث.
وأما لفظ الصلاة والسلام فينبغي أن يكون [٥] في المواطن الواردة عنه (٤) - ﵌ -، على صفة من الصفات على تلك الصفة بلا زيادة ولا نقصان، لأن تعليمه - ﵌ - لأمته أن تكون الصلاة بلفظ، كذا حكمه حكم البيان، لما في القرآن، ولكنه إذا كان البيان مختصا بموضع خاص كانت تلك الصفة مختصة بذلك الموضع، وما لم ترد فيه صفة خاصة فتأدية المشروع تحصل بامتثال ما في القرآن من نحو: اللهم صل وسلم على محمد، أو صلى الله على محمد وسلم، أو نحو ذلك.
_________________
(١) في "السنن" رقم (٣/ ٤٨) وفي "عمل اليوم والليلة". رقم (٥٤).
(٢) في "السنن" رقم (٩٠٤).
(٣) في المخطوط (ب) أبي بن كعب، والصواب ما أثبتناه من (أ).
(٤) في حاشية المخطوط (أ) ما نصه: تحقيق ما ظهر، وكلام المجيب - أحسن الله جزاءه - في قوله أن تكون في المواطن إلخ، مثل الصلاة المشروعة ذات الأذكار والأركان، ومثل الصلاة في دعاء الصباح والمساء. وفي مثل الخطب، وصلاة الجنازة، ونحو ذلك؛ فهذا تكون الصلاة بلفظ أحد ما ورد عنه - ﵌ - مقترنا بها. وقوله: - دامت إفادته - وما لم ترد فيه صفة خاصة إلخ مثل الصلاة عليه - ﵌ - في غير المواطن التي ذكرت كفي سائر اليوم مثلا، وسائر الأوقات إذا قال العبد: اللهم صل وسلم على محمد، وعلى آل محمد، فقد أتى بمشروع، وامتثل لما ورد في الذكر الحكيم، والحمد لله رب العالمين على الوقوف ما كان. حاكا في النفس من عين صافية. أفادها هذا الجواب كما أفاد في غضونه جميع ما أراده السائل - وفقه الله - بتبيين شاف كاف مبين بالأدلة، والمآخذ الصحيحة الواضحة الحقيقة كما تظهر لمن تأمل، وما اشتمل لفظ الجواب ومفهوماته على ما يغني عن هذا، لكني رقمته لينطبع في خاطري إن شاء الله، وزيادة إيضاح لمثلي، وإلا فقد كفا جواب المجيب - أثابه الله -، وزاد في فوائده، ورزق السائل والمسئول خلوص النية، وصلاح الطوية، والتوفيق، وحسن الختام. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله الأعلام. من رقم السائل.
[ ٤ / ٢٠٢٥ ]
وينبغي أن يضم إلى ذلك الآل لورود الصلاة عليهم في السنة متصلة بالصلاة عليه - ﵌ - في أحاديث كثيرة، منها ما هو مقيد بالصلاة، ومنها ما هو مطلق، وإذا ثبت في موضع من المواضع إفراد الصلاة عن السلام، أو العكس، أو حذف الصلاة على الآل، فالأحسن أن لا تفرد الصلاة على السلام، ولا يفردهما عن الآل، لأن الموضع الخاص الذي ورد فيه ذكر الصلاة فقط، أو السلام فقط، أو ذكرهما بدون الآل ليس فيه ما يدل على كراهة الزيادة، لأن مجرد الاقتصار على بعض ما ورد لا ينافي الإتيان بجميع الوارد. لأن الإتيان بجميع الوارد إتيان بالبعض منه وزيادة، ولا سيما إذا كانت الأحاديث خارجة من مخرج واحد، فإنه ينبغي ملاحظة الزيادة المقبولة التي لا تنافي الأصل، وضمها إليه كما تقرر في علم الأصول، ولا يكون ذكر الأصل بدونها مستلزما لعدم اعتبارها، وأيضا قد تقرر في الأصول (١) أن بعض الأحاديث إذا ورد مطلقا، وورد البعض الآخر مقيدا توجب العمل بالمقيد بشروط معروفة.
ولا شك أن الأحاديث المقيدة بالسلام، أو بذكر الآل بالنسبة إلى الأحاديث الخالية عنهما، أو عن أحدها، حكم المقيد بالنسبة إلى المطلق، ولكن بشرط أن لا تكون تلك الزيادة وذلك القيد مختصين بموضع مخصوص لا ينبغي مجاوزته إلى غيره، وبشرط أن يتحد المطلق والمقيد حكما وسببا، أو حكما (٢) فقط، أو سببا فقط على حسب الخلاف المبسوط في الأصول (٣)، وبهذا يظهر الجواب عن السؤال الثالث، أعني: قول السائل - حفظه الله - أن من جملة الألفاظ الواردة عنه - ﵌ - في الصلاة: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، فهل تجزئ المصلي إذا وسط التسليم؟ فقال:
_________________
(١) انظر "الكوكب المنير" (٤/ ٦٧٥) "تيسير التحرير" (٣/ ١٥٨).
