تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
[ ٤ / ١٨٦٥ ]
وصف المخطوط:
١ - عنوان المخطوط: (جواب عن سؤال خاص بالحديث: " لا عهد لظالم "، وهل هو موجود فعلا من عدمه؟)
٢ - موضوع الرسالة: في " الحديث ".
٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله الأكرمين وصحبه الأفضلين، وبعد: فإنه وصل من سيدي العلامة حسنة الآل. . .
٤ - آخر الرسالة:. . . قال الله ﷿: ﴿يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم﴾، وفي هذا كفاية. انتهى ما أفاده شيخنا القاضي العلامة البدر الشوكاني عافاه الله وكثر فوائده، آمين.
٥ - نوع الخط: خط نسخي معتاد.
٦ - عدد الصفحات: (٥) صفحات.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: (٢٣ - ٢٦) سطرًا
٨ - عدد الكلمات في السطر: (١٢ - ١٤) كلمة.
٩ - الرسالة من المجلد الخامس من (الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني).
[ ٤ / ١٨٦٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله الأكرمين، وصحبه الأفضلين.
وبعد:
فإنه وصل من سيدي العلامة، حسنة الآل وفرد الكمال يحيى بن مطهر (١) - كثر الله فوائده - سؤال، هو أنه بحث عن الذي يزعم كثير من الناس أنه حديث، وهو قولهم: " لا عهد لظالم (٢) " (٣) فلم يجده، ثم قال: فهل عندكم علم بوجوده ولو على ضعفٍ؟ وإلا أفدتم بما يستفيد به من يخشى اغتراره بذلك من أهل العلم أو غيرهم، فإن الأمر عظيمٌ، وقد كرر الله سبحانه الأمر بالوفاء في مواضع من كتابه العزيز، منها قوله عز من قائل: ﴿وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وأوفوا بعهد الله إذا
_________________
(١) يحيى بن مطهر بن إسماعيل بن يحيى بن الحسين بن القاسم، ولد في شهر جمادى الأولى سنة ١١٩٠ هـ، وطلب العلم على جماعة من مشايخ صنعاء كالقاضي العلامة عبد الله بن محمد مشحم، وله سماعات كثيرة. وقال الشوكاني في " البدر " رقم (٥٨٥): " وهو حال تحرير هذه الترجمة يقرأ علي في العضد وحواشيه، وفي شرح التجريد للمؤيد بالله، وفي شرحي للمنتقى، وفي مؤلفي المسمى " إتحاف الأكابر بإسناد الدفاتر "، وفي مؤلفي المسمى بـ " الدرر " وشرحه المسمى بالدراري. . . ". وقد سألني بسؤالات وأجبت عليها برسائل هي مجموعات الفتاوى، وله جدول مفيد جدا، وأشعار فائقة، ومعاني رائعة، ومكاتباته إلي موجودة في مجموع الأشعار المكتوبة إلي. وانظر: " التقصار " (٤٣٨ - ٤٣٩)، " نيل الوطر " (٢/ ٤١١ - ٤١٤).
(٢) لم يثبت كما قال الشوكاني في الجواب.
(٣) في هامش المخطوط ما نصه: في الأصل: وقال: إنه بحث عن ذلك، ولعله هو بحث عنه فما قبله ".
(٤) [الأنعام: ١٥٢].
[ ٤ / ١٨٧١ ]
عاهدتم﴾ (١)، وقوله: ﴿ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا﴾ (٢)، وقوله: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا﴾ (٣)، والأحاديث في ذلك لا تخفى.
وفي حديث أبي هريرة عند أبي داود (٤) والنسائي (٥): " ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون "، قال بعض الشراح: قوله: وأنتم صادقون يدل على تحريم الحلف على الشيء وهو يعتقد كذبه، فإن هذه هي اليمين الغموس (٦) المحرمة، انتهى.
فإذا كان هذا فيما يعتقد كذبه فكيف ما يعتقد صدقه ويحلف عليه ثم ينكث؟ فأحسنوا بالإفادة - أحسن الله إليكم - وبينوا معنى " لا عهد " هل المراد نفي الذات؟ فقد وقع كما وقع الفخر في حديث " أنا سيد ولد آدم ولا فخر " (٧)، قيل: المعنى: ولا فخر أكمل
_________________
(١) [النحل: ٩١].
