تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج احاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب
[ ٦ / ٢٧٢٣ ]
وصف المخطوط
عنوان الرسالة: جواب سؤالات وصلت من كوكبان.
موضوع الرسالة: في فقه الصلاة.
أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله الأكرمين. وبعد: فإنه وصل إلينا من القاضي محمد بن علي سعد الحداد الكوكباني.
٤ - آخر الرسالة:.
فلا بأس بأن يؤمر ببيع ماله، لأنه لا يحصل قضاء الدين كما ينبغي إلا بذلك وفي هذا المقدار من الجواب كفاية.
كتبه المجيب محمد الشوكاني غفر الله له.
٥ - نوع الخط: خط نسخي معتاد.
الناسخ: المؤلف: محمد بن علي الشوكاني.
عدد الصفحات: ٧ صفحات
عدد الأسطر في الصفحة: ٣٢ سطرا.
عدد الكلمات في السطر: ١٢ كلمة.
الرسالة من المجلد الرابع من
(الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني).
[ ٦ / ٢٧٢٥ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وآله الأكرمين، وبعد:
فإنه وصل إلينا من من القاضي العلامة محمد بن علي سعد الحداد الكوكباني (١) - كثر الله فوئده - ما هذا لفظه:
الأولى: أنه قد صح حديث: "من ذكرت عنده فلم يصل علي أبعده الله" (٢) بألفاظ تقتضي بوجوب الصلاة عليه - ﵌ - عند ذكره، هل لمن كان في الصلاة عذر بقوله: "إن في الصلاة.
_________________
(١) القاضي أديب الفرضي العلامة محمد بن علي سعد الحداد الكوكباني نشأ بحصن كوكبان وأخذ عن أعيان ذلك المكان وصفه صاحب "نيل الوطر" (٢): ". .. وكان شاعرا بليغا أدبيا وله مطارحات مع أدباء عصره، تولى القضاء بكوكبان وله مؤلفات منها: "شرح نظم مفتاح الفائض"، "وبلوغ المراد فيما يتعلق بالحب والتواد". وكانت وفاته في كوكبان سنة ١٢٥١ هـ. انظر: "الروض الأغن" (٣ رقم ٨١٢)، "نيل الوطر" (٢).
(٢) أخرجه البزار (٤ رقم ٣٧٦٧ - كشف) والطبراني كما في "المجمع" (١٠) وقال رواه البزار والطبراني وبنحوه وفيه لم أعرفهم. وللمتن شواهد. (منها): ما أخرجه الترمذي في "السنن" (٣٥٤٥) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - "رغم أنف رجل ذكرت عنده ولم يصل علي، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان، ثم انسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة". وهو حديث حسن. (ومنها) ما أخرجه النسائي في "عمل اليوم والليلة" (٥٦) وابن حبان في صحيحه رقم (٩٠٩) والحاكم (٥٤٩) وصححه ووافقه الذهبي، والترمذي رقم (٣٥٤٦) عن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي". وهو حديث صحيح.
[ ٦ / ٢٧٢٩ ]
لشغلا" (١) فتخصص ذلك به، أم يجب عليه، لأن الصلاة عليه - ﵌ - من أذكار الصلاة والدعاء المأثور؟.
الثانية: انه قد صح من الأدعية في الصلاة ما صح، وأنه إذا دعا الإمام لنفسه دون المؤتمين فقد خانهم، هل يغير الألفاظ في الاستفتاح مثل: "اللهم ما بعد بيني وبين خطاياي" (٢) ونحوه (٣) فيقول: بيننا ونحوه من الأذكار في الاستفتاح وغيره، أم يخص بما عدا ما شرع للمأموم أن يقوله؟. الثالثة: هل يتوجه المأموم بما ورد، ولو في قراءة الإمام، أم وهو مخصوص بفاتحة الكتاب لقوله﵌ -: "لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب" (٤) فيترك ما عدا الفاتحه؟.
الرابعة: هل يعتد اللاحق والإمام راكع بقيامه قدر سبحان الله ركعة، ولم يقرأ الفاتحة، أم يكون حكمه حكم من دخل والإمام ساجد كما قرره العلامة المقبلي (٥) - ﵀ -؟.
_________________
(١) تقدم تخريجه في الرسالة السابقه رقم (٧٩).
(٢) أخرجه البخاري رقم (٧٤٤) ومسلم رقم (١٤٧) وأحمد (٢) والدرامي (١ - ٢٨٤) وأبو داود رقم (٧٨١) والنسائي (٢ - ١٢٩) وابن ماجه رقم (٨٠٥) والبيهقي (٢) والدارمي (١ رقم ٣) من حديث أبي هريرة.
(٣) منها: ما أخرجه مسلم رقم (٢٠١) وأبو داود رقم (٧٦٠) والترمذي رقم (٣٤٢١) والنسائي (٢ رقم ٨٩٧» وأحمد (٢ رقم٧٢٩ - شاكر) والطحاوي في "شرح معاني الأثار" (١) والبيهقي (٢ «). عن علي بن أبي طالب ﵁ عن رسول الله - ﷺ - أنه إذا قام إلى الصلاة قال: "وجهت وجهي للذى فطر السموات والأرض -إلى قوله من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك - إلى آخره".
(٤) تقدم تخريجه في الرسالة السابقه رقم (٧٩).