(٢) في هذه الحالة يحمل المطلق على المقيد إذا اتحد الحكم والسبب وكان الحكم مثبتا. انظر "كشف الأسرار" (٢/ ٢٨٧) "الكوكب المنير" (٣/ ٣٩٧).
(٣) انظر "اللمع" (ص ٢٤)، "التبصرة" (ص ٢١٦). "نهاية السول" (٢/ ١٤١).
[ ٤ / ٢٠٢٦ ]
اللهم صل وسلم على محمد وعلى آل محمد .. إلخ.
فإن قلت: الأحاديث الواردة بذكر الآل مقيدة بالصلاة كما في حديث أبي مسعود؛ فإنه ثبت عنه من طريق ابن حبان (١)، والحاكم (٢)، والبيهقي (٣)، وابن خزيمة (٤)، وصححوه بزيادة: كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ وفي رواية: كيف نصلي عليك في صلاتنا؟ وهذه الزيادة تدل على أن التعبد بالصلاة على الآل إنما ورد [٦] في الصلاة فقط، فلا يصح تقييد الأحاديث المطلقة بذلك لما قدمنا من أن المقيد وما فيه الزيادة إذا كانا مقيدين بموضع خاص لم يعمل بالقيد والزيادة في غير ذلك الموضع.
قلت: تقييد حديث ابن مسعود بالصلاة لا يدل على تقييد الأحاديث الواردة بمشروعية الصلاة على الآل مطلقا؛ وذلك كحديث أبي هريرة عند أبي داود (٥) عن النبي - ﵌ - بلفظ: "من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل: اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد".
وأخرجه النسائي (٦) عن علي - ﵇ - بهذا اللفظ، ولا شك أن تقييد هذين
_________________
(١) في صحيحه رقم (٥١٥ - موارد).
(٢) في المستدرك (١/ ٢٦٨).
(٣) في "السنن الكبرى" رقم (٢/ ١٤٦ - ١٤٧، ٣٣٨).
(٤) في صحيحه رقم (٧١١). وهو حديث حسن.
(٥) في "السنن" رقم (٩٨٢). قلت: وأخرجه البخاري في "تاريخه" (٣/ ٨٧) والبيهقي في "السنن" رقم (٢/ ١٥١). وهو حديث ضعيف.
(٦) عزاه إليه المزي في "تهذيب الكمال" (٥/ ٣٤٨): وقال قبله: روى له النسائي في "مسند علي" حديثا واحدا معللا.
[ ٤ / ٢٠٢٧ ]
الحديثين، وأمثالهما بالصلاة في الصلاة لأجل تلك الزيادة الواردة في حديث أبي مسعود في غاية البعد، لأن النبي - ﵌ - قد جعل هذه الصلاة سببا للاكتيال بالمكيال الأوفى، وذلك مطلوب في جميع الأوقات، وتقييده بوقت الصلاة غير مناسب لذلك، ومخالف لما تقرر في الأصول (١) من الشروط المعتبرة في حمل المطلق على المقيد.
فإن قلت: ألفاظ الصلاة الواردة في الأحاديث الصحيحة مطلقا في الصلاة وغيرها، إذا أراد المصلي أن يأتي بجميع الألفاظ الواردة، هل يمكنه ذلك؟.
قلت: نعم يمكن ذلك، قال النووي في شرح المهذب (٢) ينبغي أن يجمع ما في الأحاديث الصحيحة فيقول: اللهم صل على محمد النبي الأمي، وأزواجه، وذريته كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد، وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد.
قال العراقي: بقي عليه مما في الأحاديث الصحيحة ألفاظ أخر، وهي خمسة، يجمعها قولك: اللهم صل على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي، وعلى آل محمد، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته، وأهل بيته، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد النبي الأمي، وعلى آل محمد، وأزواجه، وذريته، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. انتهى.
وقد وردت زيادات غير هذه في أحاديث أخر عن علي - ﵇ - وابن مسعود وغيرهما، ولكن فيها مقال، فلا ترد عليهما، لأنها إنما قصد جمع ألفاظ الأحاديث الصحيحة كما سلف.
_________________
(١) انظر "الكوكب المنير" (٣/ ٤٠١) "اللمع" (ص ٢٤).
(٢) في "المجموع" (٣/ ٤٤٨ - ٤٥٢).
[ ٤ / ٢٠٢٨ ]
[السؤال الثالث] (١)
قال السائل - حفظه الله - حكم في الآل (٢) في الصلاة المذكورة، في الصباح والمساء، هل هي كذلك بغير ذكر الآل في كل الروايات، أو في بعض؟ فإن كانت في البعض فما تحمل في البعض الآخر إلا على غفلة، أو سهو، أو تحامل، كما فعله أكثر المحدثين السابقين، وحذا حذوهم جماعة من اللاحقين إلى آخر كلامه، كثر الله فوائده [٧].
