تأليف محمد بن علي الشوكاني
حققته وعلقت عليه وخرجت أحاديثه
محفوظة بنت شرف الدين
أم الحسن
[ ٢ / ٩١٣ ]
وصف المخطوط:
١/ عنوان الرسالة: بحث في حديث أنا مدينة العلم وعلى بابها.
٢/ موضوع الرسالة: جواب على معني حديث: " أنا مدينة العلم وعلى بابها ".
٣/ الرسالة ضمن مجموعة من الرسائل للإمام محمد بن علي الشوكاني.
٤/ أول الرسالة: الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد خاتم المرسلين وعلى آله المطهرين هذا لفظ السؤال الوارد
٥/ آخر الرسالة: فلنقتصر على الجواب على محل السؤال والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. كتبه محمد الشوكاني غفر الله له.
٦/ نوع الخط: خط نسخط معتاد، دقيق في الصفحتين الأوليتين والباقي غليظ.
٧/ عدد الأوراق: سبعة.
٨/ المسطرة: الورقة الأولى: ٢٢ سطرا.
الورقة الثانية: ٢٢ سطرا.
الورقة الثالثة: ١٩ سطرا.
الورقة الرابعة: ١٧ سطرا.
الورقة الخامسة: ١٨ سطرا.
الورقة السادسة: ١٧ سطرا.
الورقة السابعة: ١٦ سطرا.
٩/ عدد الكلمات في السطر: بالنسبة للصفحتين الأولى والثانية (١٧ - ١٨) كدمة وبالنسبة لباقي الصفحات (١١ - ١٢) كلمة.
١٠/ الناسخ: المؤلف: محمد بن علي الشوكاني.
[ ٢ / ٩١٥ ]
[السؤال]
الحمد له رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم المرسلين، وعلى آله المطهرين.
هذا لفظ السؤال الوارد: قال﵌-: " أنا مدينة العلم وعلى بابها، فمن أراد العلم فليأت من بابها " (١) ظاهر الحديث أن من أراد أخذ شيء
_________________
(١) : وهو حديث موضوع. روي من حديث على، وابن عباس، وجابر. . أما حديث علي - ﵁ - فله خمسة طرق: - (الطريق الأول) من طريق محمد بن عمر بن الرومي، قال: حدثنا شريك عن سلمة بن كهيل، عن الصنابحي، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " أنما دار الحكمة وعلي بابها ".أخرجه الترمذي في "السنن" (١٠/ ٢٢٥ - ٢٢٧ مع التحفة). وقال: " هذا حديث غريب منكر، روى بعضهم هذا الحديث عن شريك، ولم يذكروا فيه عن الصنابحي ولا نعرف هذا الحديث عن أحد من الثقات غير شريك .. ". وأخرجه أبو جعفر الطبري في "تذهيب الآثار" مسند على بن أبي طالب (ص ١٠٤ رقم ٨)، وأبو نعيم في " معرفة الصحابة " (١/ ٣٠٨ رقم ٣٤٦)، وابن الجوزي في " الموضوعات " (١/ ٣٤٩)، والسيوطي في " اللآلئ" (١/ ٣٢٩). قلت: وفيه محمد بن عمر بن الرومي: لين الحديث. قآله ابن حجر في " التقريب " (٢/ ١٩٣). وقال الدارقطني في " العلل " (٣/ ٢٤٧ - ٢٤٨ س ٣٨٦): " رقد رواه سويد بن غفلة عن الصنابحي ويسنده " والحديث مضطرب غير ثابت وسلمة يسمع من الصنابحي " اهـ. وقال عبد الرحمن بن يحي المعلمي اليماني في " تحقيق الفوائد المجموعة " (ص ٣٥٠ - ٣٥١): ". . . . والحق أن الخبر غير ثابت عن شريك " اهـ. - (الطريق الثاني): من طريق: الحسن بن سفيان، قال: حدثنا عبد الحميد بن بحر، قال حدثنا شريك عن سلمة بن كهيل عن الصنابحي، عن على بن أبي طالب! ه قال: قال رسول الله ﷺ: " أنا دار الحكمة وعلي بابها". أخرجه أبو نعيم في " الحلية " (١/ ٦٤) وابن الجوزي في " الموضوعات " (١/ ٣٤٩)، والسيوطي في " اللآلئ " (١/ ٣٢٩). قلت: وفيه عبد الحميد بن بحر، قال عنه ابن حبان في " المجروحين " (٢/ ١٤٢): " كان يسرق الحديث، ويحدث عن الثقات. مما ليس من حديثهم لا يجوز الاحتجاج به بحال " وكذا قال ابن عدي كما في " الميزان " (٢/ ٥٣٨ رقم ٤٧٦٥). (الطريق الثالث): من طريق أبي منصور شجاع بن شجاع، قال: حدثنا عبد الحميد بن بحر البصري، قال حدثنا شريك، قال حدثنا سلمة بن كهيل عن أبي عبد الرحمن عن على ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " أنا مدينة الفقه وعلى بابها". أخرج ابن الجوزي في " الموضوعات " (١/ ٣٥٠) والسيوطي في " اللآلئ " (١/ ٣٢٩). قلت: وفيه عبد الحميد بن بحر هالك كما تقدم ي الطريق الثاني. - (الطريق الرابع): من طريق محمد بن قيس، عن الشعبي، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " أنا دار الحكمة وعلي بابها ". أخرجه ابن الجوزي في " الموضوعات " (١/ ٣٥٠) والسيوطى في "اللآلئ " (١/ ٣٢٩) وفيه محمد بن قيس مجهول قآله ابن الجوزي (١/ ٣٥٣). - (الطريق الخامس): رواه ابن مردريه من طريق الحسن بن علي عن أبيه عن رسول الله ﷺ أنه قال: " أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب ". أخرجه ابن الجوزي في " الموضوعات " (١/ ٣٥٠) وقال: " وفيه مجاهيل ". وأما حديث ابن عباس فله عشرة طرق: - (الطريق الأول): من طريق جعفر بن محمد البغدادي الفقيه، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " أنا مدينه العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فلبت الباب ". أخرجه ابن الجوزي في " الموضوعات " (١/ ٣٥٠) والسيوطى في " اللآلئ " (١/ ٣٢٩) وفيه: جعفر بن محمد البغدادي وهو متهم بسرقة هذا الحديث قآله ابن الجوزي (١/ ٣٥٤). (الطريق الثاني): من طريق رجاء بن سلمة، حدثنا أبو معاوية- الضرير- عن الأعمش عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: " أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأت الباب ". أخرجه ابن الجوزي (١/ ٣٥٠ - ٣٥١) والخطب في " تاريخ بغداد " (٤/ ٣٤٨). وفيه جابر بن سلمة. وقد اتهموه بسرقة هذا الحديث قآله ابن الجوزي (١/ ٣٥٤). - (الطريق الثالث): من طريق أحمد بن عبد الله لن شابور، قال حدثنا عمر بن إسماعيل بن مجالد، قال حدثنا أبو معاوية الضرير عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: " أنما مدينة العلم وعلى بابها فمن أراد العلم فليأت الباب ". أخرجه ابن عدي في " الكامل " (٥/ ١٧٢٢) وابن الجوزي (١/ ٣٥١). وفيه عمر بن إسماعيل. قال يحي بن معين: ليس بشيء كذاب خبيث رجل سوء. وقال الدارقطني: متروك. انظر " الضعفاء " للعقيلي (٣/ ١٤٩ - ١٥٠) و" المجروحين " (٢/ ٩٢) و" الميزان " (٣/ ١٨٢) و" الجرح والتعديل " (٣/ ٩٩). - (الطريق الرابع): من طريق: أحمد بن محمد بن يزيد الزعفراني، حدثنا عمر بن إسماعيل بن مجالد حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله!: " أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد بابها فليأت عليا ". أخرجه ابن الجوزي (١/ ٣٥١) والسيوطي في اللآلئ (١/ ٣٢٩). وفيه عمر بن إسماعيل هالك وقد تقدم في الطريق الثالث. - (الطريق الخامس): من طريق أبي الصلت، عبد السلام بن صالح بن سليمان بن ميسرة آلهروي قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن بن عباس قال: قال رسول الله ﷺ:" أنا مدينة العلم وعلما بابها ". أخرجه ابن الجوزي في " الموضوعات " (١/ ٣٥١) والحاكم في " المستدرك " (٣/ ١٢٦ - ١٢٧) وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأبو الصلت ثقة مأمود .. ". وتعقبه الذهي فقال: "بل موضوع .. وأبو الصلت: لا والله لا ثقة ولا مأمون ". قلت: لا يخفى تساهل الحاكم رحمه آله في تصحيح الأحاديث الضعيفة بل الموضوعة ولذلك لا يعتمد على تصحيحه. انظر " مدخل إرشاد الأمة إلي فقه الكتاب والسنة "، الفائدة الثالثة: شذرات من علوم الحديث. المسألة: الخامسة عشرة. تأليف: محمد صبحي بن حسن حلاق. وقال العلامة محمد بن إسماعيل الأمير في كتابه: " إرشاد النقاد إلي تيسير الاجتهاد " (ص ١٨): " ولهم في مستدركه ثلاثة أقوال: إفراط وتفريط وتوسط. فأفرط أبو سعيد الماليني، وقال: ليس فيه حديث على شرط الصحيح، وفرط الحافظ السيوطي فجعله مثل الصحيح وضمه إليهما في كتابه الجامع الكبير، وجعل العزو إليه معلما بالصحة. وتوسط الحافظ الذهبي فقال: