تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
_________________
(١) عنوان الرسالة في (أ): "بحث في الصلاة في مكان أو مسجد فيه قبر".
[ ٤ / ١٩٠٣ ]
وصف المخطوط (أ):
١ - عنوان الرسالة: (بحث في الصلاة في مكان أو مسجد فيه قبر).
٢ - موضوع الرسالة: في "الحديث".
٣ - أول الرسالة: (بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، أحمدك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأصلي وأسلم على رسولك وحبيبك وعلى آله الأطهار الأخيار وبعد: فإنه: ).
٤ - آخر الرسالة: إلى هنا انتهى المراد، وفيه كفاية لمن له هداية. حرره الحقير محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما في نهار يوم السبت لعله سادس شهر جمادى الأولى سنة ١٢٠٩.
٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد.
٦ - الناسخ: المؤلف: محمد بن علي الشوكاني.
٧ - عدد الصفحات: ٧ صفحات.
٨ - عدد الأسطر في الصفحة: (٢٢ - ٣٠) سطرًا
٩ - عدد الكلمات في السطر: (١١ - ١٣) كلمة.
١٠ - الرسالة من المجلد الثالث من "الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني".
[ ٤ / ١٩٠٥ ]
وصف المخطوط (ب):
١ - عنوان الرسالة: (بحث في حديث لعن الله اليهود لاتخاذ قبور أنبيائهم مساجد). وهو العنوان الذي اعتمدته.
٢ - موضوع الرسالة: في "الحديث".
٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، أحمدك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأصلي وأسلم على رسولك وحبيبك، وعلى آله الأطهار الأخيار، وبعد: فإنه وصل من سيدي العلامة
٤ - آخر الرسالة: في تحويل الأحكام الشرعية بإجماع المسلمين، إلى هنا انتهى المراد، وفيه كفاية لمن له هداية، انتهى من تحريره القاضي النحرير عمدة الإسلام، وعمادهم محمد بن علي الشوكاني حفظه الله، وحفظه الله في نهار السبت لعله ٤\ شهر جمادى أولى سنة ١٢٠٩.
٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد.
٦ - عدد الصفحات: ٧ صفحات.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: (١٤ - ٢٦) سطرًا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: (١٤) كلمة.
٩ - الرسالة من المجلد الثالث من "الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني".
[ ٤ / ١٩٠٨ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين، أحمدك لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، وأصلي وأسلم على رسولك وحبيبك، وعلى آله الأطهار الأخيار، وبعد:
فإنه وصل من سيدي العلامة جمال الكمال، كمال الجمال علي بن محمد بن (١) شمس الدين - لا برح على بقاء تردي الليالي في نعم تفوت عد العادين - سؤال عن حديث: لعن اليهود لاتخاذ قبور أنبيائهم مساجد، ولفظه: والمطلوب منكم والمعول عليكم أولا النظر في صحة الحديث، ثم بعد الصحة النظر في الهيئة التي لعنوا على فعلها، هل كانت السجود إلى القبر، أو كانوا يعتقدون الصلاة عند قبورهم قربة إلى الله - عز جل -، أو كان الواقع كالموجود في قبور الأئمة أن يكون القبر في مؤخر القبة أو في جانب منها، ويستدبره المصلي، أو يجعله في جانب منه. ثم بعد ذلك هل يقتضي الحديث الحظرية أو التنزيه فقط؟ فالباعث على ذلك أنها وقعت مذاكرة عن الصلاة في قبة سيدي محمد بن الحسن في الروضة، وقبره في مؤخر القبة في الجانب الأيمن. انتهى المقصود من السؤال.
_________________
(١) العلامة الأديب علي بن محمد بن علي بن أحمد بن الناصر بن عبد الرب بن علي بن شمس الدين بن الإمام المتوكل على الله يحيى شرف الدين الحسني الكوكباني. مولده في المحرم سنة ١١٤٩ هـ بكوكبان وبه نشأ وأخذ النحو والصرف والبيان. وقال الشوكاني في "البدر الطالع" رقم (٣٣٩): برع في النحو والصرف والمعاني والبيان والأصول، وله نظم جيد، فمنه ما كتبه إلي، وقد اطلع على بعض رسائلي. توفي سنة ١٢١٢ هـ. "البدر الطالع" رقم (٣٣٩) و"نيل الوطر" (٢/ ١٦١ - ١٦٢).
[ ٤ / ١٩١١ ]
وأقول: الجواب بعون الله الملك الوهاب ينحصر في أبحاث أربعة:
الأول: في الكلام على طرق الحديث المسئول عنه.
الثاني: في الكلام على متنه.
الثالث: في العلة التي لأجلها ورد ذلك الحديث.
الرابع: في حكم الصلاة في المكان الذي فيه قبر.
أما الكلام عن الأول فاعلم أن هذا الحديث مما وقع الاتفاق بين جميع علماء الحديث على صحته، ولم يتكلم أحد منهم عليه بما يقتضي تضعيفه، ويغلب في ظني أنه متواتر (١) المعنى، وذلك لأنه رواه عن النبي - ﵌ - جماعة من الصحابة، منهم: أبو هريرة، أخرج حديثه الشيخان (٢)، وأبو داود (٣)، والنسائي (٤)، وعائشة
_________________
(١) المتواتر: هو ما رواه جمع كثير، تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، أو وقوعه منهم من غير قصد التواطؤ، عن جمع مثلهم، حتى يصل المنقول إلى منتهى السند، ويكون مستند علمهم بالأمر المنقول عن النبي - ﷺ - المشاهدة أو السماع. وقد تكون السنة المتواترة قولية، أو فعلية، والأولى قليلة، والثانية كثيرة، وهي نوعان: لفظي، ومعنوي. اللفظي هو: ما اتفق رواته في لفظه - ولو حكمًا - وفي معناه وذلك كحديث: "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار". والمعنوي: هو ما اختلفوا في لفظه ومعناه مع رجوعه لمعنى كلي، وذلك بأن يخبروا عن وقائع مختلفة تشترك في أمر واحد، فالأمر المشترك المتفق عليه بين الكل هو المتواتر، فمنه أحاديث رفع اليدين في الدعاء، فقد روي عنه - ﷺ - نحو مائة حديث فيه رفع يديه في الدعاء لكنها في قضايا مختلفة، فكل قضية منها لم تتواتر، والقدر المشترك فيها وهو الرفع عند الدعاء تواتر باعتبار المجموع. "إرشاد الفحول" (ص ١٨٨) بتحقيقنا، "الكوكب المنير" (٢/ ٣٢٤)، "المحصول" (٤/ ٨٣، ٢٢٧).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (٤٣٧). ومسلم رقم (٥٣٠ و٥٣٢).