(٥) في "المنار" (١).
[ ٦ / ٢٧٣٠ ]
الخامسة: هل لقسمة مال الغائب بين ورثته وجه يتوجه العمل به من غير نظر إلى طول المدة وعدمه، والظن بموته وعدمه، أم يحفظ بنظر عدل مر كون عليه حتى ينكشف أمره يسند شرعي؟.
السادسة: هل يجب من عليه دين من النقد، وليس له مخرج من القضاء إلا من ماله الأطيان ونحوه أن يتصرف بماله وبيعه، ام يجبر الغرماء على اخذ ماله بثمن الزمان بدليل؟ لكم ما وجدتم لا سيما مع عدم النفاق إلا بغبن فاحش أم يمهل إلى ميسرة ماله وعلته؟ تفضلوا بالإفادة - جزيتم الحسنى وزيادة -.
[ ٦ / ٢٧٣١ ]
أقول: - حامدا الله ﷿ -، مصليا مسلما على رسوله وآله. إني قد حررت أكثر هذه المسائل وأجوبتها ودلائلها والجمع بين ما اختلف منها في مؤلفاتي (١)، وطولت مباحثها، وأوضحت راجحها من مرجوحها، وسأذكر ها هنا [١أ] في جواب السائل - عفاه الله - ما ينتفع به، وأن قل - فخير الكلام ما أفاد -.
أما الجواب عن المسألة الأولى: فاعلم انها قد تضافرت الأدلة الدالة على مشروعية الصلاة عليه - ﵌ - عند ذكره، فمن ذلك حديث: "البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي" أخرجه التزمذي (٢) من حديث علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي - ﵌ - وقال (٣): حسن صحيح.
ومن ذلك حديث جابر بن سمرة قال: صعد النبي - ﵌ - المنبر فقال: "آمين آمين آمين "فلمل نزل سأل عن ذلك فقال: "أتاني جبريل - فذكر الحديث - وفيه رغم أنف من ذكرت عنده فلم يصل علي" أخرجه الطبراني (٤)، وفي إسناد إسماعيل بن أبان الغنوي (٥)، كذبه يحيى بن معين وغيره (٦).
ولكنه قد أخرج الطبراني (٧) أيضًا من حديث كعب بن عجرة أن رسول الله -صلى
_________________
(١) انظر " نيل الأوطار" (١).
(٢) في "السنن" رقم (٣٥٤٦). وهو حديث صحيح وقد تقدم.
(٣) في "السنن" (٥).
(٤) في "المعجم الكبير" (٢ رقم ٢٠٢٢). وقال الهيثمي في "المجمع" (٨) رواه الطبراني بأسانيد وأحدها حسن.
(٥) انظر "تهذيب التهذيب" (١).
(٦) قال البخاري: متروك، تركه أحمد والناس. وقال أبو داود: كان كذابا. نظر: "تهذيب التهذيب" (١).
(٧) في "المعجم الكبير" (١٩ رقم ٣١٩). قلت: وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (٤ - ١٥٤) وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبى.
[ ٦ / ٢٧٣٢ ]
الله عليه وآله وسلم - خرج يوما إلى المنبر فقال حين ارتقى درجة: "آمين" ثم رقى أخرى فقال: "آمين" الحديث وفيه: "إن جبريل قال له عند أن رقى الدرجة الثالثة بعد من ذكرت عنده فلم يصل عليك، فقلت: آمين" قال العراقي: ورجاله ثقات.
وأخرج الطبراني (١) أيضًا من حديث جابر بلفظ: "الشقي من ذكرت عنده فلم يصل علي". ولا يخفاك ان وصف من ذكر عنده فلم يصل علي بالبخل تارة، والبعد اخرى، والشقاوة تارة، رغم الأنف أخرى، يفيد مشروعية الصلاة عليه، فصلى الله وسلم عليه، وعلى آله من قل سامع لذكره على أى حالة كان ومن جملة الأحوال التي يكون عليها السامع ان يكون في صلاة ولم يرد ما يخصص المصلي من هذه العمومات.
وحديث: " إن في الصلاة لشغلا" (٢) المراد به أن القول فيها والدخول في أركانها وأذكارها فيه ما يشغل المصلي عن الأشتغال بغير ذلك، والصلاة عليه﵌ - هي من جملة أذكارها كما تدل على ذلك الأحاديث الصيحة الثابتة في دواوين الإسلام وغيرها، بل قد ورد ما يدل على ان المصلي يجعل الصلاة على رسول الله - ﵌ - عنوانا لكل دعاء يدعو به في صلاته، كما حديث فضالة بن عبيد قال: سمع النبي - ﵌ - رجلا يدعو في صلاته، فلم يصل على النبي - ﵌ - فقال النبي - ﵌ -: "عجل هذا" ثم دعاه فقال له أو لغيره: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد لله، والثناء عليه، ثم ليصل على النبي - ﵌ - ثم ليدع بما شاء" أخرجه أبو داود (٣)،
_________________
(١) عزاه إليه الحافظ في "الفتح" (١١) فقال: وعند الطبراني من حديث جابر بن رفعه: "شقي عبد ذكرت عنده فلم يصل علي".
(٢) تقد تخريجه.
(٣) في "السنن" رقم (١٤٨١).