أقول: الذي وقفت عليه من الألفاظ الصلاة على رسول الله في أدعية الصباح والمساء ليس فيه ذكر الصلاة على الآل في الكتب الحديثية، وقد عرفت مما سبق أن لفظ الصلاة على النبي - ﵌ - ورد في بعض الأحاديث غير مقيد بالسلام، وفي بعضها مقيدا به وورد بعض آخر غير معطوف عليه الصلاة على آل رسول الله. وفي بعض بعطف الصلاة على الآل على الصلاة على رسول الله - ﵌ -. وقد قررناه فيما سبق أن العمل بالزيادة متوجه إذا كملت شروط قبولها، وهو مجمع على ذلك كما في الكتب الأصولية، فينبغي للمصلي في كل موضع أن يجمع بين (٣) الصلاة والسلام، ويضم الصلاة على رسول الله - ﵌ - إلى الصلاة عليه - ﵌ - ليكون مؤديا لذلك على وجه أكمل، وفاعلا لهذه القربة
_________________
(١) في المخطوط (أ، ب) الرابع والصواب ما أثبتناه.
(٢) واختلف في آل النبي - ﷺ - على أربعة أقوال:
(٣) فقيل: هم الذين حرمت عليهم الصدقة.
(٤) أنهم ذريته، وأزواجه خاصة.
(٥) أن آل النبي - ﷺ - أمته وأتباعه إلى يوم القيامة.
(٦) آله الأتقياء من أمته. وقدم ابن القيم أدلة هذه الأقوال ثم قال: والصحيح القول الأول ويليه الثاني. انظر: "جلاء الأفهام" (ص ٣١٦ - ٣٣٥). "المجموع" (٣/ ٤٤٨).
(٧) انظر "المجموع" (٣/ ٤٤٨).
[ ٤ / ٢٠٢٩ ]
العظيمة على طريق أتم. أما ذكر السلام فلتصريح القرآن به، وكذلك التصريح به في كثير من الأحاديث، وأما ذكر الآل فلوروده في عدة أحاديث. ولا شك، ولا ريب أن المصلي الصلاة الكاملة أكمل أجرا من المقتصر على البعض، لكونه ممتثلا بيقين، ومؤديا للبعض في ضمن الكل.
وحديث: "لا تصلوا علي الصلاة البتراء" (١) إن صح كان من الأدلة القاضية بمنع ترك الصلاة على آل رسول الله عند الصلاة عليه - ﵌ - بعد ثبوت تفسير الصلاة البتراء بالصلاة التي ترك فيها ذكر الآل.
ومن الأدلة على ذلك ما رواه الأمير الحسين في الشفا (٢) عن علي - ﵇ - قال: سمعت رسول الله - ﵌ - يقول: "إذا صليتم علي فصلوا على آلي معي؛ فإن الله لا يقبل الصلاة علي إلا مع آلي".
وفي أمالي (٣) أبي طالب قال: أخبرنا أبي - ﵀ - قال: أخبرنا أبو القاسم حمزة العلوي العباسي قال: حدثني علي بن عبد الله بن سنان عن جعفر بن محمد، عن آبائه - ﵈ - أن رسول الله - ﵌ - قال: "ارفعوا (٤) أصواتكم بالصلاة علي، وعلى أهل بيتي؛ فإنها تذهب النفاق".
وروى السهمودي في جواهر العقدين في فضل الشرفين من حديث علي عليه
_________________
(١) وقد جزم الحفاظ بأنه لم يصح عن النبي - ﷺ -. انظر الكلام عليه وعلى ما ورد في معناه في تحقيقي "لنيل الأوطار" خلال شرح الحديث رقم (٧٨٠).
(٢) (١/ ٢٨١) بدون زمام ولا خطام.
(٣) تيسير المطالب في أمالي السيد أبي طالب (ص ٢٨١).
(٤) في حاشية المخطوط (أ) ما نصه: سل مع صحة رواية رفع الأصوات بالصلاة، هل تكون عامة؛ فيدخل فيها الصلاة في الصلاة؟ إذا كان كذلك لم يحك عنه - ﵌ - الرفع بها في الصلاة، وقد حكوا كل حالاته حتى اضطراب لحيته، وجزئيات حركاته - ﵌ - فيها قولا وفعلا عند تحرج السائل عافاه الله.
[ ٤ / ٢٠٣٠ ]
السلام، قال: الدعاء محجوب حتى يصلى على محمد وأهل بيته، قال: أخرجه الديلمي (١)، وفيه أيضًا عن أبي مسعود الأنصاري البدري قال: قال رسول الله - ﵌ -: "من صلى علي صلاة لم يصل فيها علي، وعلى أهل بيتي لم يقبل منه"، قال أخرجه الدارقطني (٢)، والبيهقي (٣) وغيرهما.