فيه نحو الثلث صحيح ونحو الربع حسن وبقية ما فيه مناكير وعجائب " اهـ. وأخرجه الطبراني في " الكبير " (١١/ ٦٥ رقم ١١٠٦١)، وأورده آلهيثمي في " مجمع الزوائد " (٩/ ١١٤) وقال: رواه الطبراني وفيه عبد السلام بن صالح آلهروي وهو ضعيف. وانظر " الميزان " (٢/ ٦١٦ رقم ٥١ ٠ ٥) و" الكامل " لابن عدي (٥/ ١٩٦٨). وأخرج ابن الجوزي في " الموضوعات " (١/ ٣٥١) والخطب في " تاريخ بغداد " (١١/ ٤٩) والسيوطى في " اللآلئ " (١/ ٣٢٩). - (الطريق السادس): من طريق أحمد بن سلمة أبو عمرو الجرجاني، قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: " أنا مدينة العلم وعلي بابها " فمن أراد مدينة العلم فليأت من بابها ". أخرجه ابن عدي في " الكامل " (١/ ١٩٣): وابن الجوزى في " الموضوعات " (١/ ٣٥١ - ٣٥٢) والسيوطى في " اللآلئ " (١/ ٣٣٠): وفيه احمد بن سلمة: يحدث عن الثقات بالبواطيل، ويسرق الحديث. وليس هو ممن يحتج بروايته. قآله ابن عدي. - (الطريق السابع): من طريق سعيد بن عقبة أبي الفتح الكوفي، قال: حدثنا، الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: " أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأت من قبل بابها ". أخرجه ابن عدي في " الكامل " (٣/ ١٢٤٧ - ١٢٤٨) وابن الجوزي في " الموضوعات " (١/ ٣٥٢) وفيه سعيد بن عقبة مجهول غر ثقة قآله ابن عدي. - (الطريق الثامن): من طريق أبي سعيد العدوى، حدثنا: الحسن بن علي بن راشد، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: " أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد مدينة العلم فليأت من بابها ". أخرجه ابن عدى في " الكامل " (٢/ ٧٥٢ - ٧٥٣) وابن الجوزي في " الموضوعات " (١/ ٣٥٢) والسيوطي في " اللآلئ " (١/ ٣٣٠) وفيه أبو سعيد العدوى الكذاب صراحا الوضاع. قآله ابن الجوزي. (الطريق التاسع): من طريق إسماعيل بن محمد بن يوسف. قال: حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام عن أبي معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: " أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد الدار فليأتها من قبل بابها" أخرجه ابن الجوزي (١/ ٣٥٢) والسيوطي في " اللآلئ " (١/ ٣٣٠). وابن حبان في " المجروحين " (١/ ١٣٠) وقال: إسماعيل بن محمد بن يوسف ممن يقلب الأسانيد ويسرق الحديث، لا يجوز الاحتجاج به. - (الطريق العاشر): رواه أبو بكر بن مردويه من حديث الحسن بن عثمان عن محمود ابن خداش عن أبي معاوية وقال ابن الجوزى في "الموضوعات " (١/ ٣٥٤): فيه الحسن بن عثمان. قال ابن عدي كان يضع الحديث. قلت: وحكم المحدث الألباني على حديث ابن عباس بالوضع في "ضعيف الجامع " (٢/ ١٣رقم١٤١٦). والضعيفة رقم (٢٩٥٥). وأما حديث جابر فله طريقان: - (الطريق الأول): من طريق أحمد بن عبد الله أبو جعفر المكتب قال أنبانا عبد الرزاق قال أنبأنا سفيان، عن عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن عبد الرحمن بن بهمان قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يوم الحديبية وهو آخذ بيد علي- وقال ابن عدى أخذ بضبع على- " هذا أمير البررة وقاتل الفجرة، منصور من نصره، مخذول من خذله- يمد صوته- أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن - أراد العلم- وقال ابن عدي- فمن أراد الدار فليأت الباب ". أخرجه ابن الجوزي في "الموضوعات " (١/ ٣٥٣)، والحاكم في "المستدرك " (٣/ ١٢٧) وقال إسناد. صحيح، وتعقبه الذهبي فقال: العجب من الحاكم وجرأته في تصحيحه هذا وأمثآله من البواطيل. وأحمد بن عبد الله ابر جعفر المكتب- هذا دجال كذاب. وأخرجه ابن عدى في " الكامل " (١/ ١٩٥) وقال: هذا حديث منكر موضوع لا أعلم رواه عن عبد الرزاق إلا أحمد بن عبد الله بن يزيد المردب أبو جعفر المكتب وأخرجه الخطب في " تاريخ بغداد " (٢/ ٣٧٧). والسيوطي في " اللآلئ " (١/ ٣٣٠). - (الطريق الثاني): من طريق أحمد بن طاهر بن حرملة بن يحي المصري عن عبد الرزاق مثله سواء، إلا أنه قال: " فمن أراد الحكم فليأت الباب ". أخرجه ابن الجوزي في " الموضوعات " (١/ ٣٥٣) والسيوطي في " اللآلئ " (١/ ٣٣٠). وفيه أحمد بن طاهر بن حرملة، قال ابن عدي في " الكامل " (١/ ١٩٩): ضعيف جدا، يكذب في حديث رسول الله ﷺ إذا روى، ويكذب في حديث الناس إذا حدث عنهم. قلت: وحكم المحدث الألباني على حديث جابر بالوضع في ضعيف الجامع (٢/ ١٣ رقم ١٤١٦) والضعيفة رقم (٢٩٥٥). قلت: وحديث أنا مدينة العلم وعلى بابها: أورده البخاري في " المقاصد الحسنة " (ص ١٦٩ رقم ١٨٩). وقال بعدما تكلم على طرقه " .. وبالجملة فكلها ضعيفة، وألفاظ أكثرها ركيكة، وأحسنها حديث ابن عباس، بل هو حسن " اهـ. - وأورده الشوكاني في " الفوائد المجموعة " (ص ٣٤٨ رقم ٥٢). وتكلم عليه. ثم نقل كلام ابن حجر بأن الحديث من قسم الحسن، لا يرتقي إلي الصحة ولا ينحط إلي الكذب، وأيده قائلا هذا هو الصواب. قلت: تعقب العلامة عبد الرحمن بن يحي المعلمي اليماني في تحقيقه لكتاب الفوائد المجموعة (ص ٣٤٩ - ٣٥٣)، ابن حجر والشوكاني وبين أنه لا يصح طريق. ولولا الطول لنقلته لك فانظره لزاما. - وأورده ابن الديبع في " تمييز الطب من الخبيث " رقم (٢٢٩)، ونقل عن ابن دقيق العيد قوله: " هذا الحديث لم يثبتوه وقيل إنه باطل ". وأورده الشيخ محمد درويش الحوت في " أسني المطالب " (ص ٩٣ رقم ٣٩٠) وعاب على من ذكره في كتب العلم من الفقهاء كابن حجر آلهيثمي في " الصواعق " و" الزواجر ". وأورده الديلمى في " الفردوس بمأثور الخطاب " (٤٤١١ رقم ١٠٦). وعلي القاري في " الأسرار المرفوعة " (رقم: ٧١). وابن تيمية في " أحاديث القصاص " (رقم: ١٥) وقال: " هذا ضعيف، بل موضوع عند أهل المعرفة بالحديث، لكن قد رواه الترمذي وغيره ومع هذا فهو كذب " اهـ. وأورده العجلوني في " كشف الخفاء " (١/ ٢٣٥ رقم ٦١٨). والشيخ مقبل بن هادي الوادعي في كتابه: " الطليعة وهو مع رياض الجنة في الرد على أعداء السنة " (ص ١٧٦ رقم ١٨ و١٩) تحت عنوان " الأحاديث الموضوعة في فضائل أمير المؤمنين على بن أبي طالب ". وقد ذهب إلي القول بوضع هذا الحديث: ا- الإمام يحي بن معين، فإنه قال كما في " سؤالات ابن الجنيد له " ص ٢٨٥ رقم ٥١: " هذا حديث كذب ليس له أصل ".
(٢) الإمام البخاري كما في " العلل الكبير" للترمذي (رقم: ٦٩٩) بعد أن ذكره من حديث على، قال: "سألت محمدا - يعني البخاري - عنه، فلم يعرفه، وأنكر هذا الحديث ".
(٣) الإمام أبو زرعة الرازي، فإنه قال كما في " سؤالات البرذعي له " (٢/ ٥١٩ - ٥٢٠): " كم من خلق قد افتضحوا فيه ".
(٤) الإمام الترمذي في سننه (٥/ ٦٣٧ رقم ٣٧٢٣) فإنه قال عن الحديث: " هذا حديث غريب منكر ". ٥ - الإمام ابن حبان، فإنه قال في كتابه "المجروحين " (٢/ ٩٤): " هذا خبر لا أصل له عن النبي ﵊ ".
(٥) الإمام ابن عدي، فإنه قال: " هذا الحديث موضوع يعرف بأبي الصلت " كما في " الموضوعات " لابن الجوزي (٣٥٤١١).
(٦) الإمام الدارقطني، فإنه قال في كتابه "العلل " (٣/ ٢٤٨): " الحديث مضطرب غير ثابت ".
(٧) الإمام ابن الجوزي فإنه قال في كتابه: "الموضوعات " (١/ ٣٥٣): " هذا حديث لا يصح من جميع الوجوه ".
(٨) الإمام ابن دقيق العيد، فإنه قال كما في "المقاصد الحسنة" ص ١٧٠: " هذا الحديث لم يثبتوه. وقيل: إنه باطل ".
(٩) الإمام ابن تيمية، فإنه يقول ي كتابه "أحاديث القصاص " ص ٦٢: " هذا ضعيف، بل موضوع عند أهل المعرفة بالحديث. لكن قد رواه الترمذي وغيره، ومع هذا فهو كذب "، وانظر " مجموع الفتاوى " له (٤/ ٤١٠ - ٤١٣) و(١٨/ ١٢٣ - ١٢٤).