[ ٦ / ٢٧٣٣ ]
والنسائي (١)، الترمذي (٢) وصححه، وابن خزيمة (٣)، وابن حبان (٤)، والحاكم (٥).
فالمصلي إذا سمع ذكر رسول الله -﵌ - ينبغي له أن يصلي عليه، وان كان حال سماعه يقرأ فاتحة الكتاب أو غيرها من القرآن. وأما من يمنع مثل ذلك متمسكا بحديث: "إن هذه صلاتنا [١ب] لا يصح فيها شيء من كلام الناس" (٦) فقد غلط في استدلاله هذا غلطا بينا، فإن المراد بقوله: " من كلام الناس " من تكليمهم، ومخاطباتهم، على انه يرد على هذا المستدل بهذا الدليل سؤال الاستفسار فيقال له: ما المراد بقوله: من كلام الناس؟.
فإن قال: المراد به ما لم يكن من كلام الرب - سبحانه -.
فيقال له: آخر هذا الحديث الذي جعلته دليلا لك يرد عليك هذا الاستدلال ردا بينا، فإنه قال - ﵌ - في هذا الحديث: "
إن صلاتنا لا يصح فيها شيء من كلام الناس، إنما ه هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن"، فجعل التسبيح والتكبير قسيمين لقراءة القرآن الذي هو كلام الله - سبحانه -.
وإنا قال: المراد به ماعدا التسبيح والتكبير وقراءة القرآن.
فيقال له أيضا: ما ورد من.
_________________
(١) في "السنن" (٣/ ٤٤).
(٢) في "السنن" رقم (٣٤٧٧) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٣) في صحيحه رقم (٧١٠).
(٤) في صحيحه رقم (١٩٦٠).
(٥) في "المستدرك" (١) و(٢) وصححه ووافقه الذهبي. وهو حديث صحيح.
(٦) أخرجه مسلم رقم (٣٣) وأبو داود رقم (٩٣١) والنسائي (٣ - ١٨) وابن الجارود رقم (٢١٢) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١) والبيهقي (٢ - ٢٥٠) وأحمد (٥ - ٤٤٨) والبخاري في "خلق أفعال العباد" (ص ٣٨ - ٣٩) وابن خزيمة (٢ رقم ٨٥٩). من حديث معاوية بن الحكم ﵁. وهو حديث صحيح.
[ ٦ / ٢٧٣٤ ]
ألفاظ التشهد (١) ليس من التسبيح، ولا من التكبير، ولا من القرآن. ومن جملة ذلك الصلاة على رسول الله - ﵌ - بتلك الألفاظ الثابتة بطريق التواتر (٢).
ومن جملة ما ثبت في الصلاة مما ليس من التسبيح والتكبيروقراءة القرآن
_________________
(١) منها ما أخرجه البخاري رقم (٨٣١، ٨٣٥، ١٢٠٢، ٦٢٣٠، ٦٢٦٥، ٦٣٢٨، ٧٣٨١) ومسلم رقم (٥٥، ٥٦، ٥٧، ٥٨، ٥٩/ ٤٠٢) وأبو داود رقم (٩٦٨) والترمذي رقم (٢٨٩) والنسائي (٢ - ٢٤١) وابن ماجه رقم (٨٩٩) وأحمد (١، ٤١٣، ٤٢٧ - ٤٢٨، ٤٣١، ٤٣٩) من حديث عبد الله بن مسعود قال: التفت إلينا رسول الله - ﷺ - فقال: "إذا صلى أحدكم فليقل: التحيات لله، والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبراكاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه، فيدعو". ومنها: أخرجه مسلم في صحيحه (٦٠) عن ابن عباس قال: كان رسول اللهﷺ - يعلمنا التشهد: "التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله - إلى آخره".
(٢) منها ما أخرجه مسلم في صحيحه رقم (٦٥) ومالك في "الموطأ" (١ - ١٦٦ رقم ٦٧) وأبو داود رقم (٩٨٠، ٩٨١) والتلرمذي رقم (٣٢٢٠) والنسائي رقم (٣ - ٤٦ رقم ١٢٨٥) وفي "عمل اليوم والليلة" رقم (٤٨) من حديث أبي مسعود ﵁ قال: قال بشير بن سعد: يا رسول الله، أمرنا الله أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك؟ فسكت، ثم قال: " قول اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما بركت على إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، والسلام كما علمتم". وزاد ابن خزيمة في صحيحه رقم (٧١١): "فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا"؟ وهذه الزيادة رواها ابن حبان في صحيحه رقم (١٩٥٦) والحاكم (١) والدارقطني في "السنن" (١ - ٣٥٥ رقم ٢). قال الأمير الصنعاني في "سبل السلام" (٢): والحديث دليل على وجوب الصلاة عليه - ﷺ - في الصلاة لظاهر الأمر (أعني) قولوا، وإلى هذا ذهب جماعة من السلف والأئمة والشافعي وإسحاق ودليلهم الحديث مع زيادته الثابتة.
[ ٦ / ٢٧٣٥ ]
[و] (١) التوجيهات الثابته عن رسول الله (٢) - ﵌ - ثبوتا أوضح من شمش النهار يغرف ذلك كل عارف بعلم السنة.