(٢) [النحل: ٩٥].
(٣) [الإسراء: ٣٤].
(٤) في " السنن " رقم (٣٢٤٨).
(٥) في " السنن " (٧/ ٥ رقم ٣٧٦٩)، قلت: وأخرجه ابن حبان (ص ٢٨٦ رقم ١١٧٦ - موارد)، والبيهقي في " السنن الكبرى " (١٠/ ٢٩)، وهو حديث صحيح.
(٦) أخرج البخاري في صحيحه رقم (٦٦٧٥، ٦٨٧٠، ٦٩٢٠) من حديث عبد الله بن عمرو ﵁ قال: " جاء أعرابي إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: الإشراك بالله، قال: ثم ماذا؟ قال: ثم عقوق الوالدين، قال: ثم ماذا؟ قال: اليمين الغموس، قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: الذي يقتطع مال امرئ مسلم هو فيها كاذب ".
(٧) أخرجه الترمذي في " السنن " رقم (٣٦١٥)، وقال: وفي الحديث قصة، وهذا حديث حسن صحيح من حديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر ".
[ ٤ / ١٨٧٢ ]
منه (١)، أو ما يلازمها نحو يجب الوفاء به، أو يوجب الحنث فما المخصص، فالأدلة الصحيحة على أن كل عهد يجب الوفاء به أو التكفير عنه، وذلك كما يكون إتيانه عملا (٢) من أعمال البر، وهو معنى: ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم﴾ (٣) في وجه، وعلى فرض صحة هذا الحديث فهو لا يقوى لمعارضة غيره، ثم هل المراد بالظالم الحالف بمعنى أن حلفه وفجوره من جملة الظلم أو المراد المحلوف له؟ قال الله سبحانه: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار﴾ (٤) والركون الميل
_________________
(١) قاله الزركشي.
(٢) في المخطوط (غير)، ولعل الصواب (عملا).
(٣) [البقرة: ٢٢٤]، قال ابن كثير في تفسيره (١/ ٦٠٠): أي لا تجعلوا أيمانكم بالله تعالى مانعة لكم من البر وصلة الرحم إذا حلفتم على تركها.
(٤) [هود: ١١٣]، قال ابن كثير في تفسيره (٤/ ٣٥٤) عن ابن عباس: ولا تميلوا إلى الذين ظلموا، وهذا القول حسن، أي: لا تستعينوا بالظلمة فتكونوا كأنكم قد رضيتم بباقي صنيعهم. قال القرطبي في " الجامع لأحكام القرآن " (٩/ ١٠٨): قوله تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون) فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: (ولا تركنوا): الركون حقيقة الاستناد والاعتماد والسكون إلى الشيء والرضا به، قال قتادة: معناه لا تودوهم ولا تطيعوهم. . . وقال ابن زيد: الركون هنا الادهان، وذلك ألا ينكر عليهم كفرهم. الثانية: قرأ الجمهور: (ولا تركنوا) يفتح الكاف، قال أبو عمرو: هي لغة أهل الحجاز، وقرأ طلحة بن مصدف وغيرهما: (تركنوا) بضم الكاف، قال الفراء: وهي لغة تميم. الثالثة: قوله تعالى (إلى الذين ظلموا): قيل: أهل الشرك، وقيل: عامة فيهم وفي العصاة. . . وهذا هو الصحيح في معنى الآية، وأنها دالة على هجران الكفر والمعاصي من أهل البدع وغيرهم، فإن صحبتهم كفر أو معصية؛ إذ الصحبة لا تكون إلا عن مودة. . . الرابع: قوله تعالى: (فتمسكم النار) أي: تحرقكم بمخالطتهم ومصاحبتهم وممالأتهم على إعراضهم وموافقتهم في أمورهم.
[ ٤ / ١٨٧٣ ]
اليسير، وهو يشمل الأحوال حتى المجالسة والزيارة، فضلا عن المداهنة والرضى بالأعمال، فكيف يقبل عهده فضلا أن يتعهد له؟ وثلاث من كن فيه [١ أ] كن عليه: الثالثة: النكث، قال تعالى: ﴿فمن نكث فإنما ينكث على نفسه﴾ (١)، وقد ورد أن خلف الوعد ثالث النفاق إشارة إلى حديث: " آية المنافق (٢) ثلاث "، فكيف بنكث العهد؟ وفي الكشاف (٣) حديث رواه لا أدري صحته: " أسرع الخير ثوابًا صلة الرحم، وأعجل الشر عقابًا البغي واليمين الفاجرة " (٤) انتهى، فأحسنوا بالإفادة لا برحتم، انتهى السؤال.