(١٠) الإمام الذهبي، فإنه صرح بوضعه في الميزان (١/ ٤١٥) و(٣/ ٦٦٨).
(١١) الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني﵀- في تحقيقه لـ " الفوائد المجموعة " (ص٣٤٩ - ٣٥٣) حيث ذهب إلي القول بوضعه في تحقيق مطول.
(١٢) المحدث محمد ناصر الدين الألباني﵀- في ضعيف الجامع الصغير وزياداته رقم (١٣١٣) حيث يقول: " موضوع ".
[ ٢ / ٩١٩ ]
من الشرائع فليتوصل في أخذ ذلك من النبي - ﵌- بأمير المؤمنين، مع أن الواقع في زمن النبي - ﵌- بخلافه؛ فإنهم كانوا يأخذون عن النبي - ﵌- من دون أن يتوصلوا بأمير المؤمنين، ولم ينكر عليهم النبي - ﵌ -، ولا أرجعهم إلي أمير المؤمنين اهـ.
وقد أجاب أحد أولاد آلهادي أن المراد به بعد موته، وهو خلاف ظاهر الحديث (١)
_________________
(١) قال ابن تيمية في "منهاج السنة" (٧/ ٥١٥ - ٥١٦): وحديث: " أنا مدينة العلم وعلي بابها " أضعف وأوهى فإن النبي ﷺ إذ كان مدينة العلم، ولم يكن لها إلا باب واحد، ولم يبلغ عنه العلم إلا واحد، فسد أمير الإسلام ولهذا اتفق المسلمون على أنه لا يجوز أن يكون المبلغ عنه العلم واحدا بل يجب أن يكون المبلغون أهل التواتر، الذين يحصل العلم بخبرهم للغائب. وخبر الواحد لا يفيد العلم إلا بالقرائن، وتلك قد تكون منتفية أو خفية عن كثر الناس، فلا يحصل لهم العلم بالقرآن والسنن المتواترة. وإذا قالوا: ذلك الواحد المعصوم يحصل العلم بخبره. قيل لهم: فلا بد من العلم بعصمته أولا. وعصمته لا تثبت. بمجرد خبره قبل أن يعلم عصمته، فإنه دور، ولا تثبت بالإجماع، فإنه لا إجماع فيها. وعند الإمامية إنما يكون الإجماع حجة، لأن فيهم الإمام المعصوم، فيعود الأمير إلي إثبات عصمته. بمجرد دعواه، فعلم أن عصمته لو كانت حقا لا بد أن تعلم بطريق آخر غير خبره. فلم لم يكن لمدينة العلم باب إلا هو، لم يثبت لا عصمته ولا غير ذلك من أمور الدين، فعلم أن هذا الحديث إنما افتراه زنديق جاهل ظنه مدحا، وهو مطرق الزنادقة إلي القدح في دين الإسلام، إذا يبلغه إلا واحد. ثم إن هذا خلاف المعلوم بالتواتر، فمان جميع مدائن الإسلام بلغهم العلم عن الرسول من يخر علي. أما أهل المدينة ومكة فالأمير فيهما ظاهر، وكذلك الشام والبصرة، فإن هؤلاء لم يكونوا يروون عن على إلا شيئا قليلا. وبكما كان غالب علمه في الكوفة، ومع هذا فأهل الكوفة كانوا يعلمون القرآن والسنة قبل أن يتولى عثمان، فضلا عن علي. وفقهاء أهل المدينة تعلموا الدين في خلافة عمر، وتعليم معاذ لأهل اليمن ومقامه فيهم كثر من على، ولهذا روى أهل اليمن عن معاذ بن جبل كثر مما رووا عن علي. وشريح وغيره من أكابر التابعين إنما تفقهوا على معاذ بن جبل، ولما قدم علي الكوفة كان شريح فيها قاضيا فانتشر علم الإسلام في المدائن قبل أن يقدم على الكوفة.
[ ٢ / ٩٢٦ ]
وأجاب فخر الإسلام عبد الله بن الإمام (١) شرف الدين أن المراد به علم الباطن، وهو غير صحيح. وأجوبة كثيرة لم تفد شيئا في ظاهر الحديث اهـ. أ جواب العلامة لأشرف الدين بن إسماعيل بن إسحاق
والجواب: - والله أعلم بالصواب - أن هذا الحديث الشريف قد وردت فيه روايات، فمنها: " أنا مدينة العلم وعلى بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب " (٢) كما ذكر في السؤال، ومنها أنه ورد من دون زيادة: " فمن أراد العلم فليأت الباب "، ومنها: " أنا دار الحكمة وعلي بابها " (٣) من دون الزيادة. ومنها: " علي باب علمي " (٤).
ومبنى السؤال على الزيادة الواردة، أعني قوله: " فمن أراد العلم فليأت الباب "
_________________
(١) عبد الله ابن الإمام شرف الدين بن شمس الدين ابن الإمام المهدي أحمد بن يحي وهو من العلماء المحققين في عدة فنون، وله مصنفات منها: شرح قصيدة والده المسماة (القصص الحق) ذكر فيه فوائد جليلة. ومنها كتاب اعتراض على القاموس وسماه (كسر الناموس) واعترض عليه في هذه التسمية بأنها ليست لغوية بل عرفية وبعض شرح معيار النحوي وكتب تراجم لفضلاء الزيدية. انظر: " البدر الطالع " (١/ ٣٨٣).
(٢) انظر: (الطريق الخامس) من طرق تخريج الرواية وقد تقدم.
(٣) انظر: (الطريق الأول) من طرق تخريج الرواية وقد تقدم.
(٤) أخرجه ابن الجوزي في "العلل المتناهية" رقم (٣٥٥)، وأورده الديلمى في "الفردوس. بمأثور الخطاب " من حديث أبي زر ﵁ (٣/ ٦٥ رقم ٤١٨١). وذكره الذهبي في ترجمة " ضرار بن صرد " بلفظ " علي عيبة علمي " وقال فيه البخاري: متروك، وقال يحي بن معين كذابان بالكوفة هذا وأبو نعيم النخعى. الميزان (٢/ ٣٢٧ رقم ٣٩٥١) والكامل (٤/ ١٠١). قلت: وهو حديث مرفوع.
[ ٢ / ٩٢٧ ]
وقد علم قطعا من غير تردد أن الصحابة شاركوا (١) أمير المؤمنين - ﵇ - في تحمل العلم عنه - ﵌ - ولم يأميرهم بالرجوع إلي أمير المؤمنين - ﵇ -.
كما ذكره السائل- أبقاه الله - فلو كان الأمير هاهنا للوجوب لما أقدموا على مخالفة الرسول - ﵌ - وهم. بمرأى ومسمع منه - ﵌ -، ولنهاهم عن تحمل العلم من دون واسطة أمير المؤمنين﵇-. ولم
_________________
(١) قال ابن حزم في " الفصل " (٤/ ٢١٢ - ٣١٤): " واحتج من احتج من الرافضة بأن عليا كان أكثرهم علما ". قال: "وهذا كذب، وإنما يعرف علم الصحابي بأحد وجهين لا ثالث لهما: أحدهما: كثرة روايته وفتاويه. والثاني: كثرة استعمال النبي ﷺ له. فمن المحال الباطل أن يستعمل النبي! من لا علم له. وهذا أكبر شهادة على العلم وسعته، فنظرنا في ذلك فوجدنا النبي ﷺ قد ولى أبا بكر الصلاة بحضرته طول علته، وجميع أكابر الصلاة حضور، كعمر وعلي وابن مسعود وأبي. . . . وهذا بخلاف استخلافه عليا إذا عزا، لأن ذلك على النساء وذوي الأعذار فقط فوجب ضرورة أن يكون أبو بكر أعلم الناس بالصلاة وشرائعها، وأعلم المذكورين ها وهي عمود الدين. ووجدناه استعمله على الصدقات. . . . واستعمل أبا بكر على الحج. . . . ثم وجدناه قد استعمله على البعوث وذلك يشير إلي صحة تقدم أبي بكر على علي وغيره في العلم، الصلاة، الزكاة، الحج وساواه في الجهاد. وأما الرواية والفتيا. قال ابن حزم في "الفصل " (٤/ ٢١٣): ولم يرو عن علي إلا خمسمائه، وستة وثمانون حديثا مسندة، يصح منها نحو خمسين حديثا وقد عاش بعد النبي ﷺ أزيد من ثلاثين سنة. ونقل إلينا عن الصحابة ﵃ أضعاف ما رواه على ﵁. قال ابن حزم في "الفصل " (٤/ ٢١٤): ووجدنا مسند عائشة ألفي مسند ومائتي مسند وعشرة مسانيد وحديث أبي هريرة خمسة ألاف مسند وثلاثمائه مسند وأربعة وستون مسندا "، ولكل من- أبي هريرة وأنس وعمر - من الفتاوى أكثر من فتاوى على أو نحوها فبطل قول هذا الجاهل. وانظر تفصيل ذلك في " منهاج السنة " (٧/ ٥١٦ - ٥٢٤) لابن تيمية. و" الفصل " لابن حزم (٤/ ٢١٠ - ٢١٨). وانظر كتاب " الطليعة وهو مع رياض الجنة " ص ١٧٨ للشيخ مقبل بن هادي الوادعي.
[ ٢ / ٩٢٨ ]
يرد شيء بل قد ورد ما يعارض هذا الأمير بالأمير للصحابة بالتحمل عنه - ﵌ - كما جاء عنه: " بلغوا عني " (١)،
ونحو قوله: " فيبلغ الشاهد الغائب " (٢) وتكرر عنه ذلك. وورد الدعاء منه - ﵌ - لمن بلغ عنه.