وقد اعتذر لأئمة الحديث في تركهم للصلاة على الآل عند الصلاة على رسول الله - ﷺ - بأعذار أحسنها أنهم يجعلون الأحاديث المقيدة بالصلاة على الآل خاصة بالمواضع التي وردت فيها ويجعلون التقييد في غير تلك المواضع بمطلق الصلاة التي أمر الله بها في كتابه، ولكن قد عرفت أن الأولى أن يصلي على الآل في كل موضع يصلي فيه على رسول الله لما سلف (٤). [انتهى من تحرير هذا البحث في نهاية يوم السبت من غرة شهر جمادى الآخرة سنة ١٢٠٨ هـ كتبه محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما] (٥).
[انتهى من تحرير مباحث المجيب حفظه الله، ومتع بحياته، وأدام للمسلمين والآل فائدته بحق محمد وآله وصحبه. وكان تحرير الإجابة في نهار السبت من غرة شهر جمادى الآخرة سنة ١٢٠٨] (٦).
_________________
(١) في "الفردوس بمأثور الخطاب" (٣/ ٢٥٥ رقم ٤٧٥٤). وأخرجه الطبراني في "الأوسط" رقم (٧٢١) وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ١٦٠) وقال: رجاله ثقات. قلت: عبد الكريم الخزاز واهي الحديث ولم يوثقه أحد، وعد هذا الحديث من مناكيره. انظر: "لسان الميزان" (٤/ ٥٣). وخلاصة القول أن الحديث ضعيف.
(٢) في "السنن" (١/ ٣٥٥ رقم ٦).
(٣) في "السنن الكبرى" (٢/ ٣٧٩) وقال: تفرد به جابر الجعفي وهو ضعيف.
(٤) انظر "شرح المنتقى" (٢/ ٧٢).
(٥) زيادة من (أ).
(٦) زيادة من (ب).
[ ٤ / ٢٠٣١ ]
[هذه الأبيات كتبها (١) السائل لما اطلع على الجواب المذكور سابقا] (٢):
هذا الجواب عن المسائل قد شفى قلبا من الإشكال كان على شفا
لا زلتُ بالإرشاد منك لكل ما أعيا ذوي الأنظار تأتي بالشفا
وجزيت عن تنقيحك المختار والتصحيح خيرا من حديث المصطفى
صلى عليه مسلما رب الورى والآل أرباب المعارف والوفا
[ثم ذكر حفظه الله تعالى:
فائدة: ذكرها ابن القيم في إعلام الموقعين (٣) ما لفظه: "وإذا كان الله تعالى لا يعذب تائبا فهكذا الحدود لا تقام على تائب. وقد نص الله تعالى سقوط الحد عن المحاربين بالتوبة التي وقعت قبل القدرة عليهم، مع عظم ذنبهم؛ وذلك تنبيه على سقوط ما دون الحراب بالتوبة الصحيحة بطريق الأولى، وقد روينا في سنن النسائي (٤) من حديث سماك عن علقمة بن وائل، عن أبيه أن امرأة وقع عليها رجل في سواد الصبح، وهي تعمل بمكره على نفسها، فاستغاثت برجل مر عليها وفر صاحبها، ثم مر عليها ذو عدد، فاستغاثت بهم، فأدركوا الرجل الذي استغاثت به، فأخذوه وسبقهم الآخر فجاءوا به إليها فقال: أنا الذي أغثتك وقد ذهب الآخر. قال: فأتوا به نبي الله - ﵌ - فأخبر أنه وقع عليها، وأخبر القوم أنهم أدركوه يشتد، فقال: إنما كنت أغثتها على صاحبها فأدركني هؤلاء فأخذوني، فقالت: كذب هو الذي وقع علي، فقال
_________________
(١) علي بن إسماعيل بن علي بن القاسم بن أحمد بن الإمام المتوكل على الله.
(٢) زيادة من (ب).
(٣) (٣/ ٨).
(٤) في "السنن" رقم (٤/ ٥٦ رقم ١٤٥٤). قلت: وأخرجه أبو داود رقم (٤٣٧٩) وأحمد في المسند (٦/ ٣٩٩) والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٨٤، ٢٨٥) من حديث علقمة بن وائل عن أبيه، وقال الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢/ ٧٥ رقم ١١٧٥) حسن دون قوله: "ارجموه" والأرجح أنه لم يرجم.
[ ٤ / ٢٠٣٢ ]
النبي - ﵌ -: انطلقوا به فارجموه، فقام رجل من الناس فقال: لا ترجموه وارجموني، فأنا الذي فعلت بها الفعل، فاعترف، فاجتمع ثلاثة عند رسول الله - ﵌ -: الذي وقع عليها، والذي أغاثها، والمرأة.