(٣) في "السنن" رقم (٣٢٢٧).
(٤) في "السنن" رقم (٤/ ٩٥، ٩٦ رقم ٢٠٤٧). وله عندهم ألفاظ، منها: من حديث أبي هريرة قال: قال: "لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". ومنها "قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
[ ٤ / ١٩١٢ ]
أخرج حديثها أيضًا الشيخان (١)، والنسائي (٢)، وابن عباس أخرجه أيضًا الشيخان (٣)، والنسائي (٤).
وله حديث آخر من طريق أخرى عند أبي داود (٥) والترمذي (٦)، وحسنه، وجندب بن عبد الله البجلي عند مسلم (٧) والنسائي (٨)، وأسامة بن زيد عند أحمد (٩)
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (١٣٣٠). ومسلم رقم (١٩/ ٥٢٩).
(٢) في "السنن" (٤/ ٩٥ رقم ٢٠٤٦). عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ - في مرضه الذي لم يقم منه: "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (٤٣٥، ٤٣٦). ومسلم رقم (٢٢/ ٥٣١)
(٤) في "السنن" (٢/ ٤٠ - ٤١ رقم ٧٠٣). ولفظه: "لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
(٥) في "السنن" رقم (٣٢٣٦).
(٦) في "السنن" رقم (٣٢٠) وقال: حديث حسن. قلت: وأخرجه النسائي (٤/ ٩٤ رقم ٢٠٤٣) وابن ماجه رقم (١٥٧٥). وهو حديث حسن دون قوله: "متخذين عيها السرج". عن ابن عباس قال: "لعن رسول الله - ﷺ - زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج".
(٧) في صحيحه رقم (٢٣/ ٥٣٢).
(٨) في "التفسير" (١/ ٤٠٦ رقم ١٤٣). عن جندب قال: سمعت رسول الله - ﷺ - قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلًا. ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك" وهو حديث صحيح.
(٩) في "المسند" (٥/ ٢٠٤).
[ ٤ / ١٩١٣ ]
والطبراني (١) بإسناد جيد.
وعن أمير المؤمنين عند البزار (٢)، وعن زيد بن ثابت عن الطبراني (٣) بإسناد جيد، وعن ابن مسعود عند الطبراني (٤) أيضًا بإسناد جيد، وعن أبي عبيدة بن الجراح عند البزار (٥)، وعن أبي سعيد عند البزار (٦) أيضًا، وفي إسناده عمر بن صهباء، وهو ضعيف.
_________________
(١) في "المعجم الكبير" (١/ ١٦٤ رقم ٣٩٣). قلت: وأخرجه الطيالسي (٢/ ١١٣). وأورده الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٢٧) وقال: رجاله موثقون. وقال الشوكاني في "نيل الأوطار" (٢/ ١١٤) سنده جيد. من حديث أسامة بن زيد أن رسول الله - ﷺ - قال في مرضه الذي مات فيه: "أدخلوا علي أصحابي، فدخلوا عليه وهو متقنع ببردة معافري فكشف القناع فقال: لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
(٢) في "مسنده" (١/ ٢١٩ رقم ٤٣٨ - كشف) عن علي بن أبي طالب قال: قال لي النبي - ﷺ - في مرضه الذي مات فيه، قال: "ائذن للناس علي، فأذنت، فقال: لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مسجدًا، ثم أغمي عليه فلما أفاق قال: يا علي! ائذن للناس علي، فأذنت للناس عليه فقال: لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مسجدًا، ثم أغمي عليه فلما أفاق قال: ائذن للناس، فأذنت لهم، فقال: لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مسجدًا، ثلاثًا في مرض موته" وإسناده ضعيف.
(٣) في "المعجم الكبير" (٥/ ١٥٠ رقم ٤٩٠٧). وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢/ ٢٧). وقال: "رواه الطبراني في "الكبير" ورجاله موثقون. قلت: وأخرجه أحمد (٥/ ١٨٤).
(٤) في "المعجم الكبير" (١٠/ ٣٣٢ رقم ١٠٤١٣) عن عبد الله قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إن شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، ومن يتخذ القبور مساجد". وأورده الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٢٧) وقال: رواه الطبراني في "الكبير" وإسناده حسن. وأخرجه أحمد رقم (٣٨٤٤، ٤١٤٣ - شاكر) وابن خزيمة رقم (٧٨٩). وإسناده حسن.
(٥) في مسنده (١/ ٢٢٠ رقم ٤٣٩ - كشف). وقال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٢٨) رجاله ثقات.
(٦) في مسنده (١/ ٢٢٠ رقم ٤٤٠ - كشف). وأورده الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٢٨) وقال: رواه البزار وفيه عمر بن صهبان وقد اجتمعوا على ضعفه.
[ ٤ / ١٩١٤ ]
وعن جابر (١) عن ابن عدي؛ فهؤلاء أحد عشر صحابيًا. وقد رواه جماعة كثيرون من التابعين يزيدون على عدد الصحابة بأضعاف مضاعفة، ثم رواه من التابعين [١] عالم، ورواه بعد ذلك من لا يمكن حصره، إذا انفرد هذا فقد رواه من أهل كل عصر من لا سبيل إلى تجويز تواطئهم على الكذب، وما كان كذلك فهو المتواتر (٢) على ما هو المذهب المختار في الأصول.
وأما الكلام الثاني، وهو ما يتعلق بمتن الحديث فاعلم أن له ألفاظًا منها: "لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". ومنها: "قاتل الله اليهود؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". ومنها: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
ومنها: "أن من كان قبلكم يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك".
واللفظ الأول أخرجه الشيخان (٣)، وأهل السنن (٤) من حديث أبي هريرة، واللفظ الثاني أخرجه أيضًا أبو داود (٥) وغيره من حديثه، واللفظ الثالث أخرجه مالك في الموطأ (٦) من حديث عطاء بن يسار، واللفظ الرابع (٧) أخرجه مسلم والنسائي من
_________________
(١) لم أعثر عليه الآن في الكامل.