أخرج أحمد في مسنده (٣)، وابن ماجه (٤) عن أنسى عنه - ﵌ - أنه قال: " نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها، ثم بلغها عني، فرب حامل فقه غرر ففيه، ورب حامل فقه إلي من هو أفقه منه ".
وأخرج أحمد في مسنده (٥)، وابن ماجه (٦)، والحاكم في مستدركه (٧) عن جبير بن مطعم، وأبو داود (٨)، وابن ماجه (٩) عن زيد بن ثابت، والترمذي (١٠) وابن ماجه (١١)
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦/ ٤٩٦رقم ٣٤٦١) والترمذي (٥/ ٤٠رقم ٢٦٦٩) وقال حديث حسن صحيح. من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.
(٢) أخرجه البخاري (١/ ١٥٧ رقم ٦٧) ومسلم (٣/ ١٣٠٥ رقم ٢٩/ ١٦٧٩) وابن ماجه في " السمن " (١/ ٨٥ رقم ٢٣٣) وأحمد في " المسند " (٥/ ٤٠ - ٤١) والبيهقي في " دلائل النبوة " (١/ ٢٣) كلهم من حديث أبي بكرة.
(٣) (٣/ ٢٢٥).
(٤) في " السنن " رقم (٢٣٦) وهو حديث صحيح.
(٥) (٤/ ٨٠ و٨٢).
(٦) في " السنن " رقم (٢٣١).
(٧) (١/ ٨٧١) وهو حديث صحيح
(٨) في " السنن " (١٠/ ٩٤ - مع العون).
(٩) في " السنن " رقم (٣٣٠) وهو حديث صحيح.
(١٠) في " السنن " (٧/ ٤١٧ - مع التحفة) وقال: حديث حسن صحيح.
(١١) في " السنن " رقم (٢٣٢). قلت: مدار حديث ابن مسعود في كل طرقه على ابنه: عبد الرحمن وهو مدلس من المرتبة الثالثة، ولم يصرح بالسماع، ولكن يشهد له حديث زيد بن ثابت المتقدم وحديث جبير بن مطعم المتقدم وحديث أنس المتقدم. والخلاصة أن حديث ابن مسعود صحيح بشواهده.
[ ٢ / ٩٢٩ ]
عن ابن مسعود عنه﵌- أن قال: " نضر (١) الله عبدا سمع مقالتي فوعاها، وحفظها، ثم أذاها إلي من لم يسمعها، فرب حامل فقه يخر ففيه، ورب حامل فقه إلي من هو أفقه منه ". والحديث في هذا المعنى متسع، وكتاب عمرو ابن حزم في دية الأصابع مشهور (٢) متداول بين أئمة العلم. وقد روى هذا الحديث جماعة من الحفاظ، وأئمة الأثر كالنسائي، وأبي زرعة الدمشقي، والحافظ الطبراني، وابن حبان في صحيحه. وكان الصحابة والتابعون يرجعون إليه [١] آراءهم فجرى مجرى الإجماع على الأخذ منه - ﵌ - من غير طريق باب مدينة العلم - ﵇ -.
وثبت بالتواتر المعنوي (٣) إرسآله - ﵌ -. . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) نضره ونضره وأنضره: أي نعمه. ويروى بالتخفيف والتشديد من النضارة، وهي في الأصل: حسن الوجه والبريق، وإنما أراد حسن خلقه وقدره. النهاية (٥/ ٧١).
(٢) أخرجه أبو داود في المراسيل رقم (٩٢) ورجآله ثقات. رجال الشيخين. غر محمد بن عمارة - وهو ابن عمرو بن حزم الأنصاري الحزمي المدني - فإنه ا يخرجا له ولا أحدهما. وهو صدوق. وثقه ابن معين، وذكره ابن حبان في " الثقات " (٥/ ٣٨٠) وقال أبو حاتم: صالح. ابن إدريس: هو عبد الله ابن إدريس بن يزيد الأودي الكوفي. والنساني في السنن (٨/ ٧٥ - ٥٨ رقم ٤٨٥٣) مختصرا. وابن خزيمة رقم (٢٢٦٩) مختصرا وابن الجارود في " المنتقى " رقم (٧٨٤) وابن حبان في صحيحه رقم (٧٩٣ - موارد) والحاكم (٣٩٥١١ - ٣٩٧) والبيهقي (٨/ ٧٣) ولمعظم فقراته شواهد انظر نصب الراية (١/ ١٩٦ - ١٩٧) و(٢/ ٣٤٠ - ٣٤١) و" تلخيص الحبيرر " (٤/ ١٧ - ١٨). والخلاصة أن الحديث صحيح.
(٣) المتواتر: هو ما رواه جمع كثر، تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، أو وقوعه منهم من غير قصد التواطؤ، عن جمع مثلهم، حتى يصل المنقول إلي منتهى السند، ويكون مستند علمهم بالأمير المنقول عن النبي ﷺ المشاهدة أو السماع. المتواتر نوعان: لفظي: وهو ما اتفق رواته في لفظه - ولو حكما - وفي معناه، وذلك كحديث: " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ". انظره في " نظم المتناثر من الحديث المتواتر " ص ٢٠ للكتاني. والمتواتر المعنوي: هو ما اختلفوا في لفظه ومعناه مع رجوعه لمعني كلي، وذلك بان يخبروا عن وقائع مختلفة تشترك كلها في أمير واحد فالأمير المشترك المتفق عليه بين الكل هو المتواتر فمنه أحاديث رفع اليدين في الدعاء، فقد روى عنه ﷺ نحو مائه حديث فيه رفع يديه في الدعاء. لكنها في قضايا مختلفة، فكل قضية منها لم تتواتر، والقدر المشترك فيها، وهو الرفع عند الدعاء تواتر باعتبار المجموع. انظر: المسودة ص ٢٣٣ - ٢٣٧، إرشاد الفحول ص ٤٦ - ٤٨.
[ ٢ / ٩٣٠ ]
الآحاد (١)
لتبليغ الحكام، وكذلك جرى الأمير بعد موته - ﵌ - على ما كان في حياته، ولم ينكر أمير المؤمنين - ﵇ - على أحد ذلك، بل اشتهر عنه تحليف الرواة (٢)، وقبل حديث أبي بكر من دون تحليف، فيتوجه حينئذ حمل الأمير في قوله - ﵌ -: " فمن أراد العلم فليأت الباب " على
_________________
(١) كالحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه رقم (٢٤٤٨) ومسلم في صحيحه رقم (٢٩/ ١٩) عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلي اليمن: " إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلي أن يشهدوا أن لا آله الله وأن محمدا رسول الله فإن هم أطوعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموآلهم. واتق دعوة المظلوم فائه ليس بينها وبين الله حجاب ".
(٢) يشير المؤلف ﵀ إلي الحديث الذي أخرجه الترمذي (٥/ ٢٢٨رقم ٣٠٠٦) وأبو داود رقم (١٥٢١) وابن ماجة رقم (١٣٩٥) عن أسماء بن الحكم الفزاري قال: سمعت عليا يقول: إني كنت رجلا إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثا نفعني الله منه. مما شاء أن ينفعني، وإذا حدثني رجل من أصحابه استحلفته فإذا حلف لي صدقته، وإنه حدثني أبو بكر وصدق أبو بكر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما من رجل يذنب ذنبا ثم يقوم فيتطهر، ثم يصلي ثم يستغفر الله إلا غفر له، ثم قراهذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ١٣٥] وهو حديث حسن.
[ ٢ / ٩٣١ ]
الإرشاد، لا على الوجوب، فإن صيغة الأمير وإن كانت ظاهرها في الأصل للوجوب لكنها قد وردت في موارد شرعية (١) لمعان كثيرة، منها الإرشاد فتصرفها عن ظاهرها إلي غيره، كما ذكره أهل الأصول (٢)، فيحمل الأمير هنا على ذلك. ولا شك في أرجحية طريق المؤمنين - ﵇ - على غيره لتبحره في العلم، وكمالي ضبطه، واختصاصه بكمال المعرفة في استنباط الأحكام الشرعية، وزيادة علمه على غيره، كما ورد في الحديث عنه - ﵌ -: " على أعلم الناس بالله، وأشد حبا لله، وتعظيما لأهل لا آله إلا الله " أخرجه أبو نعيم في المعرفة (٣).
قال ابن حجر في " المنح المكية في شرح آلهمزية " في قوله (٤): [وعلى صنو النبي ﷺ
_________________
(١) الأول: الوجوب نحو قوله تعالي: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]. الثاني: للندب نحو قوله تعالي: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]. الثالث: كونها بمعنى " الإباحه " نحو قوله تعالي: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]. وقوله تعالي: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]. الرابع: كونها بمعنى الإرشاد نحو قوله تعالي: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. والضابط في الإرشاد: أنه يرجع إلي مصالح الدنيا، بخلاف الندب، فإنه يرجع إلي مصالح الآخرة، وأيضا: الإرشاد لا ثواب فيه - والندب فيه الثواب. وقد ذكر صاحب الكوكب المنير ما يقارب خمسا وثلاثين م! ت لصيغ الأمير. انظر الكوكب المنير (٣/ ١١ - ٣٨) المستصفى (١/ ٤١٩)، نهاية السول (٢/ ١٧).
(٢) انظر: جمع الجوامع (١/ ٣٧٢) وأصول السرخسي (١/ ١٤) والإحكام للآمدي (٢/ ١٤٢).
(٣) لم أجده في " المعرفة " لأبي نعيم بل عزاه صاحب الكنز (١١/ ٦١٥) لأبي نعيم بلفظ " علي بن أبي طالب أعلم الناس بالله وأشد الناس، حبا وتعظيما لأهل لا آله إلا الله " والذي وجدته في " الحلية " (١/ ٧٤): عن على قال: " أنصح الناس وأعلمهم بالله أشد الماس حبا وتعظيما لحرمة لا آله إلا الله " بسند ضعيف جدا.