وأقول - حامدًا لله، مصليًا مسلمًا على رسوله وآله -: إن الجواب عن هذا السؤال
_________________
(١) [الفتح: ١٠].
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (٣٣)، ومسلم رقم (٥٩) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان ".
(٣) (٣/ ١٢٧ - ١٢٨).
(٤) أخرجه ابن ماجه رقم (٤٢١٢)، وأبو يعلى في مسنده (٨/ ١٠ - ١١ رقم ٤٥١٢)، كلاهما من طريق معاوية بن إسحاق عن عائشة بنت طلحة عن عائشة ﵂، وهو حديث ضعيف جدا، انظر: " الضعيفة " رقم (٢٧٨٧)، وعوضًا عنه حديث أبي بكرة أخرجه أبو داود رقم (٤٩٠٢)، والترمذي رقم (٢٥١١)، وابن ماجه رقم (٤٢١١)، والحاكم رقم (٢/ ٣٥٦) و(٤/ ١٦٢ - ١٦٣). قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ولفظه: " ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة مثل البغي وقطيعة الرحم "، وهو حديث صحيح.
[ ٤ / ١٨٧٤ ]
النفيس يتحصل في أبحاث:
البحث الأول: إن هذا اللفظ - أعني: " لا عهد لظالم " - لم يكن من كلام النبوة، ولا من كلام أحد من الصحابة، ولا من كلام أحد من أهل العلم الذين هم أهله، وإنما هو جرى في هذه الديار على ألسن كثير من العوام، فاستروح إليه من يريد الغدر في عهده، والنكث في عقده، والحنث في يمينه، وهو استرواح إلى الباطل البحت، وركون على السراب، وتشبث بالهباء، وكل من لديه أدنى علم وأحقر عرفان يعلم أن هذه العهود والعقود التي شدد الله سبحانه في كتابه العزيز في الوفاء بها، ويهدد ويوعد من نكث عهده وغدر في عقده في مواضع كثيرة، منها ما ذكره السائل - كثر الله فوائده - هي واردة في معاهدة المشركين ومعاقدة الكافرين، لا خلاف في ذلك، كما تدل عليه أسباب النزول، وأهل الشرك هم أهل الظلم الكامل البالغ إلى أعلى المبالغ، ولهذا يقول الله سبحانه: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ (١) ولا شك أن الاعتبار بعموم اللفظ (٢) لا بخصوص السبب، فتشمل الآيات والأحاديث المعاهدة للمسلمين، والمعاقدة لأهل الظلم منهم، بل تناولها للمعاهدة للمسلمين هو من باب فحوى الخطاب وقياس الأولى؛ لأن المسلم أولى أن يحفظ عهده والوفاء بعقده من المشرك، وإذا لم يسوغ شرك المشرك وظلمه النقض لعهده، والغدر بعقده وعدم الوفاء له، فكيف يجوز ذلك في عهد المسلم وعقده؟ وبالجملة فهذا معلوم بأدلة الكتاب (٣) والسنة وبإجماع المسلمين
_________________
(١) [لقمان: ١٣].
(٢) انظر: " الكوكب المنير " (٣/ ١٧٧)، " اللمع " ص ٢٢.
(٣) قال تعالى: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون) [النحل: ٩١]. قال تعالى: (إنما يتذكر أولو الألباب الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق) [الرعد: ١٩ - ٢٠]، قال تعالى: (والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار) [الرعد: ٢٥].
[ ٤ / ١٨٧٥ ]
أجمعين، لا يعرف عن أحد منهم في ذلك خلاف، وكما اتفقوا على تحريم الغدر وترك الوفاء بالعهد فقد اتفقوا على أن الأحاديث الصحيحة الواردة [١ ب] في أن الغدر في العهد من خصال المنافقين، وأنه يدخل عهد المسلم للمسلم تحت ذلك دخولا أوليا، وكذلك اتفقوا على أن ما ورد في الأحاديث الصحيحة أنه ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة (١)، ويقال: هذه غدرة فلان، يتناول عهد المسلم للمسلم تناولا أوليا لا شك في هذا ولا ريب، والحاصل أن الوفاء بالعهود، وعدم جواز نكثها، والمخالفة لمضمونها، هو قطعي من قطعيات الشريعة.