(٢) تقدم تعريف ذلك.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) تقدم تخريجه.
(٥) تقدم تخريجه.
(٦) (١/ ١٧٢ رقم ٨٥) مرسلًا.
(٧) تقدم تخريجه.
[ ٤ / ١٩١٥ ]
حديث جندب. وللحديث ألفاظ أخرى. ولا يخفى على من له علم بمدلولات الألفاظ أن اللعن والدعاء عليهم بالمقاتلة من الله، واشتداد غضبه عليهم من أعظم الأدلة على التحريم.
وقد تقرر في الأصول (١) أن النهي بمجرده حقيقة في التحريم؛ فلفظ: أنهاكم كاف في استفادة التحريم مع عدم وجود الموجب للصرف إلى الكراهة. ولم يوجد هاهنا، إنما وجد ما لو انفرد عن النهي لكان قاضيًا بالتحريم، وهو اللعن والدعاء بالغضب ونحوهما.
وقوله: اتخذوا جملة مستأنفة على سبيل البيان الموجب اللعن، كأنه قيل: ما سبب لعنهم؟ فأجيب بقوله: اتخذوا. وقد استشكل ذكر النصارى فيه؛ لأن اليهود لهم أنبياء بخلاف النصارى، فليس بين عيسى - ﵇ - وبين نبينا - ﵌ - نبي غيره، وليس له قبر. وأجيب أيضًا بأن الجمع في قوله أنبيائهم باعتبار المجموع من اليهود والنصارى، لا باعتبار طائفة اليهود وحدها وطائفة النصارى وحدها، وقيل الأنبياء وكبار (٢) أتباعهم، فاكتفى بذكر الأنبياء تغليبًا.
_________________
(١) فإن تجردت صيغة النهي عن المعاني المذكورة والقرائن فهي للتحريم. انظر: "الرسالة" (ص ٢١٧، ٣٤٣)، "اللمع" (ص ١٤)، "التبصرة" (ص ٩٩)، "المسودة" (ص ٨١).
(٢) عن عائشة أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا للنبي - ﷺ - فقال: "إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور، فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة". أخرجه البخاري رقم (٤٢٧) ومسلم رقم (١٦/ ٥٢٨) وأحمد (٦/ ٥١). قال القرطبي في "المفهم" (٢/ ١٢٧ - ١٢٨): قوله أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا وصوروا تلك الصور، قال الشيخ: إنما فعل ذلك أوائلهم ليستأنسوا برؤية تلك الصورة، ويتذكروا بها أحوالهم الصالحة، فيجتهدون كاجتهادهم، ويعبدون الله تعالى عند قبورهم. فمضت لهم بذلك أزمان ثم إنهم خلف من بعدهم خلف جهلوا أغراضهم، ووسوس لهم الشيطان: أن آباءهم وأجدادهم كانوا يعبدون هذه الصور، ويعظمونها فعبدوها فحذر رسول الله - ﷺ - عن مثل ذلك، وشدد النكير والوعيد على فعل ذلك، وسد الذرائع المؤدية إلى ذلك".
[ ٤ / ١٩١٦ ]
ويؤيد هذا حديث جندب (١) السابق بلفظ: كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد. والمراد بالاتخاذ أعم من أن يكون ابتداعًا واتباعًا؛ فاليهود ابتدعت، النصارى اتبعت. ولا ريب أن النصارى تعظم قبور كثير من الأنبياء الذين تعظمهم اليهود، والمساجد جمع مسجد، قال في القاموس (٢) والمسجد معروف، ويفتح جيمه، والمفعل من باب نصر بفتح العين اسمًا كان أو مصدرًا إلا أحرفا كمسجد، ومطلع، ومشرق، ومسقط، ومفرق، ومجزر، ومسكن، ومرفق، ومنبت، ومنسك، ألزموها كسر العين، والفتح جائز وإن لم نسمعه. وما كان من باب جلس فالموضع بالكسر والمصدر بالفتح نزل منزلا أي نزولًا، وهذا [٢] منزله بالكسر؛ لأنه بمعنى الدار. انتهى.
وكلام أهل الصرف مثل هذا الكلام، كما وقع في شافية ابن الحاجب (٣) أن ما كان مضارعه مفتوح العين أو مضمومها فهو على مفعل، بفتح العين ومن مكسورها. والمثال على مفعل بكسرها إلا مواضع جاءت على خلاف القياس. إذا تقرر هذا فمعنى اتخاذهم (٤) لقبور أنبيائهم مساجد أن يعمروا عليها أو حولها مكانًا يصلى فيه، وإن لم
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) (ص: ٣٦٦).
(٣) شرح شافية ابن الحاجب (١/ ١١٧ - ١٢٠).
(٤) الذي يفهم من هذا الاتخاذ إنما هو ثلاث معان: الأول: الصلاة على القبور بمعنى السجود عليها. الثاني: السجود إليها واستقبالها بالصلاة والدعاء. الثالث: بناء المساجد عليها وقصد الصلاة فيها. * قال ابن حجر الهيتمي في "الزواجر" (١/ ١٢١): "واتخاذ القبر مسجدا معناه الصلاة عليه أو إليه". * قال الصنعاني في "سبل السلام" (١/ ٢١٤): "واتخاذ القبر مساجد أعم من أن يكون بمعنى الصلاة إليها أو بمعنى الصلاة عليها". وجملة القول أن الاتخاذ المذكور في الأحاديث المتقدمة يشمل كل هذه المعاني الثلاثة فهو من جوامع كلمه - ﷺ -. قال الشافعي في "الأم" (١/ ٢٤٦): وأكره أن يبنى على القبر مسجد وأن يسوى، أو يصلى عليه، وهو غير مسوى (يعني أنه ظاهر معروف) أو يصلى إليه، قال: وإن صلى إليه أجزأه وقد أساء، أخبرنا مالك أن رسول الله - ﷺ - قال: "قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" قال: وأكره هذا للسنة والآثار، وأنه كره - والله تعالى أعلم - أن يعظم أحد من المسلمين، يعني يتخذ قبره مسجدًا ولم تؤمن في ذلك الفتنة والضلال على ما يأتي بعده". * قال المحدث الألباني تعليقًا على قول الشافعي "وأكره": هي كراهة التحريم. وقال الشيخ علي القارئ في "مشكاة المصابيح" (١/ ٤٥٦) نقلا عن بعض أئمة الحنفية: "سبب لعنهم: إما لأنهم كانوا يسجدون لقبور أنبيائهم تعظيمًا لهم، وذلك هو الشرك الجلي، وإما لأنهم كانوا يتخذون الصلاة لله تعالى في مدافن الأنبياء، والسجود على مقابرهم والتوجه إلى قبورهم حالة الصلاة، نظرًا منهم بذلك إلى عبادة الله والمبالغة في تعظيم الأنبياء، وذلك هو الشرك الخفي لتضمنه ما يرجع إلى تعظيم مخلوق فيما لم يؤذن له فنهى النبي - ﷺ - أمته عن ذلك إما لمشابهة ذلك الفعل سنة اليهود، أو لتضمنه الشرك الخفي". حكم هذا الاتخاذ: اتفقت المذاهب الأربعة على تحريم ذلك، ومنهم من صرح بأنه كبيرة. قال ابن حجر الهيتمي في "الزواجر " (١/ ١٢٠): "الكبيرة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتسعون: اتخاذ القبور مساجد، وإيقاد السرج عليها واتخاذها أوثانًا، والطواف بها، واستلامها والصلاة إليها".
