تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
[ ٥ / ٢٥٧٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله على محمد وآله وصحبه.
ما تقولون- رضي الله عنكم وأرضاكم- في أنه ثبت في الخصائص النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام أن نبي الله﵌- لا يحتلم، وأن الاحتلام من قبل الشيطان- أعاذنا الله منه- مع الحديث الثابت في الصحاح (١) عن أم المؤمنين عائشة زوج النبي﵌-: «كنت أفركه من ثوب رسول الله﵌- ويصلي فيه». هذا معنى الحديث. أفيدوا جزاكم الله خيرًا.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٦/ ١٢٥، ١٣٢) ومسلم (١/ ٢٣٨ رقم ١٠٥/ ٢٨٨). وأبو داود رقم (٣٧١، ٣٧٢) والترمذي (١/ ١٩٨ رقم ١١٦) وقال: حديث حسن صحيح. والنسائي (١/ ١٥٦، ١٥٧) وابن ماجه (١/ ١٩٧ رقم٥٣٨). عن عائشة قالت: كنت أفرك المني من ثوب ثوب رسول الله ﷺ ثم يذهب فيصلي فيه «وهو حديث صحيح». * وأخرجه أحمد (٦/ ٢٤٣) بسند حسن. عن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ يسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر ثم يصلي فيه ويحته من ثوبه يابسًا ثم يصلي فيه». وأخرج البخاري في صحيحه رقم (٢٢٩، ٢٣٠) و(٢٣١، ٢٣٢) ومسلم رقم (١٠٨/ ٢٨٩) عن عائشة ﵁: «كنت أإسله من ثوب رسول الله ﷺ ثم يخرج إلى الصلاة وأثر الغسل في ثوبه بقع الماء». وهو حديث صحيح. وأخرج الدارقطني في «السنن» (١/ ١٢٥ رقم٣). عنها ﵁: «كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ إذا كان يابسًا وأغسله إذا كان رطبًا». وهو حديث صحيح.
[ ٥ / ٢٥٨١ ]
الحمد لله رب العالمين
الجواب- والله الهادي- أنه قد ذهب جمع من العلماء إلى استحالة الاحتلام في حقه﵌-، قالوا: لأنه من تلاعب الشيطان بالئائم، وجزموا بأن المني (١) الذي كان على ثوبه﵌- ليس إلا من الجماع، ويقويه أنه لا ملازمة بين كون المني موجودًا في ثوبه، وبين كونه عن احتلام، لا عقلًا ولا عادة، لاحتمال أن يكون مما بقي في الذكر من أثر الجماع، أو مما يحصل عند مقدمات الجماع، كما حكى ذلك النووي (٢) عن جماعة من العلماء.
وذهب قوم جمع إلى منع الاستحالة، ومنع كون الاحتلام من تلاعب الشيطان (٣)، وجزموا بأنه جائز منه﵌- وبأنه من فيض البدن الخارج في بعض الأوقات، فالقائلون بأن عدم الاحتلام من خصائصه﵌-
_________________
(١) قال ابن الأثير «النهاية» (٤/ ٣٦٨): «المني» بالتشديد، وهو ماء الرجل وقد مني الرجل وأمنى، واستمنى إذا استدعى خروج المني.
(٢) في شرحه لصحيح مسلم (٣/ ١٩٨ - ١٩٩).
(٣) أخرج البخاري في صحيحه رقم (٧٠٠٥) ومسلم في صحيحه رقم (٢٢٦١) عن أبي سلمة عن أبي سلمة عن أبي قتادة الأنصاري وكان من أصحاب النبي ﷺ وفرسانه- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان. فإذا حلم أحدكم الحلم يكرهه فليبصق عن يساره وليستعذ بالله منه فلن يضره». قال الحافظ في «الفتح» (١/ ٣٣٢ - ٣٣٣): وليس بين حديث الفك تعارض لأن الجمع بينهما واضح على القول بطهارة المني بأن يحمل الغسل على الاستحباب للتنظيف لا على الوجوب وهذه طريقة الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث. وكذا الجمع ممكن على القول بنجاسته بأن يحمل الغسل على ما كان رطبًا والفرك على ما كان يابسًا وهذه طريقة الحنفية. قال الحافظ والطريقة الأولى أرجح لأن العمل بالخبر والقياس معًا لأنه لو كان نجسًا لكان القياس وجوب غسله دون الاكتفاء بفركه كالدم وغيره وهم لا يكتفون فيما لا يعفى عنه من الدم بالفرك. ويرد الطريقة الثانية أيضًا ما في رواية ابن خزيمة من طريق أخرى عن عائشة: «كانت تسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر ثم يصلي فيه، وتحكه من ثوب يابسًا ثم يصلي فيه». فإنه تضمن ترك الغسل في الحالتين. وقال الأمير الصنعاني في «حواشي العدة» (١/ ٤٠٠ - ٤١١): قال الأولون: هذه الأحاديث في فركه وحته إنما في منيه ﷺ وفضلاته ﷺ طاهرة فلا يلحق به غيره. وأجيب عنه بأنها أخبرت عائشة عن فرك المني من ثوبه فيحتمل أنه عن جماع وقد خالطه مني المرأة فلم يتعين أنه منيه ﷺ وحده. والاحتلام على الأنبياء غير جائز، لأنه من تلاعب الشيطان، ولا سلطان له عليهم، ولئن قيل: إنه يجوز أنه منيه ﷺ وحده، وأنه من فيض الشهوة بعد تقدم أسباب خروجه من ملاعبة ونحوها، وأنه لم يخاطه غيره فهو محتمل ولا دليل مع الاحتمال. وذهبت الحنفية إلى نجاسة المني كغيرهم ولكن قالوا: يطهره الغسل، أو الفرك، أو الإزالة بالإذخر أو الخرقة عملًا بالحديثين.
[ ٥ / ٢٥٨٢ ]
هم الأولون. ولا يشكل الحديث على قولهم، لأنهم قد تخلصوا عنه بما سلف.
والقائلون بأن ذلك ليس من خصائصه، وهم الآخرون لا إشكال يرد عليهم والله أعلم.
انتهي جواب سيدي القاضي عين أعيان العلماء المجتهدين، عز الدين محمد بن على الشوكاني- حفظه الله- كما حفظ من الذكر المبين، وجعله قرة عين المسلمين آمين آمين آمين.
[ ٥ / ٢٥٨٣ ]