(٤) في المخطوط هنا بياض، ثم بيت شعر تام من الخفيف " مدور ". والتصويب من كتاب " المنح المكية ي شرح آلهمزية " وهو مخطوط.
[ ٢ / ٩٣٢ ]
أي مثله من حيث اجتماعهما في أصل واحد وهو عبد المطلب، فهما كنحلتين أصلهما واحد، وفي حديث الترمذي (١): " فإنما عم الرجل صنو أبيه " وهو من هذا القبيل. "ومن " أي الذي " دين " أي اعتقاد" فؤادي " أي قلبي " وداده " أي حبه. " والولاء " أي مناصرته والذب عنه. . .] ما لفظه: قال أحمد بن حنبل في مسنده ما جاء لأحد من الفضائل ما جاء لعلي (٢). وقال إسماعيل (٣) القاضي، وأبو على النيسابوري (٤): لم يرد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد الحسان ما ورد في حق على (٥) وقال أيضا: وصح أن
_________________
(١) أخرجه الترمذي في السنن رقم (٣٧٥٨) وقال: هذا حديث حسن صحيح وهو كما قال.
(٢) انظر المستدرك (٣/ ١٠٨) تاريخ الحلفاء ص ١٤٠. الرياض النضرة (٢١٣١٢).
(٣) انظر المستدرك (٣/ ١٠٨) تاريخ الحلفاء ص ١٤٠. الرياض النضرة (٢١٣١٢).
(٤) انظر المستدرك (٣/ ١٠٨) تاريخ الحلفاء ص ١٤٠. الرياض النضرة (٢١٣١٢).
(٥) منها: ا- ما أخرجه البخاري (٨/ ١١٢ رقم ٤٤١٦) ومسلم (٤/ ١٨٧٠ رقم ٣١/ ٢٤٠٤) عن سعد ابن أبي وقاص قال: خلف رسول الله ﷺ على بن أبي طالب، في غزوة تبوك. فقال: يا رسول الله! تخلفني في النساء والصبيان؟ فقال: " أما ترضي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ غير أنه لا نبي بعدي ". " أنت منهي بمنزلة هارون من موسى ". قال القاضي: هذا الحديث مما تعلقت به الروافض والإمامية وسائر فرق الشيعة، في أن الخلافة كانت حقا لعلى. وأنه وصي له بها. قال: ثم اختلف هؤلاء فكفرت الروافض سائر الصحابة في تقديمهم غيره. وزاد بعضهم فكفر عليا لأنه ا يقص في طلب حقه، بزعمهم. وهؤلاء أسخف مذهبا وأفسد عقلا من أن يرد قولهم أو يناظروا. قال القاضي: ولا شك في كفر من قال هذا. لأن من كفر الأمة كلها والصدر الأول فقد أبطل نقل الشريعة، وهدم الإسلام. وأما من عدا هؤلاء الغلاة فإنهم لا يسلكون هذا المسلك. فأما الإمامية وبعض المعتزلة فيقولون: هم مخطئون في تقديم غيره، لا كفار. وبعض المعتزلة لا يقول بالتخطئة لجواز تقلم المفضول عندهم. وهذا الحديث لا حجة فيه لأحد منهم. بل فيه إثبات فضيلة لعلى، ولا تعرض فيه لكونه أفضل من غيره أو مثله. وليس في دلالة لاستخلافه بعده. لأن النبي ﷺ إنما قال هدا لعلى، حينما استخلفه في المدينة في غزوة تبوك. ويؤيد هذا أن هارون، المشبه به، لم يكن خليفة بعد موسى، بل توفي في حياة موسى وقبل وفاة موسى بنحو أربعين سنة. على ما هو مشهور عند أهل الأخبار والقصص. قالوا: وإنما استخلفه حين ذهب لميقات ربه للمناجاة.
(٦) ومنها: ما أخرجه البخاري (٧/ ٧٠ رقم ٣٧٠١) ومسلم (٤/ ١٨٧٢رقم ٣٤/ ٢٤٠٦) عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه. قال فبات الناس يدركون ليلتهم أيهم يعطاها. فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقالوا: يشتك عينيه يا رسول الله. قال: فأرسلوا إليه فأتوني به. فلما جاء بصق في عينيه ودعا له، فبرأ حتى كان لم يكن به وجع، فأعطه الراية، فقال علي: يا رسول الله، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، فقال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلي الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لان يهدي الله بك رجلا واحدا يضر لك من أن يكون لك حمر النعم ". . " حمر النعم " هي الإبل الحمر. وهي أنفس أموال العرب. يضربون بها المثل في نفاسة الشيء وإنه ليس هناك أعظم منه.
(٧) ومنها: ما أخرجه مسلم (٤/ ١٨٧١ رقم ٣٣/ ٢٤٠٥). عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر " لأعطين هذه الراية رجلا يحب الله ورسوله. يفتح الله على يديه " قال عمر بن الخطاب: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ قال فتساورت لها رجاء أن أدعى لها. قال فدعا رسول الله ﷺ على بن أبي طالب. فأعطاه إياها. وقال: " امش. ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك ". قال فسار على شيئا ثم وقف ولم يلتفت. فصرخ يا رسول الله على ماذا أقاتل الناس؟ قال: " قاتلهم حتى يشهدوا أن لا آله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموآلهم. إلا بحقها. وحسابهم على الله ". * تساورت لها: معناه تطاولت لها. أي حرصت عليها. أي أظهرت وجهي وتصديت لذلك ليتذكرني.
(٨) ومنها: ما أخرجه مسلم (١/ ٨٦ رقم ١٣١/ ٧٨) والنسائي (٨/ ١١٧ رقم ٥٠٢٢) والترمذي (٥/ ٦٤٣ رقم ٣٧٣٦) عن زر بن حبيش، قال: قال علي: والذي فلق الحبة وبرا النسمة، إنه لعهد النبي الأمي ﷺ إلي " أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق ". . فلق الحبة: أي شقها بالنبات. برأ النسمة: إي خلق الإنسان، وقيل: النفس.
(٩) ومنها: ما أخرجه الترمذي (٥/ ٦٣٣ رقم ٣٧١٣) عن أبي سريحة، أو زيد بن أرقم - شك شعبة - عن النبي ﷺ قال: " من كنت مولاه فعلي مولاه "، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، قلت: وأخرجه أحمد في " المسند " (٤/ ٣٦٨ و٣٧٠ و٣٨٢). وهو حديث صحيح.
(١٠) ومنها: ما أخرجه الترمذي (٥/ ٦٣٦ رقم ٣٧١٩) عن حبشي بن جنادة قال: قال رسول الله ﷺ: "علي مني وأنا من علي، ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي ". وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. قلت: وأخرجه أحمد في " المسند " (٤/ ١٦٤ و١٦٥)، وهو حديث حسن
[ ٢ / ٩٣٣ ]
النبي - ﵌ - أرسله إلي اليمن ليقضي بينهم فقال: لا أدري بالقضاء، فضرب بيده على صدره وقال: " اللهم اهد قلبه، وثبت لسانه ". قال على: والذي فلق الحبة ما شككت في قضاء [بين اثنين] (١)
_________________
(١) في المخطوط " آخر " والصواب ما أثبتناه من كتب الحديث. أما الحديث فهو صحيح لطرقه وشواهده. . أخرجه ابن ماجه (٢/ ٧٧٤ رقم ٢٣١٠)، والحاكم في " المستدرك " (٣/ ١٣٥). ووكيع في " أخبار القضاة " (١/ ٨٤ - ٨٥). والنبيهقي في " السنن الكبرى " (١٠/ ٨٦) وابن سعد في " الطبقات " (٢/ ٣٣٧) وأحمد في " المسند " (١/ ٨٣) والنسائي في " تهذيب خصائص الإمام على " (ص ٤٠ - ٤١ رقم ٣١) - من طريق الأعمش عن عمرو بن مرة، عن أبي البحتري عن علي ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلي اليمن، فقلت: يا رسول الله بعثتني وأنا شاب أقضى بينهم ولا أدري ما القضاء! فضرب صدري بيده ثم قال: اللهم اهد قلبه وثبت لسانه فوالذي فلق الحبة ما شككت في قضاء بين اثنين ". قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي. قلت: واعجبا وقد صرح النسائي في " الخصائص " (ص ٤٤): بأن أبا البحتري لم يسمع من على ابن أبي طالب ﵁. ويؤيد ذلك رواية شعبة ص عمرو بن مرة، قال: سمعت أبا البحتري الطائي قال: أخبريى من سمع عليا يقول: فذكره. أخرجه أحمد في " المسند " (١/ ١٣٦) والطيالسى في " المسند " (ص١٦ رقم ٩٨)، والبيهقى (١٠/ ٨٦ - ٨٧) ووكيع في " أخبار القضاة " (١/ ٨٥) وإسناده صحيح لولا هذا المبهم. كما قال ابن حجر في " التلخيص " (٤/ ١٨٢). وأخرجه أبو داود (٤/ ١١رقم ٣٥٨٢) والترمذي (٣/ ٦١٨رقم ١٣٣١)، وابن سعد في "الطبقات " (٢/ ٣٣٧) وأحمد (١/ ١١١) والله في " زوائده " (١/ ١١١، ١٤٩) والطيالسى (ص ١٩رقم ١٢٥) والحاكم (٤/ ٩٣)، والبيهقي (١٠/ ٨٦) ووكيع في " أخبار التيضاة " (١/ ٨٦،٨٥)، من طرق كثيرة عن سماك بن حرب عن حنش بن المعتمر عن على. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يحرجاه. روافقه الذهبي. قلت: وأ يتفرد به شريك بل تابعه زائدة بن قدامة عن أحمد (١/ ١٥٥) والطيالسي (ص ١٩رقم ١٢٥) وأسباط بن نصر، وأبان بن تغلب، وسليمان بن قدم وغر! م عن وكيع. جميعهم يماك به. وسماك وهو ابن حرب فيه كلام، وحديثه حسن. وحنش بر المعتمر الكوفي ضعفه جماعة. وشهيك وهو ابن عبد الله القاضي سيئ الحفظ، ولكنه توبع كما تقدم. وأخرجه البزار كما في " نصب الراية " (٤/ ٦١)، وابن سعد في " الطبقات " (٢/ ٣٣٧) ووكيع في " أخبار القضاة " (١/ ٨٥)، وأحمد (١/ ٨٨، ١٥٦) من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب عن على ﵁ - حد فذكره لنحوه. قال البزار: " هذا أحسن إسناد فيه عر على ". وله شواهد: عن ابن عباس، وبريدة الأسلمي، وأبى رافع وغيرهم. والله أعلم. قال المحدث الألباني في " الإرواء " (٨/ ٢٢٨) بعد الكلام على هذا الحديث: " وجملة القول أن الحديث. بمجموع الطرق حسن على أقل الأحوال. والله أعلم "
[ ٢ / ٩٣٥ ]
وقال ابن حجر (١) أيضا: ولم يكن أحد من الصحابة يقول: سلوني إلا على، وكان عمر يتعوذ من معضلة ليس فيها أبو الحسن - يعني عليا ﵁ (٢) - وقال: والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيما نزلت، وأين نزلت، وعلى من نزلت، إن ربط وهب لي قلبا
_________________
(١) أحرجه ابن عبد البر في " الاستيعاب " (٨/ ١٥٧) عن سعيد بن المسيب.