فقال: أما أنت فقد غفر لك، وقال للذي أغاثها قولا حسنا. فقال عمر: ارجم الذي اعترف بالزنا، فأبى رسول الله - ﵌ - لأنه قد تاب إلى الله تعالى. قال ابن القيم (١) وليس بحمد الله فيه إشكال؛ فإن قيل: كيف أمر رسول الله - ﵌ - برجم المغيث من غير بينة ولا إقرار؟ قيل: هذا من أدل الدلائل على اعتبار القرائن، والأخذ بشواهد الأحوال في التهم، وهو يشبه الحدود بالرائحة والقي كما اتفق عليه الصحابة، وإقامة حد الزنا، كما نص عليه عمر، وذهب إليه فقهاء أهل المدينة، وأحمد في ظاهر مذهبه، وكذلك أنه يقام الحد على المتهم إذا وجد المسروق عنده، فهذا الرجل لما أدرك وهو يشتد هربا، وقالت المرأة: هذا هو [الرجل] (٢) الذي فعل بي، وقد اعترف بأنه دنا منها، وأتى إليها، وادعى أنه كان مغيثا لا مريبا، ولم ير أولئك الجماعة غيره، كان هذا من أظهر الأدلة على أنه صاحبها، وكان الظن المستفاد من ذلك لا يقصر عن الظن المستفاد من شهادة البينة. واحتمال الغلط أو عداوة الشهود كاحتمال الغلط وعداوة المرأة هنا، بل ظن عداوة المرأة في هذا الموضع في غاية الاستبعاد، فنهاية الأمر أن هذا لوث ظاهر لا يستبعد ثبوت الحد بمثله شرعا، كما تقبل القسامة باللوث الذي لعله دون هذا في كثير من المواضع، فهذا الحكم من أحسن الأحكام وأجراها على قواعد الشرع، والأحكام الظاهرة تابعة للأدلة الظاهرة من البينة، والأقارير، وشواهد الأحوال، وكونها في نفس الأمر قد تقع غير مطابقة أمرا لا يقدح في كونها طرقا وأسبابا لأحكام، فالبينة لم تكن موجهة بذاتها للحد، وإنما
_________________
(١) في أعلام الموقعين (٣/ ٩).
(٢) زيادة من المخطوط (أ).
[ ٤ / ٢٠٣٣ ]
ارتباط المدلول بدليله، فإن كان هناك دليل يقاومها، أو أقوى منها لم يلغه الشارع، وظهور الأمر بخلافه لا يقدح في كونها دليلا كالبينة والإقرار.
وأما سقوط الحد عن المعترف، فإذا لم يتسع له نطاق عمر بن الخطاب فأحرى أن لا يتسع له نطاق كثير من الفقهاء، ولكن اتسع له نطاق الرءوف الرحيم فقال: لأنه قد تاب إلى الله تعالى، وأبى أن يحده. ولا ريب أن الحسنة التي جاء بها من اعترافه طوعا واختيارا خشية من الله، وحده وإنقاذ الرجل المسلم من الهلاك، وتقويم حياة أخيه، واستسلامه للقتل أكثر من السيئة التي فعلها مقاومة هذا الدواء لذلك الداء.
وكانت القوة صالحة فزال المرض وعاد القلب إلى حال الصحة، فقيل: لا حاجة [لنا] (١) بحدك، وإنما جعلناه طهرة ودواء، فإذا تطهرت بغيره فعفونا يسعك. فأي حكم أحسن من هذا وأرشد مطابقة للرحمة والحكمة والمصلحة؟ وبالله التوفيق انتهى (٢).
ولا يخفى عليك أن جعله لهذه الواقعة مشبهة لإقامة الحدود بالرائحة في غاية البعد؛ فإن وجد أن الرائحة متنوعة من فم الشارب، مما لا يبقى معه شك ولا ارتياب أنه قد شرب الخمر، فكيف ينزل ما نحن فيه تلك المنزلة ويلحق بتلك الواقعة والحال أن الرجل يقول: إنما أغثتها، والجماعة الممسكون له لم يخبروا بغير وجدانهم له يشتد، ولم يكن هناك إلا مجرد الدعوى من المرأة مع أنها مقرة بأنها قد استغاثت برجل مر عليها قبل استغاثتها بالجماعة. وأبعد من ذلك جعل هذه القرينة مساوية لقرينة الحبل. وكل عاقل يعلم أن بين الواقعتين ما بين السماء والأرض؛ فإن من المقطوع به أن المرأة التي لا زوج لها لا تحبل إلا بعد زنا، هذا مما لا يشك فيه أحد.
وأما تنزيله للظن الحاصل بهذه القرينة منزلة الظن الحاصل من الشهادة، فمن الغرائب [١٠] التي يتعجب منها؛ فإن الله - ﷻ - قد تعبدنا بالعمل بالظن
_________________
(١) في المخطوط "إنا" وما أثبتناه من إعلام الموقعين (٣/ ١٠).