ومن جملة ما ثبت عن رسول الله - ﵌ - في الصلاة مما ليس بتسبيح ولا تكبير ولا قراءة قرآن ما علمنا من الأدعيه التي يدعوها في الصلاة، وهي كثيرة جدا تأتي في مصنف مستقل، بل وقع منها - ﵌ - التفويض للداعي في الدعاء بما أحب فقال: "ثم لا يتخير من الدعاء أعجبه إليه " وهو حديث صحيح. (٣)
وبهذا يتقرر بطلان الاستدلال بهذا الدليل على كل حال، وبكل تقدير. وقد استكثر من الاستدلال به جماعة من المؤلفين في هذه الديار، وهو وهم محض، وغلط بحت.
وأما الجواب عن السؤال الثاني:
فأقول: إن الإمام لا ينبغي له ان يأتي في صلاته بدعاء يخص به نفسه بل يأتي بصيغة تشمله هو والمؤتمون به، هذا معنى حديث انه إذا خص بالدعاء فقد خانهم (٤).
_________________
(١) زيادة يستلزمها السياق.
(٢) (منها) حديث علي في التوجه وقد تقدم. (ومنها): حديث عمر أنه كان يقول: "سبحانك اللهم بحمدك وتبارك اسمك، وتعالى جدك ولا إله عيرك ". أخرجه مسلم في صحيحه رقم (٥٢) موقوفا على عمر. وأخرجه الدراقطني في "السنن" (رقم ٧، ٨، ٩، ١٠) موقوفا ورقم (٦) موصولا. (منها) ما أخرجه أحمد (٣/ ٥٠) والترمذي رقم (٢٤٢) وأبو داود رقم ٧٧٥ والنسائي (٢) وابن ماجه رقم (٨٠٤) والدارمي (١) والبيهقي (٢ - ٣٥) والدارقطني (١ رقم ٤). من حديث ألي سعيد رضي اللع عنه مرفوعًا وفيه كان يقول بعد التكبير: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه، ونفخه ونفسه ". وهو حديث صحيح.
(٣) تقد آنفا وهو حديث صحيح.
(٤) أخرجه الترمذي في "السنن" رقم (٣٥٧): عن ثوبان عن رسول الله - ﷺ - قال: "لا يحل لامرئ أن ينظر في جوف بيت امرئ حتى يستأذن، فإن نظر فقد دخل، ولا يؤم قوما فيخص نفسه بدعوة دونهم، فإن فعل فقد خانهم، ولا يقوم ألى الصلاة وهو حقن". قال الترمذي: حديث حسن. قلت: بل هو حديث ضعيف: إلا جملة: "ولا يقوم إلى الصلاة وهو حقن" فصحيحه.
[ ٦ / ٢٧٣٦ ]
وأما الأدعية التي وردت بألفظ منقوله عن النبي - ﵌ - فلا ينبغي لأحد أن يغيرها عن الأسلوب التي وردت به خصوصا الألفاظ التي قال الرواة فيها إن رسول الله﵌ - كان يقول في صلاته كذا، فإنها تبقي على ما هو عليه، ويأتي بها الإمام والمأموم كما وردت، لأن رسول الله - ﵌ - هو كان إمام الصلوات كلها فتلك الألفاظ المسموعة منه التي قالها في صلاته ينبغي الاقتداء بلفظه فيها، فإن كانت خاصة جاء الإمام [٢أ] والمأموم والمنفردبها خاصة، وإن كانت عامة جاء بها عامة اقتداء برسول الله - ﵌ -.
فإن قلت: يحتمل أن يكون قالها رسول -الله ﵌ - في صلاة النوافل.
قلت: قول الصحابي كان يقول في صلاته هو مطلق غير مقيد بصلاة فريضة ولا بصلاة نافلة.
وظاهره أنه كان يقول ذلك فيما يصدق عليه أنه صلاة. والفريضة والنافلة يصدق على كل واحدة منهما أنها صلاة، ومجرد الاحتمال لا يقدح في صحة الاستدلال.
وإذا تقرر لك هذا فيما نقل إلينا من قوله﵌ - في صلاته فهكذا إذا علم الناس - ﵌ - أن يقول أحدهم في ركوعه أوسجوده أو اعتداله كذا، فإن الإمام، والمأموم، والمنفرد يقولونه بتلك الصيغة (١) المروية
_________________
(١) (منها): ماأخرجه البخاري في صحيحه رقم (٨١٧) ومسلم رقم (٤٨٤) وأبو داود رقم (٨٧٧) والنسائي (٢ رقم ١١٢٢) و(٢ رقم ١٠٤٧) و(٢ رقم ١١٢٣) وابن ماجه رقم (٨٨٩) والبيهقي في "السنن الكبري" (٢). من حديث عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله - ﷺ - يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي". (ومنها): ما أخرجه مسلم رقم (٢٠٥) وأبو داود رقم (٨٤٧) والنسائي (٢ رقم ١٠٦٨) والبيهقي (٢) من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا رفع رأسه من الركوع قال: "اللهم ربنا لك الحمد، ملء السموات والأرض وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد".
[ ٦ / ٢٧٣٧ ]
عن رسول الله -﵌ - من غير تحريف لولا تبديل لأنه - ﵌ - ترك الاستفصال في مقام الاحتمال (١)، وهذا الترك ينزل منزلة العموم في المقال كما تقرر في الأصول ترجيح هذه القاعدة. وقد أوضحت ذلك في إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول (٢)، وبهذا يتبين لك أن حديث المنع من تخصيص الإمام لنفسه بالدعاء دون المؤتمين به هو مخصوص بما جاء به من الأدعية في الصلاة من جهة نفسه، فإنه يأتي به بصيغة الجمع لا بصيغة تخصه دون غيره.