ولو نتبع ما في الكتاب العزيز والسنة المطهرة من ذلك لجاء في مؤلف مستقل، يعلم ذلك كل من له علم بالكتاب والسنة، فكيف يتمسك من يؤمن بالله واليوم الآخر بهذه الفرية التي ليس فيها مرية، وتعارض بها قطعيات الشريعة التي هي فيها كالجبال الرواسي؟ فلو قدرنا أن لهذا اللفظ المكذوب والكلام الموضوع وجهًا يعرف به لم يحل لمؤمن أن يتمسك به، أو يعارض به ما هو قطعي من قطعيات الشريعة، بل لو قدرنا أنه قد خرج من مخرج صحيح أو حسن لم يحل نصبه في مقابلة آيات القرآن الكثيرة العدد، الوافرة المدد، والأحاديث المتواترة تواترًا، لا يخفى هذا إلا على من لا يدري بما في الكتاب والسنة، فكيف وهذا اللفظ باطل باطل قد تبرمت عنه المؤلفات في الأحاديث الموضوعة المكذوبة، فضلا عن مجاميع السنة ومسانيدها؟ وفي هذا المقدار من هذا البحث كفاية، فإن
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٣١٨٦ و٣١٨٧)، ومسلم رقم (١٣/ ١٧٣٦) من حديث عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: " لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به، يقال: هذه غدرة فلان ". وأخرج مسلم في صحيحه رقم (٩/ ١٧٣٥) من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: " إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع لكل غادر لواء، فقيل: هذه غدرة فلان بن فلان ".
[ ٤ / ١٨٧٦ ]
الكلام إنما نحتاج إليه على شيء له وجود ونسبة إلى الصحة أو الحسن أو الضعف، فكيف نحتاج إليه على شيء لا وجود له إلا على ألسن العوام الذين يجري على ألسنهم كل زور وفحشٍ وخطلٍ من القول وباطل من الكلام!.
البحث الثاني: اعلم أن العهد قد يظن كثير من الناس أن المراد به اليمين لا غير، وهو ظن فاسد وتخيل مختل، فالعهد يطلق في الغالب على الأمان، وأكثر الآيات والأحاديث واردة في العهد بهذا المعنى، وورد بمعنى [٢ أ] الوصية، ومنه حديث علي بن أبي طالب ﵁: " إنه لعهد النبي الأمي أن لا يجني إلا مؤمن " (١) الحديث.
وحديث عبد بن زمعة حيث قال: " في ابن وليدة زمعة، وهو ابن أخي عهد إلي فيه " (٢)، ومن ذلك حديث: " تمسكوا بعهد ابن أم عبد " (٣)، أي: ما يوصيكم به، ويطلق أيضًا على الذمة.
_________________
(١) أخرجه ابن عدي في " الكامل " (٦/ ٢٣٤٠)، وفيه موسى بن طريف من غلاة الشيعة، وانظر: " الذخيرة " رقم (٤٤٦٠).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (٢٠٥٣ و٢٢١٨ و٢٤٢١ و٢٥٣٣ و٢٧٤٥ و٤٣٠٣ و٦٧٦٥ و٦٨١٧، ٧١٨٢). ومسلم في صحيحه رقم (٣٦/ ١٤٥٧) من حديث عائشة قالت: " اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة إلى رسول الله ﷺ، فقال سعد: يا رسول الله ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلي أنه ابنه، انظر إلى شبهه، وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله ﷺ، ولد على فراش أبي، فنظر رسول الله ﷺ إلى شبهه فرأى شبهًا بينًا بعتبة، فقال: هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش، وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة ".