(٢) كلام ابن القيم في إعلام الموقعين (٣/ ٩ - ١٠).
[ ٤ / ٢٠٣٤ ]
الحاصل عن البينة، لأنه مستفاد من طريق شرعها الله لعباده، ولم يتعبدنا بالظن الحاصل من القرينة، ولو كان الأمر كذلك لكانت الطرق المثمرة للعمل غير منحصرة، بل كلما أفاد الظن كان معمولا به، وهذا خرق لإجماع المسلمين. وقد أرشد الله عباده إلى ترك العمل بالظنون، ونهاهم عن اتباعه كما في كتابه العزيز، وما عمل به من الظنون كأخبار الآحاد، والحكم بالشهادة واليمين، فلكون دليل العمل به مخصصا لذلك العموم، لأنا نقول: قد عارضه ما هو أرجح منه، وهو استثباته - ﵌ - في الحدود استثباتا زائدا على استثباته في غيرها، حتى إنه كان يعرض عن الرجل بعد أن يسمع منه الإقرار بالزنا مرة بعد مرة، ثم يقول له بعد ذلك: صنعت كذا وكذا، ويأتي بألفاظ تدل على الوقائع بدون كناية، كقوله لماعز (١): "أفنكتها؟ " قال: نعم، وكقوله: "حتى غاب ذاك منك في ذاك منها كما يغيب المرود في المكحلة، والرشا في البئر؟ " قال: نعم. وربما استثبت فسأله عن عقله، أو سأل قومه عن ذلك، كما في حديث ماعز (٢) أنه قال له: "أبك جنون؟ " وقوله للسارق (٣) "ما أخالك سرقت".
_________________
(١) أخرجه أبو داود رقم (٤٤٢٨) والنسائي في "الكبرى" (٤/ ٢٧٦ - ٢٧٧ رقم ٧١٦٤/ ١) والدارقطني (٣/ ١٩٦ رقم ٣٣٩) من حديث أبي هريرة. وهو حديث ضعيف. انظر: "الضعيفة" رقم (٢٩٥٧). قلت: ويغني عنه الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه رقم (٦٨٢٤) من حديث ابن عباس وفيه: "لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت. فقال: لا يا رسول الله. قال: أفنكتها؟ لا يكني قال: نعم، فعند ذلك أمر برجمه". وهو حديث صحيح.
(٢) أخرجه البخاري رقم (٦٨١٥ و٦٨٢٥) ومسلم رقم (١٦/ ١٦٩١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) أخرجه أبو داود رقم (٤٣٨٠) وأحمد (٥/ ٢٩٣) والنسائي (٨/ ٦٧ رقم ٤٨٧٧) وابن ماجه رقم (٢٥٩٧) والدارمي (٢/ ١٧٣) والبيهقي (٨/ ٢٧٦) من حديث أبي أمية المخزومي. وهو حديث ضعيف. انظر: "الإرواء" رقم (٢٤٢٦).
[ ٤ / ٢٠٣٥ ]
وقوله: "ادرءوا الحدود بالشبهات" (١) فإذا كانت الحدود بعد ثبوتها ثبوتا لا يرتاب فيه تدرأ بالشبهات، فكيف يجوز الحكم بها بمجرد الشبهة الواهية!.
وقد أجاب بعض المتأخرين، وهو السيد العلامة أحمد بن محمد بن إسحاق بن المهدي عن ذلك بأن النبي - ﵌ - نزل سكوت الرجل الذي ادعت المرأة وقوعه عليها منزلة الإقرار، ويجاب عنه بأن الرجل مصرح في مقام الرسول - ﵌ - بالإنكار، ومدع للإغاثة، كما وقع في حديث النسائي الذي تقدم ذكره.
وأما إشكال إسقاطه - ﵌ - للحد عن الرجل الذي اعترف بالزنا، وجواب ابن القيم عنه بما سلف.
فنقول: إذا كانت رواية النسائي كما ساقها في كلامه من أنه - ﵌ - أبى أن يقيم على الرجل الحد، فلا شك أنه مشكل وإن لم يقع منه - ﵌ - بعد قول عمر إلا قوله: "لقد تاب توبة" .. إلخ، فليس فيه دلالة على أنه أسقط الحد، ولا يلزم من هذه العبارة عدم إقامة الحد، فإنه - ﵌ - قد قال مثلها لماعز (٢)، وفي
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في "السنن" رقم (٢٥٤٥) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعا". وهو حديث ضعيف. وأخرجه الترمذي رقم (١٤٢٤) والحاكم (٤/ ٣٨٤ - ٣٨٥) والدارقطني (٣/ ٨٤ رقم ٨) والبيهقي (٨/ ٢٣٨). من حديث عائشة ﵂ ولفظه: "ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم". وهو حديث ضعيف. وأخرجه البيهقي في "السنن" رقم (٨/ ٢٣٨) عن علي ﵁ ولفظه: "ادرءوا الحدود بالشبهات". وهو حديث ضعيف.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه رقم (٢٢/ ١٦٩٥).