وأما الجواب عن السؤال الثالث:
فأقول: إن الأحديث الواردة في نهي المؤتمين عن القراءة خلف إمامهم إلا بفاتحة الكتاب خاصة بنفس قراءة القرآن كما في حديث عبادة بن الصامت بلفظ: "إني أراكم تقرؤون وراء إمامكم " قال: قلت: يا رسول الله أي والله. قال: "لاتفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لا يقرأ بها" (٣). أخرجه أبو داود، والترمذي، وأحمد، والبخاري في جزء القراءة وصححه. وصححه أيضًا ابن حبان (٤)، والحاكم (٥)،.
_________________
(١) انظر"البحر المحيط" (٣) للزرقشي و"البرهان" (١).
(٢) (ص ٤٥٢) بتحقيقنا.
(٣) تقدم في الرسالة رقم (٧٩).
(٤) في صحيحه رقم (١٧٨٢).
(٥) في "المستدرك" (١/ ٢٣٨).
[ ٦ / ٢٧٣٨ ]
والبيهقي (١)، وفي لفظ: "فلا تقرؤوا بشيء إذا جهرت به إلا بأم القرآن" اخرجه أبو داود - (٢) والنسائي (٣)، والدارقطني (٤)، وقال: رجاله كلهم ثقات، وفي لفظ: "لعلكم تقرؤون والإمام يقرأ؟ " قالوا: إن لنفعل، قال: "لا، إلا بان يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب".
أخرجه من تقد ذكره، قال الحافظ بن حجر (٥): وإسناده حسن، وفي حديث أبي هريرة بلفظ: "فانتهى الناس عن القراءة عن رسول الله - ﵌ - فيما جهر فيه حين سمعوا ذلك". أخرجه في الموطأ (٦)، والنسائي (٧)، وأبو داود (٨)، والترمذي (٩) وحسنه (١٠)، وفي لفظ لدارقطني (١١): "وإذا جهرت بقراءتي [٢ب] فلا
_________________
(١) في "السنن الكبرى" (٢) وهو حديث ضعيف. من حديث عبادة بن الصامت وقد تقد.
(٢) في "السنن" رقم (٨٢٤).
(٣) في "السنن" (٢ رقم ٩٢٠).
(٤) في "السنن" (١ رقم ٩). قلت: وأخرجه البيهقي (٢) والحاكم في "المستدرك" (١ - ٢٣٩) وقال: هذا متابع لمكحول في روايته عن محمود بن الربيع، وهو عزيز وإن كان رواية إسحاق بن أبي فروة فإني ذكرته شاهدا وقال الذهبي: ابن أبي فروة هالك. وخلاصة القول أن الحديث ضعيف والله أعلم.
(٥) في"التلخيص" (١).
(٦) (١ رقم٤٤).
(٧) في "السنن" (٢).
(٨) في "السنن" رقم (٦٠٤).
(٩) في "السنن" رقم
(١٠) . واخرجه ابن ماجه رقم (٨٤٦) وهو حديث صحيح.
(١١) الترمذي في "السنن" (٢).
(١٢) في "السنن" (١).
[ ٦ / ٢٧٣٩ ]
يقرأ معي أحد " فهذه الروايات ونحوها تدل على أن المنهي عنه حال قراءة الإمام، إنما هو قراءة القرآن فقط، وأما قراءة ما ورد من التوجه (١) والاستعاذة (٢) ونحو ذلك فلا بأس به، ولايتناوله النهي، ولا يدل عليه بوجه من وجوه الدلالة، وهذا أعني التوجه والاستعاذة حال قراءة الإمام هو مذهب جماهير السلف والخلف، بل لم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين وتابعيهم أنه قال بعدم جواز التوجه والقراءة من المؤتم حال قراءة إمامه، وهكذا لم ينقل ذلك عن احد من أهل المذاهب الأربعة، وسائر أهل العلم، إلا عن ابن حزم الظاهري، فإنه قال: إن المؤتم لا يأتي بالتوجه وراء الإمام، قال: لأن فيه شيئا من القرآن، وقد نهى﵌ - أن يقرأ خلف الإمام إلا أم القرآن هكذا قال، وهو فاسد، لأنه إن أراد قوله: لأن فيه شيئا من القرآن كل توجه.
فقد عرفت مما سلف ان أكثرها مما لا قرآن فيه، وإن أراد خصوص توجه على - ﵁ - الذي فيه: "وجهت وجهي. .. إلخ" (٣) فليس محل النزاع هذا التوجه الخاص، والتشهدات (٤) كثيرة، وللمصلي مندوحة عن الوقوع فيما يحتمل النهي عنه لما فيه من القرآن.
فإن قلت: ظاهر قوله تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا) (٥) وقوله - ﵌ -: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا" أخرجه أبو داود (٦)، والنسائي (٧) وابن ..
_________________
(١) تقدم ذكرذلك
(٢) انظر حديث أبي سعيد - ﵁ - وقد تقدم.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) تقدم ذكر ذلك
(٥) [الأعراف: ٢٠٤].
(٦) في "السنن" رقم (٦٠٤).