[ ٤ / ١٩١٧ ]
يكن السجود على نفس القبر لأن المسجد يطلق على المكان الذي يصلى في بعضه، مثلا تقول: المسجد الفلاني مسجد فلان، إذا كان يصلي فيه، وإن لم يقع السجود في جميع أجزائه. وعلى هذا يقال لمن بنى حول القبر مسجدًا، وجعل القبر في موضع منه أن جعل القبر مسجدًا، هذا باعتبار عدم الفرق بين مسجد بفتح الجيم وبكسرها.
وأما على ما روي عن سيبويه (١) أن المسجد بفتح الجيم لمكان السجود، وبكسرها للمكان المعروف؛ فإن كان لفظ مساجد في الحديث جمعًا لمسجد بكسر الجيم فالكلام كما تقدم، وإن كان جمعًا لمسجد بفتح الجيم فالمحرم إنما هو اتخاذ القبر نفسه مكانًا يسجد عليه، فيكون عمارة المساجد في القبور من ذلك القبيل، من غير فرق بين كون القبر في جهة القبلة أو في غيرها، هذا ما يتعلق بمتن الحديث من الكلام.
_________________
(١) ذكره ابن منظور في "لسان العرب" (٦/ ١٧٥).
[ ٤ / ١٩١٨ ]
وأما الكلام على البحث الثالث؛ وهو بيان العلة التي لأجلها ورد النهي فقال العلماء: إنما نهى (١) النبي - ﵌ - عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجدًا خوفًا من المبالغة في تعظيمه، والافتتان به، وربما أدى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الأمم الخالية، ولما احتاجت الصحابة - ﵃ - والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول الله - ﵌ - حين كثر المسلمون، وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين وفيها حجرة عائشة التي دفن فيها رسول الله - ﵌ - وأبو بكر، وعمر بنوا على القبر حيطانًا مرتفعة مسندين حوله لئلا يظهر في المسجد، فيصلي إليه العوام، ويؤدي إلى المحذور، ثم بنوا جدارين من ركني القبر (٢) الشماليين حرفوهما حتى التقيا، بحيث لا يتمكن أحد من استقبال (٣) القبر.
وقد حمل بعضهم الوعيد على من كان في ذلك الزمان لقرب العهد بعبادة الأوثان، وهو تقييد بلا دليل، لأن التعظيم والافتتان لا يختصان بزمان دون زمان، أو مكان دون مكان، فعليه البرهان. وقد قيل إنه يؤخذ من قوله: كانوا يتخذون [٣] قبور أنبيائهم مساجد كما في بعض أحاديث الباب، ومن قوله: والمتخذين عليها المساجد كما في بعض آخر أن محل الذم على ذلك أن تتخذ المساجد على القبور بعد الدفن لا لو بني
_________________
(١) قال القرطبي في "المفهم" (٢/ ١٢٨): "ولهذا بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر رسول الله - ﷺ - فأعلوا حيطان تربته، وسدوا المداخل إليها وجعلوها محدقة بقبره - ﷺ - ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة - إذ كان مستقبل المصلين - فتتصور الصلاة إليه بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلث من ناحية الشمال، حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره ولهذا الذي ذكرناه كله قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره".
(٢) ذكره القرطبي في "المفهم" (٢/ ١٢٨).
(٣) هذا في العصر الذي عاش فيه القرطبي ولكن قد طرأ تعديل في العصر المملوكي ثم العثماني بحيث أصبح القبر ضمن حجرة مربعة تعلوه القبة الخضراء. فمن صلى خلف الحجرة لم يكن مستقبلا القبر لوجود الساتر.
[ ٤ / ١٩١٩ ]
المسجد أولًا، وجعل القبر في جانبه ليدفن فيه، واقف المسجد أو غيره، فليس بداخل في ذلك.
قال العراقي (١) والظاهر أنه لا فرق، فإنه إذا بني المسجد لقصد أن يدفن في بعضه أحد فهو داخل في اللعنة، بل يحرم الدفن في المسجد، وإن شرط أن يدفن فيه لم يصح الشرط لمخالفته لمقتضى وقفه مسجدًا انتهى.
إذا تقرر ما حكيناه عن العلماء من أن العلة في زجره - ﵌ - عن اتخاذ قبره مسجدًا هي خشية الافتتان (٢) لاح من ذلك المنع من عمارة المساجد في مكان فيه قبر، والمنع من القبر في جانب من جوانب المسجد من غير فرق بين القبلة وغيرها، لأن ذلك كله مما يدعو إلى المبالغة في التعظيم التي هي ذريعة (٣) الافتتان.
_________________
(١) انظر: "طرح التثريب في شرح التقريب" (٤/ ٢٩٨).
(٢) تقدم توضيح ذلك.