(٢) ذكره ابن حجر في " الإصابة " (٧/ ٥٩).
[ ٢ / ٩٣٦ ]
عقولا، ولسانا ناطقا. وقال: سلوني عن كتاب الله، فإنه ليس من آية إلا وقد عرفت بليل نزلت أم نهار، أم في سهل أم بجبل (١). . . انتهى كلام ابن حجر. . . وناهيك. مما أفاده قوله ﵇ حذا من كمال الضبط الذي هو شرط الرواية.
ثم قال ابن حجر في موضع آخر ما لفظه: مما يدل على أن الله - سبحانه - اختص عليا من العلوم. بما تقصر عنه العبارات قوله - ﵌ -: " أقضاكم على "، وهو حديث صحيح (٢) بلا نزاع فيه انتهى.
وبما ذكرناه من حمل الأمير هاهنا على غير الوجوب بالأدلة الواضحة التي ليس فيها اختلال بجمع شمل الأحاديث، وينحل الأشكال من دون ملجئ إلي التكلفات التي حكاها السائل - أبقاه الله - في السؤال والله سبحانه أعلم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
حرره العبد الفقير إلي ربه الغني، شرف الدين بن إسماعيل بن محمد - أصلح الله له أحوال الدارين -[٢].
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في " حلية الأولياء " (١/ ٦٧ - ٦٨) بلفظ مقارب وذكره ابن حجر في " الإصابة " (٧/ ٦٠).
(٢) أخرج البخاري في صحيحه (٨/ ١٦٧ رقم ٤٤٨١) عن ابن عباس قال: قال عمر - ﵁: " أقرؤنا أبي وأقضانا علما .. ". وأخرجه أحمد في "المسند" (٥/ ١١٣). وأخرجه ابن ماجه (١/ ٥٥رقم ١٥٤) والترمذي (٥/ ٦٦٥رقم ٣٧٩١) وقال: حديث حسن صحيح، والحاكم (٣/ ٤٢٢) وقال: هدا إسناد صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي وأقرهما الألباني في الصحيحة (٣/ ٢٢٣) وابن حبان (ص ٥٤٨رقم ٢٢١٨) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: " أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان. وأقضاهم علما بن أبي طالب، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل. وأفرضهم زيد بن ثابت. ألا وإن لكل أمة أمينا. وأمن هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح ". وهو حديث صحيح.
[ ٢ / ٩٣٧ ]
[جواب الإمام محمد بن علي الشوكاني]
الحمد لله على كل حال، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله خير آل.
وبعد: فإن السائل - كثر الله فوائده - وصل إلي راقم الأحرف - غفر الله له - طالبا منه أن يرقم ما يظهر له في توجيه ما سأل عنه، فوجدت هذا الجواب الذي حرره مولاي العلامة ضياء الإسلام، شرف الدين بن إسماعيل بن محمد بن إسحاق (١) - عافاه الله - قد أفاد وأجاد، وحصل به المراد من الإرشاد، فإن حمل الأمير على الندب الذي هو أحد معانيه ايثزية بقرينة مشاركة سائر الصحابة - ﵃ - لأمير المؤمنين - كرم الله وجهه - في أخذ الشريعة عن الرسول الأمين - صلى الله عليه وآله الطاهرين- دون إنكار هو وجه صحيح، وجمع جامع لكل معني صبيح.
وخطر بالبال وجه آخر يصلح أن يكون ملتحقا بذلك الوجه، وهو أن يقال: إن كان الألف واللام في (العلم) (٢) للاستغراق كان ذلك من صيغ العموم كما تقرر في علم الأصول، وعلم المعاني، ويكون هذا العموم مخصصا. مما اشترك فيه أمير المؤمنين هو وسائر الصحابة من العلوم التي أخذوها عن رسول الله - ﵌ - من دون إنكار منه، وهي العلوم الشرعية التي أميره الله بأن يبلغها إلي أمته، فيبقى من العلم ما لم يشاركه فيه غيره، ويكون ذلك هو المراد بالحديث، ويبني العام (٣) على. . . . .
_________________
(١) السيد شرف الدين بن إسماعيل بن محمد بن إسحاق بن المهدي أحمد بن الحسن بن القاسم بن محمد ولد سنة ١١٤٠ هـ، وهو أحد علماء العصر وفضلائه ونبلائه. له في كل علم نصيب وافر لا سيما علم الأصول فهو المتفرد به غير مدافع. وله رسائل رصينة وإذا حرر بحثا جاء. مما يشفط ويكفى، وهو من بقايا الخير في هذا العصر لجمعه بين طول الباع في جميع العلوم مع السن والشرف، وتوفي في آخر شهر رجب سنة ١٢٢٣ هـ ﵀. " البدر الطالع " (١/ ٢٧٧ - ٢٧٨).
(٢) انظر: " جمع الجوامع " (١/ ٤١٢) و" الكوكب المنير " (٣/ ٣٤). " المستصفي " (٢/ ٣٧).
(٣) العام: هو لفظ دال على جميع أجزاء ماهية مدلوله أي مدلول اللفظ. انظر "الكوكب المنير" (٣/ ١٠١). وقيل: هو اللفظ الموضوع وضعا واحدا للدلالة على جميع ما يصلح له من الأفراد على سبيل الشمول والاستغراق من غير حصر في كمية معينة أو عدد معين. انظر: " تفسير النصوص " (٢/ ٩ - ١٠) د. محمد أديب الصالح.
[ ٢ / ٩٣٨ ]
الخاص (١) وقد تقرر في الأصول أنه متفق عليه بين المسلمين أجمعن من أئمة الآل وغيرهم.
وهذا [٣] العلم الذي قلنا أنه لم يشاركه فيه غيره، وأنه الباقي بعد التخصيص لذلك العموم هو علم كثير من الملاحم، والأمور المستقبلة، فإن أمير المؤمنين قد كان يعلم من ذلك ما لم يعلم به غيره، يعرف ذلك من عرف ما خصه به رسول الله - ﵌- من هذا العلم كما ثبت أنه ﵁ قال يوم النهروان (٢) لما وقع المصاف أنه لا يقتل منكم - يعني أصحابه - عشرة ولا ينجو منهم - يعني الخوارج - عشرة، فكان الأمير كما قال (٣).
_________________
(١) الخاص: هو إخراج بعض ما تناولته العامة عما يقتضيه ظاهر اللفظ من الإرادة والحكم. انظر: " تفسر النصوص " (٢/ ١٦١).
(٢) كانت وقعة النهروان مع الخوارج سنة ٣٨ هـ. ونهروان: هي ثلاث نهروانات: الأعلى والأوسط والأسفل وهى كورة واسعة بين بغداد وواسط من الجانب الشرقي حدها الأعلى متصل ببغداد وفيها عدة بلاد متوسطة، منها إسكاف وجرجرايا والصافية وديرقني وغير ذلك. بها وقعة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ مع الخوارج. وقد خرج منها جماعة من أهل العلم والأدب. انظر: " معجم البلدان " (٥/ ٣٢٤ - ٣٢٦).
(٣) أخرجه البيهقي في " دلائل النبوة " (٦/ ٤٢٥) عن لاحق. قال: كان الذين خرجوا عن علي ﵁ بالنهروان أربعة آلاف في الحديد فركبهم المسلمون فقتلوهم ولم يقتل من المسلمين إلا تسعة رهط، فإن شئت فاذهب إلي أبي برزة الأسلمى فسله فإنه قد شهد ذلك. قلت: ونقله الحافظ ابن كثر في " البداية والنهاية ": (٦/ ٢٢٣)، وقال: " الأخبار بقتال الخوارج متواترة عن النبي ﷺ لأن ذلك من طرق تفيد القطع عند أئمة هذا الشأن ووقوع ذلك في زمان على معلوم ضرورة لأهل العلم قاطبة " اهـ.