[ ٤ / ٢٠٣٦ ]
رواية (١) أنه قالها للمرأة الجهنية، وفي رواية (٢) أنه قال لماعز: "والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها" على أنه يعارض ما وقع في هذا الحديث على فرض أنه وقع من النبي - ﵌ - التصريح بترك الرجم في سنن الترمذي (٣) وصححه من حديث [١١] علقمة بن وائل عن أبيه بلفظ: وقال للرجل الذي وقع عليها ارجموه، وقال: "لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبل منهم". فهذا صريح أنه أمر برجمه.
وعزا في جامع الأصول (٤) هذه الرواية إلى أبي داود (٥)، والترمذي (٦)، ثم قال: وفي رواية للترمذي (٧) قال: استكرهت امرأة على عهد رسول الله - ﵌ - فدرأ عنها الحد، وأقامه على الذي أصابها .. انتهى.
وفي سنن أبي داود (٨) أنهم قالوا للرجل الذي وقع عليها: "ارجمه"، وقال: "لقد تاب توبة" إلخ. وليس فيه أنه امتنع من رجمه، وذلك لا ينافي الأمر بالرجم كما عرفت، ومما يؤيد ما رواه الترمذي من الأمر بالرجم ما وقع منه - ﵌ - من التشديد في أمر الحد، والزجر عن إسقاطه، والشفاعة فيه، حتى قال لأسامة لما شفع في
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه رقم (٢٣/ ١٦٩٥).
(٢) أخرجه أبو داود في "السنن" رقم (٤٤٢٨) من حديث أبي هريرة. وهو حديث ضعيف. انظر "الإرواء" رقم (٢٣٥٤).
(٣) (٤/ ٥٦ رقم ١٤٥٤). وقال الألباني في "صحيح الترمذي" (٢/ ٧٥ رقم ١١٧٥) حسن دون قوله: "ارجموه" والأرجح أنه لم يرجم.
(٤) (٣/ ٥٠٤ - ٥٠٥ رقم ١٨٣٢).
(٥) في "السنن" رقم (٤٣٧٩) وقد تقدم وهو حديث حسن دون قوله: "ارجموه".
(٦) (٤/ ٥٦ رقم ١٤٥٤). وقال الألباني في "صحيح الترمذي" (٢/ ٧٥ رقم ١١٧٥) حسن دون قوله: "ارجموه" والأرجح أنه لم يرجم.
(٧) في "السنن" رقم (٤/ ٥٥ رقم ١٤٥٣) وقال: هذا حديث غريب وليس إسناده بمتصل. وهو من حديث عبد الجبار بن وائل عن أبيه. وهو حديث ضعيف.
(٨) في "السنن" رقم (٤٣٧٩) وقد تقدم وهو حديث حسن دون قوله "ارجموه".
[ ٤ / ٢٠٣٧ ]
المرأة المخزومية التي سرقت: "أتشفع في حد من حدود الله! " ثم قام فاختطب فقال: "إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" أخرجه الجماعة (١) كلهم من حديث عائشة.
وأخرج أبو داود (٢) والنسائي (٣) من حديث عائشة قالت: قال - ﵌ -: "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود" وفي إسناده عبد الملك بن زيد العدوي، ويشهد له حديث ابن عمر (٤) وابن مسعود (٥) بنحوه، كما ذكر ذلك الحافظ في التلخيص (٦).
فإن قلت: سلمنا أنه ما أمر به - ﵌ - من الحد لذلك الرجل الذي تبينت براءته مرجوح، وكذلك إسقاطه للحد على فرض ثبوت ما يدل عليه، ولكن علام تحمل ما وقع منه - ﵌ -؟
قلت: قد تقرر في
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٦٧٨٨) ومسلم رقم (٨/ ١٦٨٨ و١٠/ ١٦٨٨) وأبو داود رقم (٤٣٧٣) والترمذي رقم (١٤٣٠) والنسائي (٨/ ٧٣ - ٧٤) وأحمد (٦/ ١٦٢) وابن ماجه رقم (٢٥٤٧).
(٢) في "السنن" رقم (٤٣٧٥).
(٣) في "السنن الكبرى" (٤/ ٣١٠ رقم ٧٢٩٤/ ٢). قلت: وأخرجه أحمد (٦/ ١٨١) والطحاوي في "مشكل الآثار" (٣/ ١٢٩). وهو حديث صحيح.
(٤) رواه أبو محمد بن حزم في كتاب "الإيصال" من حديث عمر موقوفا عليه بإسناد صحيح. قاله ابن حجر في "التلخيص" (٤/ ٥٦).