(٣) قال ابن تيمية في "التوسل والوسيلة" (ص ٢٥): ولهذا كانت زيارة قبور المسلمين على وجهين: زيارة شرعية، وزيارة بدعية. فالزيارة الشرعية: أن يكون مقصود الزائر الدعاء للميت كما يقصد بالصلاة على جنازته الدعاء له. فالقيام على قبره من جنس الصلاة عليه، قال تعالى: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره﴾ [التوبة: ٨٤]. فنهى عن الصلاة عليهم والقيام على قبورهم لأنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم كافرون فلما نهى عن هذا وهذا لأجل هذه العلة وهي الكفر دل ذلك على انتفاء هذا النهي عن انتفاء هذه العلة ". ولهذا كانت الصلاة على الموتى من المؤمنين والقيام على قبورهم من السنة المتواترة فكان النبي - ﷺ - يصلي على موتى المسلمين، وشرع ذلك لأمته وكان إذا دفن الرجل من أمته يقوم على قبره ويقول: "سلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل" - أخرجه أبو داود رقم (٣٢٢١) من حديث عثمان - وغيره. وكان يزور قبور أهل البقيع والشهداء بأحد ويعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول أحدهم: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله تعالى بكم لاحقون ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم". - أخرجه مسلم رقم (٩٧٥) من حديث بريدة ﵁. وأما الزيارة البدعية: فهي التي يقصد بها أن يطلب من الميت الحوائج أو يطلب منه الدعاء والشفاعة، أو يقصد الدعاء عند قبره لظن القاصد أن ذلك أجوب للدعاء. فالزيارة على هذه الوجوه كلها مبتدعة لم يشرعها النبي - ﷺ - ولا فعلها الصحابة لا عند قبر النبي - ﷺ - ولا عند غيره. وهي من جنس الشرك وأسباب الشرك ولو قصد الصلاة عند قبور الأنبياء والصالحين من غير أن يقصد دعاءهم والدعاء عندهم مثل أن يتخذ قبورهم مساجد لكان ذلك محرمًا منهيًا عنه، ولكان صاحبه متعرضًا لغضب الله ولعنته ". وانظر: "إغاثة اللهفان" (١/ ٢٨٣ - ٢٨٤).
[ ٤ / ١٩٢٠ ]
ولهذا ترى كثيرًا من العامة إذا رأى قبرًا في مسجد، أو في شهدٍ مرغ فيه خده والتمسه مرة بعد مرة، ولا سيما إذا كان فيه زخرفة، أو عليه أعواد منقوشة، أو ثياب ملونة؛ فإن العامي الغليظ إذا أراد على تلك الصفة ظن أنه النافع الضار، كما وقع مثل ذلك في كثير من الأقطار.
ومن ههنا يظهر سر مبالغته - ﵌ - في الزجر عن اتخاذ القبور مساجد، وتكرير ذلك مرة بعد أخرى، بل ما زال ينهى عن ذلك إلى أيام مرضه.
وقد أخرج مسلم (١) عن جندب بن عبد الله البجلي قال: سمعت رسول الله - ﵌ - قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد". الحديث، بل وقع منه النهي - ﵌ - عن مجرد رفع القبور لتلك العلة، كما في حديث أبي الهياج (٢) عن علي - ﵇ - قال: أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله - ﵌ -: "لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرًا إلا سويته" رواه الجماعة (٣) إلا البخاري.
وعن جابر قال: نهى رسول الله - ﵌ - أن يجصص القبر، وأن
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه أحمد (١/ ٨٩) ومسلم في صحيحه رقم (٩٣/ ٩٦٩) وأبو داود رقم (٣٢١٨) والنسائي (٤/ ٨٨ رقم ٢٠٣١). وهو حديث صحيح.
(٣) أخرجه أحمد (١/ ٨٩) ومسلم في صحيحه رقم (٩٣/ ٩٦٩) وأبو داود رقم (٣٢١٨) والنسائي (٤/ ٨٨ رقم ٢٠٣١). وهو حديث صحيح.
[ ٤ / ١٩٢١ ]
يقعد عليه، وأن يبنى عليه". رواه أحمد (١)، ومسلم (٢)، والنسائي (٣)، وأبو داود (٤)، والترمذي (٥)، وصححه (٦) ولفظه: "نهى النبي - ﵌ - أن تجصص القبور، وأن يكتب عليها، وأن يبنى عليها وأن توطأ". وفي لفظ النسائي (٧) نهى أن يبنى أو يزاد عليه، أو يجصص، أو يكتب عليه".
وكل هذا إنما هو لسد ذرائع (٨) ما نشأ عن ذلك من المفاسد التي يبكي لها الإسلام.
من ذلك ما يسمع به كل أحد من جماعة كثيرة من سكان تهامة، فإنه لم يدعوا شيئًا مما كانت الجاهلية تفعله [٤] بالأصنام إلا فعلوه، بل زادوا على ذلك؛ فإن الجاهلية قالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، وهؤلاء القبوريون (٩) قالوا: نعبدهم ليضروا وينفعوا،
_________________
(١) في "المسند" (٣/ ٣٩٩).
(٢) في صحيحه رقم (٩٧٠).
(٣) في "السنن" (٤/ ٨٦ رقم ٢٠٢٧).
(٤) في "السنن" رقم (٣٢٢٥).
(٥) في "السنن" رقم (١٠٥٢).
(٦) في "السنن" (٣/ ٣٦٨). وهو حديث صحيح.
(٧) في "السنن" (٤/ ٨٦ رقم ٢٠٢٦).
(٨) الذرائع جمع ذريعة وهي - أي الذريعة (ما) أي شيء من الأفعال أو الأقوال (ظاهره مباح، ويتوصل به إلى محرم). ومعنى سدها: المنع من فعلها لكي لا تؤدي إلى حرام. انظر: "الكوكب المنير" (٤/ ٢٣٤) "الموافقات" (٢/ ٢٨٥).
(٩) قال ابن القيم في "إغاثة اللهفان" (١/ ٢٨٤): " لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم، إذ لم يدخلوها بها تحت أمر غيرهم". قال: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع مثل تعظيم القبور وإكرامها بما نهى عنه الشرع: من إيقاد النيران، وتقبيلها وتخليقها وخطاب الموتى بالحوائج وكتب الرقاع فيها: يا مولاي افعل بي كذا وكذا. وأخذ تربتها تبركًا وإفاضة الطيب على القبور، وشد الرحال إليها. وإلقاء الخرق على الشجر. ومن جمع بين سنة رسول الله - ﷺ - في القبور وما أمر به ونهى عنه وما كان عليه أصحابه وبين ما عليه أكثر الناس اليوم رأى أحدهما مضادًا للآخر مناقضًا له بحيث لا يجتمعان أبدًا. فنهى رسول الله - ﷺ - عن الصلاة إلى القبور وهؤلاء يصلون عندها ونهى عن اتخاذها مساجد، وهؤلاء يبنون عليها، ويسمونها مشاهد مضاهاة لبيوت الله تعالى. ونهى عن إيقاد السرج عليها، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد القناديل عليها. ونهى أن تتخذ عيدًا، وهؤلاء يتخذونها أعيادًا ومناسك ويجتمعون لها كاجتماعهم للعيد أو أكثر. وأمر بتسويتها، وهؤلاء يبالغون في مخالفة أمره ويرفعونها عن الأرض كالبيت، ويعقدون عليها القباب. ونهى عن تجصيص القبر والبناء عليه ونهى عن الكتابة عليها، وهؤلاء يتخذون عليها الألواح ويكتبون عليها القرآن وغيره ونهى أن يزاد عليها غير ترابها وهؤلاء يزيدون عليه سوى التراب الآجر والأحجار والجص.