[ ٢ / ٩٣٩ ]
ثم أخبرهم في ذلك اليوم بخبر ذي الثدية فوجدوه كما قال (١)، فسآله عن ذلك جماعة من خلص أصحابه منهم أبو عبيدة (٢) السلماني، فقال أنه أخبره بذلك رسول الله - ﵌ (٣) -. وهكذا أخبر رسول الله - ﵌ - بأنه سيقاتل الفرق الخارجة عليه، وأخبره بأن سيكون (٣) قتله - رضوان الله عليه - على الصفة التي وقع عليها، وكان يتحدث بذلك، بل كان يعين قاتله (٤)، وينشد إذا أبصره:
أريد حياته ويريد قتلى عذيرك من خليلك من مراد (٥)
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه رقم (١٥٦/ ١٠٦٦) وأبو داود رقم (٤٧٦٨) عن زيد بن وهب الجهني انه كان في الجيش الذين كانوا مع على ﵁. الذين ساروا إلي الخوارج، فقال على ﵁ أيها الناس إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يخرج قوم من أمتي يقرأون القرآن ليس قراءتكم إلي قراءتهم بشيء ولا صلاتكم إلي صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلي صيامهم بشيء، يقرأون القرآن يحسبونه أنه لهم وهو عليهم - لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضي لهم على لط ن نبيهم لا تكلوا عن العمل، وآية ذلك أن فيهم رجلا له عضد وليس له فراع، على رأس عضده مثل حلمة الثدي عليه شعرات بيض ".
(٢) عبيدة بن عمرو السلماني أبو مسلم ويقال أبو عمر صاحب ابن مسعود، قال: أسلمت وصليت قبل وفاة رسول الله ﷺ بسنين، ولم أره. رواه الثقات عن ابن سرين، عنه لا يعد في الصحابة إلا، مما ذكرنا هو من كبار أصحاب ابن مسعود الفقهاء وهو من أصحاب على ﵁. انظر: الاستيعاب رقم (١٧٧٣) والإصابة رقم (٦٤٢١).
(٣) لعله يشير إلي الحديث الذي أحرجه أبو نعيم في الدلائل (٢/ ٧٠٩رقم ٤٩) بإسناد ضعيف من حديث جابر بن حمرة قال: قال رسول الله ﷺ لعلى ﵁: " إنك مؤمر مستخلف وإنك مقتول، وإن هذه مخضوبة من هذا - لحيته من رأسه ". وأخرج أحمد في المسند (٢/ ١٠١) وفي فضائل الصحابة (٢/ ٦٩٥رقم ١١٨٧) وابن عبد البر في الاستيعاب (٤/ ١٥٤) من حديث فضالة بن أبي فضالة بنحوه.
(٤) أي ابن ملجم من قبيلة مراد. انظر الاستيعاب (٨/ ٢٠٤).
(٥) البيت الشعري لعمرو بن معدي كرب في قيس بن مكشوح المرادي. انظر: ديوان عمرو بن معدي كرب ص ٩٢، والكامل للمبرد (٣/ ١١٨).
[ ٢ / ٩٤٠ ]
وقد أخبر - كرم الله وجهه - عبد الله بن العباس - ﵁ - عند مولد ولده على بن عبد الله بن العباس بأنه أبو الأملاك (١) [٤]. وهكذا أخبر. مما سيكون بعد حين في البصرة من تسلط الحجاج، والزنج، وبما سيكون فيها من الفرق ونحو ذلك من الأمور المستقبلة التي كان يخبر ها، وهي كثيرة جدا (٢) فيمكن أن يكون هذا العلم هو المراد بالعلم المذكور في الحديث لما أسلفنا من أنه عموم مخصوص، أو عام أريد به الخاص، ويكون الدليل على هذه الإرادة هو الدليل الذي جعلناه مخصصا للعام. هذا على تقدير أن الألف واللام في (العلم) للاستغراق كما هو الظاهر. وأما على تقدير أنها لمعني من معانيها التي
_________________
(١) حكى المبرد وغيره أنه لما ولد جاء به أبوه - ابن العباس بن عبد المطلب فقال ما سميته فقال أو يجوز لي أن أسميه قبلك فقال: قد سميته بإسمى وكنيته بكنيتي وهو أبو الأملاك. انظر: تهذيب التهذيب (٤/ ٣١٢ - ٣١٣رقم ٥٥٧) في ترجمة علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم.
(٢) (منها): الحديث الذي أخرجه أحمد (٢٤/ ٥٨رقم ١٦١) الفتح الرباني عن عبد الله بن بريدة الأسلمى عن أبيه ﵁ قال كنت جالسا عند النبي ﷺ فسمعت النبي ﷺ يقول: " إن أمتي يسوقها قوم عراض الأوجه صغار الأعين كأن وجوههم الحجف ثلاث مرار حتى يلحقوهم بجزيرة العرب، أما السابقة الأولى فينجو من هرب منهم، وأما الثانية فيهلك بعض وينجو بعض، وأما الثالثة فيصطلون كلهم من بقي منهم قالوا يا نجي الله من هم؟ قال هم الترك، قال أما والذي نفسي بيده يربطن خيولهم إلي سواري مساجد المسلمين، قال وكان بريدة لا يفارفه بعيران أو ثلاثة ومتاع السفر والأسبقية بعد ذلك للهرب مما سمع من النبي ﷺ من البلاء من أميراء الترك ". وأورده آلهيثمي في المجمع وقال رواه أبو داود باختصار، ورواه أحمد والبزار باختصار ورجآله رجال الصحيح. ويشير إلي الحديث الذي أخرجه البخاري (١٣/ ١٩ - ٢٠رقم ٧٠٦٨) والترمذي (٤/ ٤٩٢ رقم ٢٢٠٦) عن الزبير بن عدي قال: " أتينا أنس بن مالك فشكونا إليه ما يلقون من الحجاج، فقال: اصبروا فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده أشر منه حتى تلقوا ربكم سمعته من نبيكم ".
[ ٢ / ٩٤١ ]
لا تستلزم الإحاطة بكل فرد من أفراد العلم فلا إشكال في ذلك، لأنه يصدق بوجود نوع من أنواع العلم في أمير المؤمنين لا يشاركه فيه غيره، وقد وجد وهو ما أسلفنا. فتقرر بهذا أن المراد هذا العلم المذكور في الحديث هو ما لم يحصل الاشتراك فيه بين الصحابة، بل ما كان خاصا بأمير المؤمنين وحده. وقد وجدناه بعد موت رسول الله - ﵌ - مختصا بكثير من علم الأمور المستقبلة، ولم يشاركه في ذلك أحد، فالنبي - ﵌ - مدينة هذه العلوم، وأمير المؤمنين بابها، فمن أرادها فليأت الباب.
فإن قلت: [٥] قد استأثر الله - سبحانه - بعلم الغيب، فكيف جعلته هو المراد بالحديث؟. . . قلت: قد صرخ القرآن الكريم (١) بأن الله - سبحانه - لا يظهر على غيبة أحدا إلا من ارتضى من رسول، ولا يمتنع شرعا ولا عقلا أن يظهر [على] (٢) ذلك الرسول بعض خواصه على ما أظهره الله عليه من غيبه. وقد وقع ذلك من نبينا - ﵌ - كما شهدت به الأخبار المتواترة، ووقع من أمير المؤمنين الإخبار ببعض ما استفاده من رسول الله - ﵌ - كما تقدمت الإشارة إلي ذلك.
فإن قلت: ثبت في الصحيح أنه - ﵌ - قام خطيبا في كثير من المواطن، وأخبرهم بكثير من الأمور المستقبلية، كالمهدي (٣)،. . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قال تعالي: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧].
(٢) زيادة استلزمها النص.
(٣) منها: ما أخرجه أحمد (٣/ ٣٦) وابن حبان في صحيحه رقم (١٨٨٠ - موارد) والحاكم (٤/ ٥٥٧) وأبو نعيم في الحلية (٣/ ١٠١). قال الحاكم: " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ". عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله: ﷺ: " لا تقوم الساعة حتى تملأ الأرض ظلما وجورا وعدوانا ثم يخرج من أهل بيتي من يملأها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وعدوانا ". وهو حديث صحيح.
[ ٢ / ٩٤٢ ]
والدجال (١)، وطلوع الشمس (٢) من مغربها. بل ثبت أنه قام فيهم مقاما فما ترك قائد فتنة إلا ذكره، حفظ ذلك من حفظه، ونسيه من نسيه. ومن ذلك قوله - ﵌ - أن عمارا تقتفه (٣) الفئة الباغية، فلم يكن أخباره بالأمور المستقبلة خاصة بالبعض دون البعض.
قلت: المراد. مما ذكرناه هو غير ما أظهره رسول الله - ﵌ - إظهارا عاما من دون تخصيص. ولا شك أنه - ﵌ - قد خصص أمير المؤمنين بالكثير الطيب من ذلك، ولا ينافيه [٦] تعميم الإظهار لبعض الأخبار، بل لا ينافيه تخصيص لبعض الصحابة ببعض المغيبات، كما وقع مثل ذلك منه - صلى الله عليه آله وسلم - لأبي ذر (٤)،. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) منها: ما أخرجه البخاري في صحيحه رقم (٧١٣١) ومسلم في صحيحه رقم (١٠١/ ٢٩٣٣) عن انس ﵁ قال: قال النبي ﷺ " ما بعث نط إلا انذر أمته الأعور الكذاب ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، وإن بين عينيه مكتوب كافر ".
(٢) أخرجه البخاري رقم (٦٥٥٦) ومسلم رقم (٢٤٨/ ١٥٧) وأبو داود رقم (٤٣١٢) وابن ماجة رقم (٤٠٦٨) كلهم من حديث أبي هريرة.