(٣) وهو جزء من حديث أخرجه الطبراني في " الأوسط " رقم (٥٨٤٠)، وأورده الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٩/ ٢٩٥)، وقال: وفيه يحيى بن عبد الحميد الحماني، وهو ضعيف. وأخرجه الفسوي في " المعرفة والتاريخ " (١/ ٤٨٠)، والحاكم (٣/ ٧٥) من طرق، وصححه وأقره الذهبي، وأخرجه ابن حبان رقم (٢١٩٣ - موارد). وتكلم عليه الألباني في " الصحيحة " رقم (١٢٣٣)، فانظره. وخلاصة القول أن الحديث صحيح لغيره، والله أعلم.
[ ٤ / ١٨٧٧ ]
ومنه حديث: " لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده (١) بكافر " (٢)، وكذلك حديث: " من قتل معاهدًا " (٣)، وورد بمعنى اليمين، ومنه حديث: " وأنا على عهدك ووعدك " (٤)، أي: على ما عاهدتك عليه من الإيمان بك، وفي كونه معنى اليمين وردت آيات وأحاديث.
قال في الصحاح (٥): العهد: الأمان واليمين والموثق والذمة والحفاظ والوصية، وقد عهدت إليه: أي: أوصيته، ومنه اشتق العهد الذي يكتب للولاة، ويقول: علي عهد الله لأفعلن كذا، ثم قال: وعهدته مكان كذا: أي: لقيته، وعهدي به قريب، وقول الشاعر (٦):
_________________
(١) أخرجه أحمد (١/ ١١٩)، والنسائي (٨/ ١٩ - ٢٠)، وأبو داود في " السنن " رقم (٤٥٣٠)، والحاكم في " المستدرك " (٢/ ١٤١) من حديث قيس بن عباد، وفيه: ". . . المؤمنون تكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده، من أحدث حدثًا فعلى نفسه، ومن أحدث حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ".
(٢) من هامش المخطوط ما نصه: ليست هذه اللفظة - أعني بكافر - في الحديث، وإنما ذكرها من حمل الحديث في العطف على النسق الأول على وجه التقدير لتصحيح الكلام، فالعجب من الكاتب حيث أدرجها في الحديث على وهمه.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (٣١٦٦)، وطرفه (٦٩١٤) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: " من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا ".
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (٦٣٠٦)، وطرفه (٦٣٢٣) من حديث شداد بن أوس ﵁ عن النبي ﷺ: " سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، قال: ومن قالها من النهار مؤمنا بها، فمات من يومه قبل أن يمسي، فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو مؤمن بها، فمات قبل أن يصبح، فهو من أهل الجنة ".
(٥) (٢/ ٥١٥).
(٦) قيل: هو أبو خراش الهذلي.
[ ٤ / ١٨٧٨ ]
وليس كعهد الدار يا أم مالك ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل
أي: ليس الأمر كما عهدت، ولكن جاء الإسلام فهدم ذلك، وفي الحديث: " إن كرم العهد من الإيمان " (١)، أي: رعاية المودة، انتهى.
قال في النهاية (٢): ويكون بمعنى اليمين والأمان والذمة والحفاظ والرعاية والحرمة والوصية، ولا تخرج الأحاديث الواردة فيه عن أبي أحد هذه المعاني، انتهى.
وذكر في القاموس (٣) هذه المعاني، وزاد منها التقدم إلى المرء في الشيء والتوحيد، قال: ومنه: ﴿إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا﴾ (٤).
والحاصل أنه ورد استعمال العهد في جميع هذه المعاني، في بعضها بكثرة، وفي بعضها بقلة، والسياقات والأسباب ترشد إلى ما هو المراد، وما ورد في الكتاب والسنة من الأمر بالوفاء بالعقود فالمراد بها العهود، قال في الصحاح (٥): والمعاقدة المعاهدة، وكذا سائر كتب (٦) اللغة.
البحث الثالث: الجواب عن قوله - عافاه الله -: وبينوا معنى لا عهد، فيقال: قد قدمنا أن هذا الكلام لم يصح بوجه من الوجوه، بل هو باطل مكذوب موضوع، فالتعرض لبيان معناه شغلة بلا فائدة، وإن كان ولا بد من بيان ما يريد به من يتكلم به من العوام [٢ ب] فهم يريدون (٧) أنه إذا وقع من الحلف لمن يزعم أنه ظالم فإن هذا العهد كلا عهد، ووقوعه في الخارج لا حكم له، بل كأن لم يكن.
_________________
(١) فلينظر من أخرجه؟
(٢) (٣/ ٣٢٥) لابن الأثير.