[ ٤ / ١٩٢٢ ]
ويحيوا ويميتوا، وغير ذلك. ولا شك أن دخول القبب والمشاهد والمساجد المعمورة على القبور تحت الأحاديث القاضية بالمنع من رفع القبور وزخرفتها ثابت بفحوى الخطاب.
لا يقال أن قوله - ﵌ -: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد" (١)
_________________
(١) وهو حديث صحيح. - أخرجه مالك (١/ ١٨٥ - ١٨٦) مع تنوير الحوالك مرسلًا. - وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" (٢/ ٢٤٠ - ٢٤١) من طريق عطاء بن يسار مرسلا بسند صحيح. - وأخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (١/ ٤٠٦ رقم ١٥٨٧)، عن زيد بن أسلم مرسلًا. - وأخرجه ابن أبي شيبة (٣٤٥١٣) عن زيد بن أسلم مرسلا بسند صحيح. - وأخرجه أحمد موصولا (٢/ ٢٤٦) والحميدي (٢/ ٤٤٥ رقم ١٠٢٥) وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٢٨٣) و(٧/ ٣١٧) عن أبي هريرة بسند حسن بلفظ: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". - وأخرج عبد الرزاق في "المصنف" (٣/ ٥٧٧ رقم ٦٧٢٦) وابن أبي شيبة (٣/ ٣٤٥) عن ابن عجلان، عن سهيل، عن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب أنه قال - ورأى رجلا وقف على البيت الذي فيه قبر رسول الله - ﷺ - يدعو له ويصلي عليه - فقال حسن للرجل: لا تفعل فإن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تتخذوا قبري عيدًا ". والحديث مرسل، وسهيل ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٤/ ٢٤٩) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلًا. * وله شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه أحمد (٢/ ٣٦٧) وأبو داود (٢/ ٥٣٤ رقم ٢٠٤٢) مرفوعًا "لا تتخذوا قبري عيدًا " وهو حديث حسن. حسنه ابن تيمية في "اقتضاء الصراط المستقيم" (٣٢١ - ٣٢٣). * وله شاهد آخر أخرجه إسماعيل الجهضمي في "فضل الصلاة على النبي" رقم ٢٠ بتحقيق الألباني. وأبو يعلى في "المسند" (١/ ٣٦١ رقم ٢٠٩/ ٤٦٩)، والحديث بهذه الطرق صحيح، والله أعلم.
[ ٤ / ١٩٢٣ ]
يدل على أن النهي لذلك، فمهما لم تحصل العبادة لم يحصل تحريم جعل المساجد على القبور؛ لأنا نقول: هذا الحديث مع كونه مرسلا كما سلف ليس فيه إلا وقوع الدعاء منه - ﵌ - بأن لا يجعل قبره وثنًا يعبد، وذلك لا يستلزم أن يكون هو العلة في الزجر عن اتخاذ القبور مساجد. ولو سلم ذلك لم يكن دليلا على جواز جعل المساجد على القبور؛ لأن جعلها كذلك وسيلة للعبادة، أو ما في حكمها، وذريعة إلى تلك العلة المدعاة. وما كان وسيلة إلى محرم فهو محرم، وكل محرم يجب تركه. فتلك الوسيلة يجب تركها وهو المطلوب.
وأما الكلام على البحث الرابع، وهو في حكم الصلاة في الموضع الذي فيه قبر فاعلم أن حديث: "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" (١) حديث صحيح يدل على جواز الصلاة في جميع المواضع إلا ما خصصه حديث صحيح، والمخصص من ذلك مواضع. واختلف في عددها، منها المقبرة والمراد بها المكان الذي يقبر فيه.
وقد أخرج أحمد (٢)، وأبو داود (٣)، والترمذي (٤)
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٣٣٥) ومسلم رقم (٣/ ٥٢١) من حديث جابر.
(٢) في "المسند" (٣/ ٨٣، ٩٦).
(٣) في "السنن" رقم (٤٩٢).
(٤) في "السنن" رقم (٣١٧).
[ ٤ / ١٩٢٤ ]
وابن ماجه (١) أن النبي - ﵌ - قال: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام"، وأخرجه أيضًا الشافعي (٢)، وابن خزيمة (٣)، وابن حبان (٤)، والحاكم (٥).
قال الترمذي (٦): وهذا حديث فيه اضطراب. رواه سفيان الثوري عن عمرو بن يحيى، عن أبيه مرسلًا، قال: وكان عامة روايته عن النبي - ﵌ - مرسلة، ورواه حماد بن سلمة عن عمرو بن يحيى، عن أبيه عن أبي سعيد ورواه محمد بن إسحاق عن عمرو بن يحيى عن أبيه قال: وكان عامة روايته عن أبي سعيد، وكأن رواية الثوري أصح وأثبت.
وقال الدارقطني في العلل (٧): المرسل المحفوظ، ورجح البيهقي (٨) المرسل، وقال النووي (٩): هو ضعيف، وقال صاحب الإمام (١٠): حاصل ما علل به الإرسال، وإذا كان الواصل له ثقة فهو مقبول. قال الحافظ (١١) وأفحش ابن دحية (١٢) فقال في كتاب
_________________
(١) في "السنن" رقم (٧٤٥).
(٢) في "ترتيب المسند" (٣/ ٨٣ - ٩٦).
(٣) في صحيحه رقم (٧٩٢).
(٤) في صحيحه رقم (١٦٩٩).
(٥) في المستدرك (١/ ٢٥١)
(٦) في "السنن" رقم (٢/ ١٣١).