(٧) في "السنن" (٢).
[ ٦ / ٢٧٤٠ ]
ماجه (١)، وأخرجه ايضا أحمد (٢)، ورجال إسناده ثقات، وما قيل من انه إنفرد بزيادة قوله: "وإذا قرأ فإنصتوا"أبو خالد سليمان بن حيات الأحمر (٣) فمدفوع بأنه من الثقات الإثبات الذين أحتج بهم البخاري ومسلم، فلا يضر تفرده بذلك، وأيضا فهو لم يتفرد بهذه الزيادة، بل قد تابعه عليها أبو سعيد محمد بن سعد الأنصاري الأشهلي المدني.
أخرج ذلك من طريقه النسائي (٤). وقد أخرج أيضًا هذه الزيادة مسلم في صحيحه (٥) من حديث أبي موسى الأشعري.
قلت: هذان العمومان: العموم القرآني، والعموم النبوي مخصوصان بما ورد الشرع بفعله في الصلاة للمؤتم، ومن ذلك فاتحة الكتاب والتوجه والاستعاذة ومما يؤيد هذا التخصيص ما قدمنا في الأحاديث المصرحة بأن النهي إنما هو عن قراءة القرآن خلف الإمام فقط.
وأما الجواب على السؤال الرابع:
فأقول: قد ذهب الجمهور (٦) إلى أن اللاحق إذا أدرك الإمام، وهو راكع بعد ان كبر للأفتتاح، ثم ركع وشارك إمامه في قدر تسبيحة من الركوع قبل ان يرفع رأسه من الركوع [٣أ] فقد ادرك الركعة، وجاز له الاعتداد بها. واستدلوا بما أخرجه ابن خزيمة (٧)
_________________
(١) في "السنن" رقم (٨٤٦).
(٢) في "المسند" (٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ - وهو حديث صحيح.
(٣) سليمان بن حيان الازدي أبو خالد الأحمر الكوفي الجعفري. قال ابن معين: ثقة وقال مرة لا بأس به وقال أبو حاتم: صدوق. انظر: "تهذيب التهذيب" (٢)، "الميزان" (٢ رقم ٣٤٤٣).
(٤) في "السنن" (٢ - ١٤٢).
(٥) (١ رقم ٦٣).
(٦) انظر "المحلي" (٣، ٢٥٥، ٣٦٢).
(٧) في صحيحه (٣ رقم ١٥٩٥).
[ ٦ / ٢٧٤١ ]
من حديث أبي هريرة بلفظ: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك قبل أن يقيم الإمام صلبه".
ويجاب عن هذا الاستدلال بان المراد بالركعة في قوله: "من أدرك ركعة" هو المعني الحقيقي للركعة، وهي القيام، وما يجب فيه من القراءة التي لا تجزي الركعة بدونها، وذلك هو الفاتحة كما دلت على الأدلة الصحيحة. ولا خلاف في أن معني الركعة حقيقة هو جميعها، وان إطلاق الركعة على بعضها مجاز، والحقيقة مقدمة على المجاز بلا خلاف، فمن أدرك القيام وأمكنه ياتي بالفاتحة، ثم ركع قبل أن يقيم الإمام صلبه فقد أدرك الركعة، ومن لم يدرك ذلك على هذه الصفة فلم يدرك الركعة.
فأن قلت: أي فائدة على هذا التقدير لقوله: قبل ان يقيم الإمام صلبه؟.
قلت: دفع توهم أن من دخل مع الإمام، ثم قرأ الفاتحة وركع الإمام قبل فراغه منها غير مدرك، بل هو مدرك إذا ركع قبل أن يقيم الإمام صلبه. وقد ذهب إلى هذا ابن خزيمة (١)، وهو الراوي لذلك الحديث، وهو أعرف بمعناه. وذهب إلى هذا المذهب أبو بكر الضبعي، وبعض أهل الظاهر، كما حكى ذلك ابن سيد الناس في شرح الترمذي، ثم قال بعد رواية هذا المذهب، أعني: عدم الاعتداد بالركعة إذا لم يدرك اللاحق القيام والفاتحة، ويلحق الإمام وهو راكع قبل ان يقيم صلبه عن ابن خزيمة، وأبي بكر الضبعي، وبعض أهل الظاهر (٢) حاكيا عمن روى عن ابن خزيمة (٣) إنه احتج لما ذهب إليه بما روى عن أبي هريرة أنه - ﵌ - قال: "من أدرك الإمام في الركوع فليركع معه، وليعد الركعة" وقد رواه البخاري (٤) في القراءة خلف الإمام من حديث
_________________
(١) في صحيحه (٣ رقم ١٥٩٥).
(٢) انظر "المحلي" (٣).
(٣) في صحيحه (٣ - ٥٨ رقم ١٦٢٢).
(٤) رقم (١٣٤).
[ ٦ / ٢٧٤٢ ]
أبي هريرة أنه قال: "إن ادركت القوم ركوعا لم تعتد بتلك الركعة". قال الحافظ (١): وهذا هو المعروف عن أبي هريرة موقوفا. وقال الرافعي (٢) تبعا للإمام: إن أبا عاصم العبادي حكى عن ابن خزيمة احتج به.