(٣) (ص ٣٨٧).
(٤) [مريم: ٨٧].
(٥) (٢/ ٥١٠)
(٦) " كلسان العرب " (٩/ ٤٤٩).
(٧) في هامش المخطوط: يريدون نفي الذات وما يلازمها، السؤال بما له.
[ ٤ / ١٨٧٩ ]
البحث الرابع: الجواب عن قوله - كثر الله فوائده - حاكيًا عن غيره أن معنى: " أنا سيد ولد آدم ولا فخر " أن المعنى لا فخر أكمل منه، فيقال: هذا المعنى لم يكن المقصود من هذا الحديث الصحيح، بل المقصود منه أنه ﵌ أخبر الناس عن هذه المزية التي جعلها الله له، وهي السيادة العامة (١) الثابتة على جميع ولد آدم، وإنه لم يقصد بذلك إلا إخبارهم بما من الله به عليه وشرفه به، لا أنه مقدر بذلك الفخر، فإنه منهي عنه بالكتاب والسنة، فكيف يصدر عنه؟ (٢)
البحث الخامس: الجواب عن قوله - كثر الله فوائده -: هل المراد بالظالم الحالف، بمعنى أن حلفه وفجوره من جملة الظلم، أو المراد المحلوف له إلخ؟ فيقال: مرادهم بهذا الكلام المكذوب الباطل أنهم إذا حلفوا لمن يعتقدون أنه ظالم فإن هذه اليمين لا تلزمهم، ولا تثبت عليهم حكمًا، ولا يتعلق لهم إرادة للمعنى الأول؛ لأنهم إنما يريدون تخليص أنفسهم عما أخذ عليهم من اليمين أو الأمان أو البيعة أو نحو ذلك.
البحث السادس: الجواب عن قوله: " ثلاث من كن فيه كن عليه " إلخ، فيقال: لم يكن هذا اللفظ حديثًا ولا مرويًا عن صحابي، ولكن قال بعض العلماء: ثلاث يعود
_________________
(١) قال النووي في شرحه لصحيح مسلم (٣/ ٦٦): إنما قال هذا ﷺ تحدثًا بنعمة الله تعالى، وقد أمره الله تعالى بهذا، ونصيحة لنا بتعريفنا حقه ﷺ. وقال القاضي عياض: قيل: السيد: الذي يفوق قومه والذي يفزع إليه في الشدائد، والنبي ﷺ سيدهم في الدنيا والآخرة. وقال القرطبي في " المفهم " (١/ ٤٢٦): أي: المقدم عليهم، والسيد هو الذي يسود قومه، أي: يفوقهم بما جمع من الخصال الحميدة بحيث يلجئون إليه، ويعولون عليه في مهماتهم، وقد تحقق كمال تلك المعاني كلها لنبينا محمد ﷺ في ذلك المقام الذي يحمده ويغبطه فيه الأولون والآخرون، ويشهد له بذلك النبيون والمرسلون، وهذه حكمة عرض الشفاعة على خيار الأنبياء، فكلهم تبرأ منها ودلى على غيره إلى أن بلغت محلها، واستقرت في نصابها.
(٢) في هامش المخطوط في المقدر الذي يقتضيه المقام مصححًا لهذا المعنى؛ لأنه وقع ما يقدر الافتخار، ومن هو في مقام النبوة أبعد عن القصد إلى ما لا يليق، وأحرص على كل حسن.
[ ٤ / ١٨٨٠ ]
وبالها على فاعلها: النكث فإن الله تعالى يقول: ﴿فمن نكث فإنما ينكث على نفسه﴾ (١)، والمكر فإن الله تعالى يقول: ﴿ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله﴾ (٢)، والخدع فإن الله تعالى يقول: ﴿يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم﴾ (٣)، وها هنا رابعة وهي البغي، قال الله ﷿: ﴿يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم﴾ (٤)، وفي هذا كفاية.
انتهى ما أفاده شيخنا القاضي العلامة البدر الشوكاني عافاه الله، وكثر فوائده، آمين [٣ أ].
_________________
(١) [الفتح: ١٠].
(٢) [فاطر: ٤٣].
(٣) [البقرة: ٩].
(٤) [يونس: ٢٣].
[ ٤ / ١٨٨١ ]