(٧) (١١/ ٣١٩ - ٣٢٠ رقم ٢٣١٠)
(٨) في "السنن الكبرى" (٢/ ٤٣٤ - ٤٣٥).
(٩) في "خلاصة الأحكام" (١/ ٣٢١ - ٣٢٢ رقم ٩٣٨).
(١٠) عزاه إليه الحافظ في "التلخيص" (١/ ٥٠١) ط قرطبة.
(١١) في "التلخيص" (١/ ٥٠١).
(١٢) عزاه إليه الحافظ في "التلخيص" (١/ ٥٠١). وقال الألباني في "الإرواء" (١/ ٣٢٠): "وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، وقد صححه كذلك الحاكم والذهبي، وأعله بعضهم بما لا يقدح، وقد أجبنا عن ذلك في صحيح أبي داود رقم (٥٠٧) وذكرت له هناك طريقًا آخر صحيحًا هو في منجاة من العلة المزعومة، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أسانيد جيدة، ومن تكلم فيه فما استوفى طرقه. وقد أشار إلى صحته الإمام البخاري في "جزء القراءة" (ص ٤). وخلاصة القول: أن الحديث صحيح.
[ ٤ / ١٩٢٥ ]
التنوير له: لا يصح من طريق من الطرق، كذا قال، ولم يصب. انتهى.
والحديث صححه الحاكم في المستدرك، وابن حزم الظاهري، وأشار ابن دقيق العيد [٥] في الإمام (١) إلى صحته.
وفي الباب عن علي - ﵇ - عند أبي داود (٢)، وعن عمر عند الترمذي (٣) وابن ماجه (٤)، وعن عمر عند ابن ماجه (٥)، وعن أبي مرثد الغنوي عند مسلم (٦)، وأبي داود (٧)، والترمذي (٨)، والنسائي (٩)، ولفظه: "لا تصلوا ولا تجلسوا عليها"، وعن جابر وعبد الله بن عمرو، وعمران بن الحصين، ومعقل بن يسار، وأنس بن مالك، جميعهم عند ابن عدي في الكامل (١٠)، وفي إسناد حديثهم عباد بن (١١) كثير، وهو
_________________
(١) عزاه إليه الحافظ في "التلخيص" (١/ ٥٠١) ط قرطبة.
(٢) في "السنن" رقم (٤٩٠) وهو حديث ضعيف.
(٣) في "السنن" رقم (٣٤٦).
(٤) في "السنن" رقم (٧٤٦) وهو حديث ضعيف.
(٥) في "السنن" رقم (٧٤٧) وهو حديث ضعيف.
(٦) في صحيحه رقم (٩٨/ ٩٧٢).
(٧) في "السنن" رقم (٣٢٢٩).
(٨) في "السنن" رقم (١٠٥٠).
(٩) في "السنن" رقم (٢/ ٦٧ رقم ٧٦٠) وهو حديث صحيح.
(١٠) (٤/ ١٦٤٠ - ١٦٤١).
(١١) وهو عباد بن كثير الثقفي البصري. قال البخاري: تركوه. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال العجلي: ضعيف. انظر: "تهذيب التهذيب" (٥/ ٨٧ - ٨٩ رقم ١٦٩).
[ ٤ / ١٩٢٦ ]
ضعيف، ضعفه أحمد، وابن معين.
قال ابن حزم (١): أحاديث النهي عن الصلاة إلى القبور والصلاة في المقبرة أحاديث متواترة، ولا يسع أحدًا تركها، قال العراقي (٢) إن أراد بالتواتر ما يذكره الأصوليون من أنه رواه عن كل واحد من رواته جمع يستحيل تواطؤهم على الكذب في الطرفين والواسطة، فليس كذلك؛ فإنها أخبار آحاد، وإن أراد بذلك وصفها بالشهرة فهو قريب. وأهل الحديث غالبًا إنما يريدون بالمتواتر المشهور انتهى.
وفيه أن المعتبر في التواتر (٣) هو أن يروي الحديث جمع عن جمع يستحيل تواطؤهم على الكذب لا أن يرويه جمع كذلك عن كل واحد من رواته؛ فإنه بما لم يعتبره أهل الأصول إلا أن يريد لكل واحد من رواته كل رتبة من رتب رواته.
فهذه الأحاديث تدل على المنع من الصلاة في المقبرة، وإلى القبور. وقد ذهب إلى ذلك أحمد بن حنبل (٤)، ولم يفرق بين المنبوشة وغيرها، ولا بين أن يفرش عليها شيء يقيه من النجاسة أم لا؟ ولا بين أن يكون في القبور، أو في مكان متفرد عنها كالبيت. وإلى ذلك ذهبت الظاهرية.
قال ابن حزم (٥): وبه يقول طوائف من السلف، فحكي عن خمسة صحابة النهي عن ذلك؟ وهم علي، وعمر، وأبو هريرة، وأنس، وابن عباس، وقال: ما نعلم لهم مخالفًا من الصحابة، وحكاه (٦) عن جماعة من التابعين: إبراهيم النخعي، ونافع بن جبير بن مطعم، وطاووس، وعمرو بن دينار، وخيثمة، وغيرهم.
_________________
(١) في "المحلى" (٤/ ٣٠ - ٣٢).
(٢) في "التقييد والإيضاح" (ص ٢٦٥).
(٣) تقدم توضيح ذلك.
(٤) ذكره ابن حزم في "المحلى" (٤/ ٣١ - ٣٢).
(٥) في "المحلى" (٤/ ٣٠ - ٣١).
(٦) أي ابن حزم في "المحلى" (٤/ ٣٠ - ٣١).
[ ٤ / ١٩٢٧ ]
وقوله: لا نعلم لهم مخالفًا في الصحابة إخبار عن علمه، وإلا فقد حكى الخطابي في معالم (١) السنن عن عبد الله بن عمر أنه رخص في الصلاة في المقبرة. وحكي أيضًا عن الحسن أنه صلى في المقبرة. وقد ذهب إلى تحريم الصلاة على القبر من أهل البيت - ﵈ - المنصور بالله، والهادوية (٢). وصرحوا بعدم صحتها إن وقعت فيها، وإن وقعت بينها فمكروهة فقط. وذهب الشافعي (٣) إلى الفرق بين المقبرة المنبوشة وغيرها فقال: إذا كانت مختلطة بلحم الموتى وصديدهم، وما يخرج منهم لم تجز الصلاة فيها للنجاسة (٤)؛
_________________
(١) (١/ ٣٣٠).