إذا عرفت هذا تبين لك انه لابد من الجمع بين الروايات بما ذكرناه فإن حديث: "قبل ان يقيم صلبه" هو من حديث أبي هريرة، وأخرجه عنه ابن خزيمة كما قدمه. وقد ذهب إلى خلافه، واحدهما الراوي للحديث، والآخر المخرج له، ولم يذهبا إلى خلافه لمجرد الرأي، بل استدلا بتلك الرواية والاختلاف في رفعها ووقفها لا يقدح في حجيتها، لأن الرفع زيادة. وقد عرفت بما ذكرناه أن هذا القول ليس هو قول المقبلي (٣) فقط، بل قد ذهب إليه من أهل العلم من حكينا لك عنهم [٣ب]، بل قال البخاري في جزء القراءة خلف الإمام (٤).
وعلى هذا فقد ذهب إليه جماهير من أهل العلم، لأن القائلين بوجوب القراءة خلف الإمام هم الجمهور. وقد حكاه الحافظ في الفتح (٥) عن جماعة من الشافعية.
وحكى العراقي في شرحه للترمذي (٦) عن شيخه السبكي أنه كان يختار انه لا يعتد بالركعة من لا يدرك الفاتحة، ثم قال: وهو الذي نختاره؛ فهذان إمامان كبيران من أئمة الشافعية. السبكي والعراقي يختاران هذا المذهب، وبهذ تعرف من ذهب إلى ما ذكرناه
_________________
(١) في "التلخيص" (٢).
(٢) ذكره الحافظ في "التلخيص" (٢).
(٣) في"المنار" (١).
(٤) (ص٣٤).
(٥) (٢ - ٢٤٣).
(٦) لا يزال كتاب نفح الشذي الذي بدأه ابن سيد الناس وأكمله العراقي مخطوطا. سوى جزء من أحاديث الطهارة.
[ ٦ / ٢٧٤٣ ]
من عدم الاعتداد بالركعة التي لا يدرك بها المؤتم فيها الفاتحة، ويدرك إمامه قبل أن يقيم صلبه، وتعرف أيضًا انه لا يحصل الجمع بين أحاديث وجوب قراءة الفاتحة، وإدراك الإمام راكعا قبل أن يقيم صلبه (١)
_________________
(١) انظر "فتح الباري" (٢ - ٢٤٣)، "المغني" لابن قدامة (١ - ٥٠٥). قال النووي في "المجموع" (٤): اقل الركوع هو: ان ينحني المصلى بحيث تنال راحتاه ركبتيه فلوإنخنس وأخرج ركبتيه، وهو مائل منتصب وصار بحيث لو مد يديه لنالت راحتاه ركبتيه لم يكن ذلك ركوعا لأن نيلهما لم يحصل بالانحناء. وأكمل الركوع فبأمرين: أحدهما في الهيئة، والثاني في الذكر. أما الهيئة: فأن ينحني بحيث يستوي ظهره وعنقه، ويمدهما كالصفيحة وينصب ساقيه إلى الحقو، ولا يثني ركبتيه، ويضع يديه على ركبتيه يأخذوهما بهما. ويفرق بين أصابعه وحينئذ". الذكر: فيستحب أن يكبر للركوع ويبتدئ به الهوي. لذلك إذا أدرك الإمام في حال الركوع، فإنه تجزئه تكبيرة واحدة فيكبر للإحرام -فتجزئه عن تكبيرة الركوع، ولو كبر تكبيرتين إحداهما للإحرام والأخرى للركوع لكان أحسن. " المجموع" للنووي (٤). "المغني" لابن قدامة (١ - ٥٠٥). فائدة: * إذا كان المأموم يركع والإمام يرفع رأسه من الركوع لم يجزئه ذلك، وعليه أن يأتي بالتكبيرة منتصبا، فإن أتى بها بعد أن انتهى في الانحناء إلى قدر الركوع أو أتى ببعضها لم يجزئه لأنه أتى بها في غير محلها. ولأنه يفوته القيام وهو من أركان الصلاة. "المغني" (١). وإذا أدرك المسبوق الإمام في غير ركن الركوع، كأن يدركه ساجدا أو يدركه في التشهد فإنه يستحب له الدخول معه، ولا يعتد بها. "المجموع" (٤) و"المغني" (١). وقال القاضي عياض في "إكمال المعلم بفوائد مسلم" (٢ - ٥٦٢) - تعليقا على حديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام، فقد أدرك الصلاة. وهو حديث صحيح أخرجه البخاري (٥٨٠) ومسلم رقم (٦٠٧) وأبو داود رقم (١١٢١) والترمذي رقم (٥٠٢٤) والنسائي (١) وابن ماجه رقم (١١٢٢) -. لا خلاف أن اللفظ ليس على ظاهره، وأن هذه الركعة تجزيه من الصلاة دون غيرها. وإنما ذلك راجع إلى حكم الصلاة وقيل: معناه: فضل الجماعة وهو ظاهر حديث أبي هريرة، وهذا في رواية ابن وهب عن يونس عن الزهري وزيادته قوله: "مع الإمام" وليس هذه الزيادة في حديث مالك عنه، ولا في حديث الأوزاعي وعبيد الله بن عمر ومعمر، واختلف فيه عن يونس عنه، وعليه يدل إفراد مالك في التبويب في "الموطأ" (١)، وقد رواه بعضهم عن مالك مفسرا: " فقد أدرك الفضل" ورواه بعضهم عن ابن شهاب وهذا الفضل لمن تمت له الركعة كما قال، وفب مضمونه أنه لا يحصل بكماله لمن لم تتحصل له الركعة. .. ثم قال: وهذه الركعة التي يكون فيها مدركاللأداء والوجوب في الوقت هو قدر ما يكبر فيه للأحرام وقراءة أم القرآن بقراءة معتدلة، ويركع ويرفع ويسجد سجدتين يفصل بينهما ويطمئن في كل ذلك. على من أوجب الطمأنينه، فهذا أول ما يكون به مدركا، وعلى قوله من لا يوجب أم القرآن في كل ركعة تكفيه تكبيرة الإحرام والوقوف لها. .. ثم قال: واما الركعة التي يدرك لها فضيلة الجماعة فأن يكبر لإحرامه قائما ثم يركع، ويمكن يديه من ركبتيه قبل رفع الإمام رأسه. هذا مذهب مالك وأصحابه، وجمهور الفقهاء من أهل الحديث والرأي، وجماعة من الصحابة والسلف. .. ".