(٥) رواه الخطيب في "تاريخ بغداد" (١٠/ ٨٥ - ٨٦) بلفظ: "أقيلوا ذوي الهيئة زلاتهم".
(٦) (٤/ ٥٦) لابن حجر.
[ ٤ / ٢٠٣٨ ]
الأصول (١) أن النبي - ﵌ - يجوز عليه الخطأ في الاجتهاد، ولكنه لا يقر عليه، ولا مانع من أن يكون هذا منه ويحمل على أن كان العمل بمجرد القرينة في الحدود، وإسقاطها عن التائب جائزا ثم نسخ بما ورد من التحري فيها، والمبالغة في الاستفصال، وعدم جواز إثباتها إلا بالإقرار أو الشهادة، وبما ورد من الزجر عن إسقاط الحدود بدون سبب يجوز الإسقاط (٢).
_________________
(١) انظر: "اللمع" (ص ٧٦)، "التبصرة" (ص٥٢٤)، "تيسير التحرير" (٤/ ١٩٠). القول الأول: على جواز الخطأ إلا أنه لا يقر عليه واختار هذا ابن الحاجب والآمدي ونقله عن أكثر أصحاب الشافعي والحنابلة وأصحاب الحديث. انظر: "المسودة" (ص ٥٠٩) و"اللمع" (ص ٧٦). القول الثاني: ومنع قوم جواز الخطأ عليه لعصمة منصب النبوة عن الخطأ في الاجتهاد. وهو اختيار ابن السبكي والحليمي والرازي والبيضاوي والشيعة، وانظر أدلة هذا القول ومناقشتها في "المسودة" (ص ٥١٠) "الإحكام" للآمدي (٤/ ٢١٦).
(٢) قال ابن قدامة في المغني (١٢/ ٤٨٤ - ٤٨٥): وإن تاب من عليه حد من غير المحاربين، وأصلح، ففيه روايتان: إحداهما: يسقط عنه لقوله تعالى: (والذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما) [النساء: ١٦]. وذكر حد السارق، ثم قال: (فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه) [المائدة: ٣٩]. وقال - ﵌ -: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له". أخرجه ابن ماجه رقم (٤٢٥٠) من حديث أبي عبيدة بن عبد الله عن أبيه وهو حديث حسن. ومن لا ذنب له لا حد عليه، وقال في ماعز لما أخبر بهربه: "هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه" أخرجه أبو داود رقم (٤٤٢٠) من حديث جابر وهو حديث حسن. ولأنه حق خالص لله تعالى. فيسقط بالتوبة كحد المحارب. والرواية الثانية: لا يسقط وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي، لقول الله تعالى: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) [النور: ٢]. وهذا عام في التائب وغيره، وقال تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) [المائدة: ٣٨]. ولأن النبي - ﷺ - رجم ماعزا والغامدية، وقطع الذي أقر بالسرقة وقد جاءوا تائبين يطلبون التطهير بإقامة الحد، وقد سمى رسول الله - ﷺ - فعلهم توبة، فقال في حق المرأة: "لقد تابت توبة لو قسمت على أهل المدينة لوسعتهم" تقدم تخريجه، وجاء عمرو بن سمرة إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إني سرقت جملا لبني فلان، فطهرني. وقد أقام رسول الله - ﷺ - الحد عليهم، ولأن الحد كفارة، فلم يسقط بالتوبة ككفارة اليمين والقتل، ولأنه مقدور عليه، فلم يسقط عنه الحد بالتوبة، كالمحارب بعد القدرة عليه، فإن قلنا بسقوط الحد بالتوبة فهل يسقط بمجرد التوبة، أو بها مع إصلاح العمل؟ فيه وجهان: أحدهما: يسقط بمجردها وهو ظاهر قول أصحابنا، لأنها توبة مسقطة للحد، فأشبهت توبة المحارب قبل القدرة عليه. والثاني: يعتبر إصلاح العمل، لقول الله تعالى: (فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما) [النساء: ١٦]. وقال ﷾: (فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه) [المائدة: ٣٩]. فعلى هذا القول، يعتبر مضي مدة يعلم بها صدق توبته وصلاح نيته، وليست مقدرة بمدة معلومة.
[ ٤ / ٢٠٣٩ ]
وإذا عرفت هذا استرحت من الإشكالات التي يوردها الناس على حديث وائل المذكور، وهي كثيرة وأشدها ما سلف.
انتهى من تحرير المجيب جامعه قرة عين المسلمين عز الإسلام والدين محمد بن علي الشوكاني، غفر الله لهما، وأقام به الدين، إنه حليم كريم. حرره - حفظه الله - في شهر القعدة سنة ١٢٠٨ هـ] (١).
_________________
(١) زيادة من (ب).
[ ٤ / ٢٠٤٠ ]