(٢) في "البحر الزخار" (١/ ٢١٦ - ٢١٧).
(٣) في "الأم" (٢/ ٩٥ - ٩٦).
(٤) قال ابن القيم في "إغاثة اللهفان" (١/ ٢٧٤): أن النهي عن الصلاة في المقبرة لأجل النجاسة قول باطل من عدة أوجه:
(٥) أن الأحاديث كلها ليس فيها فرق بين المقبرة الحديثة والمنبوشة كما يقول المعللون بالنجاسة.
(٦) أنه - ﷺ - لعن اليهود والنصارى على اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد، ومعلوم قطعًا أن هذا ليس لأجل النجاسة. فإن ذلك لا يختص بقبور الأنبياء؛ ولأن قبور الأنبياء من أطهر البقاع، وليس للنجاسة عليها طريق البتة، فإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم، فهم في قبورهم طريون.
(٧) أنه نهى عن الصلاة إليها.
(٨) أنه أخبر أن الأرض كلها مسجد، إلا المقبرة والحمام، ولو كان ذلك لأجل النجاسة لكان ذكر الحشوش والمجازر ونحوها أولى من ذكر القبور.
(٩) أن موضع مسجده - ﷺ - كان مقبرة للمشركين، فنبش قبورهم وسواها واتخذه مسجدًا، ولم ينقل ذلك التراب بل سوى الأرض ومهدها وصلى فيه كما ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك - أخرجه البخاري في صحيحه رقم (٤٢٨) ومسلم رقم (٥٢٤) -.
(١٠) أنه لعن المتخذين عليها المساجد، ولو كان ذلك لأجل النجاسة لأمكن أن يتخذ عليها المساجد مع تطينها بطين طاهر. فتزول اللعنة وهو باطل قطعًا.
(١١) أنه قرن في اللعن بين متخذي المساجد عليها وموقدي السرج عليها فهما في اللعنة قرينان، وفي ارتكاب الكبيرة صنوان. فإن كل ما لعن رسول الله - ﷺ - فهو من الكبائر، ومعلوم أن إيقاد السرج عليها إنما لعن فاعله لكونه وسيلة إلى تعظيمها، وجعلها نصبًا يوفض إليه المشركون، كما هو الواقع، فهكذا اتخاذ المساجد عليه. ولهذا قرن بينهما، فإن اتخاذ المساجد عليها تعظيم لها، وتعريض للفتنة بها. ثم قال ابن القيم في "إغاثة اللهفان" (١/ ٢٧٥): فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه، وفهم عن الرسول - ﷺ - مقاصده جزم جزما لا يحتمل النقيض أن هذه المبالغة منه باللعن والنهي بصيغتيه: صيغة "لا تفعلوا" وصيغة "إني أنهاكم" ليس لأجل النجاسة بل هو لأجل نجاسة الشرك اللاحقة بمن عصاه، وارتكب ما عنه نهاه، واتبع هواه، ولم يخش ربه ومولاه". وقال الأشرم: إنما كرهت الصلاة في المقبرة للتشبه بأهل الكتاب؛ لأنهم يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد. "إغاثة اللهفان" (١/ ٢٧٦).
[ ٤ / ١٩٢٨ ]
فإن صلى رجل في مكان ظاهر منها أجزته. وإلى مثل ذلك ذهب أبو طالب، وأبو العباس، والإمام يحيى، وقال الرافعي: أما المقبرة فالصلاة مكروهة فيها بكل حال.
وذهب الثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة إلى كراهة الصلاة في المقبرة، ولم يفرقوا كما فرق الشافعي (١) ومن معه بين المنبوشة وغيرها. وذهب مالك إلى جواز الصلاة في المقبرة وعدم الكراهة. والأحاديث ترد عليه.
وقد احتج له بعض أصحابه بأنه - ﵌ - صلى على قبر المسكينة (٢) السوداء، وهذا من أعجب ما يتفق لمن لا عناية له بعلم الرواية. والحاصل أن اسم المقبرة يصدق على المكان الذي هو موضع للقبر وإن اتسع من غير فرق بين ما فيه قبر واحد أو قبور متعددة، قال في القاموس (٣): القبر مدفن الإنسان، الجمع قبور، والمقبرة مثلثة الباء، وكمكنسة موضعها. انتهى.
والمراد بالمكان الذي يصدق عليه اسم المقبرة هو ما كان له حائط، أو حدود معلومة، أو نحو ذلك مما يمتاز به عن غيره، فإذا جعلت مثلا قطعة من الأرض للقبر فيها، ثم دفن
_________________
(١) في "الأم" (٢/ ٩٥ - ٩٦).
(٢) أخرجه البخاري رقم (١٣٣٧) ومسلم رقم (٩٥٦) وأبو داود رقم (٣٢٠٣) وابن ماجه رقم (١٥٢٧) وأحمد (٢/ ٣٥٣) والبيهقي (٤/ ٤٧) من حديث أبي هريرة.
(٣) (ص ٥٩٠).
[ ٤ / ١٩٢٩ ]
فيها ميت واحد قيل لها مقبرة لغة وعرفا. والمسجد الذي فيه قبر من هذا القبيل، وغلب اسم المسجد عليه لا يرفع صدق اسم المقبرة عليه، وإلا لزم أن المقبرة إن سميت باسم خاص غير اسم المقبرة مثل خزيمة مثلا التي هي مقبرة صنعاء أن لا يثبت لها حكم المقبرة، واللازم باطل فالملزوم مثله.
أما الملازمة فظاهرة، وأما بطلان اللازم فلأن الأسماء لا تأثير لها في تحويل الأحكام الشرعية بإجماع المسلمين. إلى هنا انتهى المراد، وفيه كفاية لمن له هداية.
[حرره الحقير محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما في نهار يوم السبت لعله سادس شهر جمادى الأولى سنة ١٢٠٩] (١).
[انتهى من تحريره القاضي النحرير عمدة الإسلام وعمادهم محمد بن علي الشوكاني حفظه الله، وحفظه الله في نهار السبت لعله ٦ شهر جمادى أول سنة ١٢٠٩] (٢).
_________________
(١) زيادة من (أ).
(٢) زيادة من (ب).
[ ٤ / ١٩٣٠ ]