[ ٦ / ٢٧٤٤ ]
واعلم أن استيفاء البحث يحتاج إلى تطويل، وقد طولته في مؤلفاتي (١) واستوفيت الكلام عليه احتجاجا ودفعا وترجيحا. وفي هذا المقدار الذي ذكرناه هنا كفاية.
وأما الجواب عن المسألة الخامسة
فأقول: لا شك ولا ريب أن القواعد الشرعية قاضية بأن ملك كل مالك باق على ملكه، لا يخرجه عنه إلا وقوع التصرف منه فيه باختياره أو موته، والغائب إذا لم يصح خبر موته جميع ما يملكه باق على ملكه، لا يجوز لغيره التصرف فيه لوجهين:
الوجوه (٢): لكن إذا خشى عليه الفساد كان للحكام، ومن له النظر في المصالح أن يجعلوه بنظر العدول، يقيمون ما يحتاج إلى الإقامة ويبيعون ما يخشى عليه الفساد،
_________________
(١) انظر "نيل الأوطار" (٣ - ١٥٢).
(٢) العبارة اعتراها نقص والله أعلم.
[ ٦ / ٢٧٤٥ ]
ويأخذون أجرتهم كما يأخذون ذلك من مال الأحياء الحاضرين، فأن كان في الورثة من يصلح لذلك فهو أولى من غيره.
وأما الجواب عن المسألة السادسة:
فأقول: إذا رفع الغرماء من عليه دين إلى حاكم الشريعة فالوجه الشرعي الذي دل عليه الدليل، وأفاده ما وقع لمعاذ بن [معاذ] (١) -﵁ - لما طالبه أهل الدين بدينهم أن الحاكم يقضيهم من مال المديون، ويبيعهم منهم بثمن الزمان والمكان، ولا يكلف بعد بذل ماله بغير ذلك إذا كان المال في مكان يمكن صاحب الدين الاتصال به والانتفاع به.
وأما إذا كان في مكان لا يمكنه الانتفاع به، وكان من عليه الدين أقدر على التصرف
_________________
(١) كذا في المخطوط والصواب (جبل) وأخرج الحديث الدراقطني (٤ - ٢٣١ رقم ٩٥) والبيهقي (٦) والحاكم في "المستدرك" (٢) وقال: صحيح على شرط الشيخين وأقره الذهبي. من حديث كعب بن مالك: "أن النبي - ﷺ - حجر على معاذ ماله، وباعه في دين كله عليه". وأخرجه أبو داود في "المراسيل" رقم (١٧٢) وعبد الرزاق في مصنفه (٨ رقم ١٥١٧٧) وهو منقطع. من حديث عبد الرحمن بن كعب بن مالك مرسلا قال: "كان معاذ بن جبل شابا سخيا وكان لا يمسك شيئا فلم يزل يدان حتى أغلق ماله في الدين فأتي النبي - ﷺ - فكلمه ليكلم غرماءه، فلو تركوا لأحد لتركوا لمعاذ لأجل رسول الله - ﷺ - فباع لهم رسول الله - ﷺ - لهم ماله حتى قام معاذ بغيره شيء". وهو حديث ضعيف انظر: "الإوراء" رقم (١٤٣٥). قال ابن قدامة في "المغني" (٦): "ومتى لزم الإنسان ديون حالة لا يفي ماله بها، فسأل غرماؤه الحاكم الحجر عليه، لزمته إيجابتهم ويستحب أن يظهر الحجر عليه لتجتنب معاملته فإذا حجر عليه ثبت بذلك أربعة أحكام: أحدهما: تعلق حقوق الغارماء بعين ماله. الثاني: منع تصرفه في عين ماله. الثالث: أن من وجد عين ماله عنده فهو أحق بها من سائر الغرماء إذا وجدت الشروط. الرابع: أن للحاكم بيع ماله وإيفاء الغرماء والأصل في هذا ما روى كعب بن مالك".
[ ٦ / ٢٧٤٦ ]
به، والبيع له فلا بأس بأن يأمر ببيع ماله، لأنه لا يحصل قضاء الدين كما ينبغي إلا بذلك.
وفي هذا المقدار من الجواب كفاية.
كتبه المجيب محمد الشوكاني - غفر الله له [٤أ]-.
[ ٦ / ٢٧٤٧ ]