(٣) أخرج مسلم في صحيحه رقم (٢٩١٦) من حديث أم سلمة. وأخرج البخاري في صحيحه رقم (٤٤٧) من حديث أبي سعيد.
(٤) لعله يشير إلي الحديث الذي أخرجه البخاري رقم (٣٨٦١) و(٣٥٢٢) ومسلم رقم (١٣٢/ ٢٤٧٣) من حديث أبي ذر مرفوعا. وفيه قال ﷺ:" إنه قد وجهت لمط أرض - أي أريت جهتها- ذات نخل. لا أراها إلا يثرب. فهل أنت مبلغ عني قومك؟ عسى الله أن ينفعهم بك وبأجرك فيهم ". . ولعل المصنف يشر إلي الحديث الضعيف الذي أخرجه الطبري في تاريخه (٣/ ٥٤) وابن كثير في "البداية والنهاية" (٥/ ٨ - ٩) وأورده ابن الأثير في "الكامل " (٢/ ٢٨٠) من حديث عبد الله بن مسعود: أن النبي ﷺ قال: " يرحم الله أبا ذر يمشى وحده ويموت وحده ويبعث وحده ". وقال ابن كثير: إسناده حسن ولم يخرجوه والخلاصة أن الحديث ضعيف. انظر " تخريج تاريخ الطبري " بتحقيقي وتحقيق محمد البرزنجي.
[ ٢ / ٩٤٣ ]
ولحذيفة (١)، ولغيرهما.
إذا تقرر لك هذا عرفت أنه يمكن توجيه ما وقع فيه الأشكال، وورد عنه السؤال. ممثل ما ذكرناه، ولا يمتنع أن يكون ذلك في حياته - ﵌ - كما كان بعد موته، وأفي ضير في أميره - ﵌ - بسؤال بعض أصحابه في بعض الأمور! وقد أوجب المصير إلي ما ذكرناه المحافظة على استعمال القواعد الأصولية والمشط معها كما هو شأن من أراد النظر فيما ورد من هذه الشريعة المطهرة الغراء.
_________________
(١) لعله يشير إلي الحديث الذي أحرجه البخاري رقم (٧٠٨٤) ومسلم (١٢/ ٢٣٦ - نووي). عن أبي إدريس الخولاني: " أنه سع حذيفة بن اليمان يقول: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر نحافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله هذا الخير، فهل بعد هذا الخير من ضر؟ قال: نعم. قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهمون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله صفهم لنا، قال: هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا. قلت: فما تأميرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كف!، ولو أن تعفن بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك ". أو يشير إلي الحديث الذي أخرجه مسلم (٤/ ٢١٤٣ رقم ٩/ ٢٧٧٩) عن قيس قال: قلت لمالي: أرأيتم صنيعكم هذا الذي صنعتم في أمير على أرأيا رأيتموه أو شيئا عهده إليكم رسول الله ﷺ فقال: ما عهد إلينا رسول الله ﷺ شيئا لم يعهده إلي الناس كافة. ولكن حذيفة أخبرني عن النبي ﷺ " قال: قال النبي ﷺ: " في أصحابي اثنا عشر منافقا. فيهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط. ثمانية منهم تكفيهم الدبيلة وأربعة " لم أحفظ ما قال شعبة فيهم. في أصحابي اثنا عشر منافقا: معناه الذين ينسبون إلي صحبتي. . سم الخياط: وهو ثقب الإبرة. ومعناه لا يدخلون الجنة أبدا، كما لا يدخل الجمل في سم الإبرة أبدًا. الدبيلة: سراج من نار.
[ ٢ / ٩٤٤ ]
وفي هذا المقدار كفاية، فإن السائل- كثر الله فوائده- لم يسأل إلا عن معني الحديث لا عن إسناده، ولا عن متنه، باعتبار لفظه ورتبته، فلنقتصر على الجواب على محل السؤال. . . والحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم
_________________
(١) . (١): ولتمام الفائدة أدون بعض ما قاله العلماء بوضع الروافض في فضائل على ل! ه إجمالا ثم أذكر بعض الأحاديث الموضوعة إلي وردت في ذلك حتى لا يغتر بها. قال ابن القيم الجوزية في كتابه " المنار المنيف في الصحيح والضعيف " تحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة (ص ١١٦ رقم ٢٤٧): " وأما ما وضعه الرافضة في فضائل على فأكثر من أن يعد. قال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب " الإرشاد - في علماء البلاد - ": وضعت الرافضة في فضائل علي ﵁ وأهل البيت نحو ثلاث مائه ألف حديث. ولا تستبعد هذا، فإنك لو تتبعت ما عندهم من ذلك لوجدت الأمير كما قال " اهـ. * وقال الصنعاني في الموضوعات (ص ٢٧): " والوصايا المنسوبة إلي أبي الحسن أمير المؤمنين على بن أبي طالب ﵁ بأسرها، التي في أولها: يا على لفلان ثلاث علامات، ولفلان ثلاث علامات، وفي آخرها النهي عن ايثمعة في أوقات مخصوصة، وأماكن مخصوصة، كلها وضعها، حماد بن عمرو النصيى وهو عند أئمة الحديث متروك كذاب "اهـ. قلت: وقد ترجم لحماد هذا الذهبي في الميزان (١/ ٥٩٨). وقال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في تحقيق " المصنوع في معرفة الحديث الموضوع " للمحدث علي التياري (ص ٢٣٥): " أما هذه الوصايا المنسوبة لسيدنا على ﵁، والمكذوبة على رسول الله ﷺ، فهي مطوعة أكثر من مرة، ولا تزال تطع وتباع ويتداولها المغفلون. فكاذبها آثم ملعون، وطابعها آثم ملعون، ومصدقها آثم ملعون، قبح الله من لا يغار على دينه وإسلامه وعقله " اهـ. وقال السيوطي في اللآلئ (٢/ ٣٧٤ - ٣٧٥): وكذا " وصايا على " موضوعة، اتهم بها " حماد بن عمرو". وكذا وصاياه إلي وضعها " عبد الله لن زياد بن سمعان " أو شيخه. قلت: عبد الله بن زياد هذا كذاب. انظر ترجمته إلى " الميزان " (٢/ ٤٢٣ - ٤٢٤) وشيخه هو على بن زيد بن جدعان: لا يحتج به. انظر ترجمته في الميزان (٣/ ١٢٧ - ١٢٨). أما الأحاديث الموضوعة في فصل على ﵁: (فمنها): ١ - أخرج ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ٣٤٧) عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إن أخي ووزيري وخليفتي من أهلي وخير من أترك بعدي، يقف! ي ديني وينجز وعودي علي ابن أبي طالب ﵁. وهو حديث موضوع. فيه: مطر بن ميمون. قال ابن حبان في المجروحين (٥١٣) ويروي الموضوعات عن الإثبات لا تحل الرواية عنه وانظر الميزان (٤/ ١٢٧) والتاريخ الكبير للبخاري (٧/ ٤٠١).
(٢) أخرج ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ٣٧٠) عن أبي الحمرا قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من أراد أن ينظر إلي آدم في علمه، ونوح في فهمه، وإبراهيم في حكمه، ويحي بن زكريا في زهده، وموسى بن عمران في بطشه فلينظر إلي علي بن أبي طالب " وهو حديث موضوع. فيه: أبو عمر الأزدي متروك.
(٣) أخرج ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ٣٨٢ - ٣٨٣) عن أنس قال: " كنت عند النبي ﷺ فرأى عليا مقبلا فقال: أنا وهذا حجة على أمتي يوم القيامة " وهو حديث موضوع. والمتهم بوضعه: مطر بن أبي مطر. قال عنه ابن حبان في المجروحين يروي الموضوعات عن الإثبات لا تحل الرواية عنه.
(٤) أخرج ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ٣٩٣) عن أصبغ بن نباتة قال: قال على ﵁: " أن خليلي حدثني أن أضرب لسبع عشرة تمضي من رمضان وهي الليلة التي رفع فيها عيسى ". وهو حديث موضوع. فأما اصبغ فقال يحي: لا يساوي شيئا. قال: ولا يحل لأحد أن يروي عن سعد الإسكاف. قال ابن حبان: كان سعد يضع الحديث على الفور.
(٥) أخرج ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ٣٩٧). عن علي قال: قال رسول الله ﷺ: " مثلي مثل شجرة أنا أصلها وعلي فرعها، والحسن والحسين ثمرها، والشيعة ورقها، فأي شيء يخرج من الطيب إلا الطيب؟ ". قال ابن حبان في المجروحين (٢/ ١٧٢) كان عباد بن يعقوب رافضيا. روى المناكير عن المشاهير فاستحق الترك. وانظر الميزان (٢/ ٣٧٩) والتاريخ الكبير (٦/ ٤٤). وهناك أحاديث ضعيفة وموضوعة في فضائل على بن أبي طالب ﵁. انظرها في الموضوعات لابن الجوزي (١/ ٣٣٨ - ٤٠٢) وفي العلل المتناهية في الأحاديث الواهية (١/ ٢١٠ - ٢٥٢). والفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة. لمحمد بن علي الشوكاني ص ٣٤٢ - ٣٨٤. وكتاب الطليعة في الرد على غلاة الشيعة وهو مع رياض الجنة في الرد على أعداء السنة تأليف: الشيخ مقبل بن هادي الوادعي. ص ١٧١ - ٢٢٧. وانظر موسوعة الأحاديث والآثار الضعيفة والموضوعة (١٤/ ٤٦٧ - ٤٩٦) باب ذكر علي بن أبي طالب. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
[ ٢ / ٩٤٥ ]
كتبه محمد الشوكاني - غفر الله له -[٧].
[ ٢ / ٩٤٦ ]
(٢٣) ٤٨/ ١