تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حقَّقه وعلَّق عليه وخرَّج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
[ ٥ / ٢٦٥٢ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا حمد الأمين، وآله الطاهرين، وبعد:
فإنه ورد السؤال عن حديث ذي اليدين (١) المشهور، كيف توجيهه فيما وقع منه﵌- من الكلام، هو وجماعة من الصحابة (٢)، ثم وقع منه
_________________
(١) قال الحافظ صلاح الدين العلائي في «نظم الفوائد» (ص٦١): فيما يتعلق بذي اليدين، وللناس فيه خلاف في موضوعين: أحدهما: في أنه ذو الشمالين أو غيره. والثاني: في أن ذا اليدين هل هو الخرباق المذكور في حديث عمران بن حصين أم هما اثنان؟ أما الأول فجمهور العلماء على أن ذا اليدين المذكور في حديث السهو هذا من رواية أبي هريرة غير ذي الشمالين. وهذا هو الصحيح الراجح إن شاء الله. والحجة لذلك: ما ثبت من طرق كثيرة أن أبا هريرة ﵁ كان حاضرًا هذه القصة يومئذ خلف رسول الله ﷺ. كذلك رواه حماد بن زيد عن أيوب السختياني عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي. أخرجه مسلم رقم (٩٨) وأبو داود رقم (١٠٠٨). ثم تابع الحافظ عرض من روى ذلك فقال هذه طرق صحيحة ثابتة يفيد مجموعها العلم النظري. أن أبا هريرة ﵁ كان حاضرًا القصة يومئذ ولا خلاف أن إسلامه كان سنة سبع، أيام خير ثم لا خلاف بين أهل السير أن ذا الشمالين استشهد يوم بدر سنة اثنتين ﵁. قال ابن إسحاق: ذو الشمالين هو عمير بن عبد عمرو بن نضلة (ابن عمرو) ابن غبشان بن سليم ابن مالك بن أحصى بن خزاعة حليف بني زهرة. قال أبو بكر الأثرم: مسدد بن مرهد يقول: الذي قتل ببدر هو ذو الشمالين ابن عبد عمرو حليف لبني زهرة وذو اليدين رجل من العرب كان يكون بالبادية فيجيء فيصلي مع النبي ﷺ. ثم قال: وثبت أيضًا عن أبي هريرة من طريق في الحديث: فقام رجل من بني سليم يقال له ذو اليدين وذو الشمالين خزاعي كما قال ابن إسحاق.
(٢) من الصحابة: أبو هريرة ﵁. عمران بن حصين ﵁. عبد الله بن الزبير ﵁. ومن التابعين:
(٣) محمد بن سيرين ﵁.
(٤) عطاء بن أبي رباح ﵁. نص الحديث من رواية أبي هريرة: عن ابن سيرين عن أبي هريرة ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي فصلى بنا ركعتين ثم سلم فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى وشبك بين أصابعه، ووضع خده الأيمن على كفه اليسرى، وخرجت السرعان من أبواب المسجد، فقالوا: قصرت الصلاة، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهاباه أن يكلماه، وفي القوم رجل يقال له «ذو اليدين» فقال: يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة؟ قال: «لم أنس ولم تقصر». فقال: «أكمال يقول ذو اليدين» فقالوا: نعم. فتقدم فصلى ما ترك ثم سلم، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، فربما سألوه: ثم سلم؟.
[ ٥ / ٢٦٥٧ ]
ومنهم بعد ذلك البناء على ما قد فعلوه من الصلاة قبل الخروج بالسلام الذي وقع سهوًا؟.
وأقول مستعينًا بالله، ومتكلًا عليه: اعلم أن هذا الحديث قد اتفق جميع أهل الإسلام على أنه حديث صحيح (١) ثابت، ولم يخالف في ذلك أحد، وغاية ما جاء به من لم يعمل بظاهره هو مجرد التأويل بالوجوه المستعدة، أو الإعلان له بما لا يقدح في صحته بإجماع أهل هذا الشأن. ولا خلاف في ثبوته وصحنه من طريق أبي هريرة (٢)، وهو في جميع دواوين الإسلام كذلك، وله طرق كثيرة، وألفاظ متعددة، قد جمعها الحافظ صلاح الدين العلائي (٣)، فبلغت إلى شيء كثير، وليس هذا الحديث مما انفرد بروايته
_________________
(١) سيأتي تخريجه.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحة رقم (١٢٢٩) ومسلم رقم (٩٧/ ٥٧٣) وفي رواية لمسلم رقم (٩٩/ ٥٧٣) صلاة العصر. وهو حديث صحيح. وفي رواية لأبي داود رقم (١٠٠٨) فقال: «أصدق ذو اليدين» فأومأوا: نعم، وهي في الصحيحين، لكن بلفظ فقالوا. وهو حديث صحيح.
(٣) كتاب «نظم الفوائد» لما تضمنه حديث ذي اليدين من الفوائد.
[ ٥ / ٢٦٥٨ ]
أبو هريرة كما يظن ذلك كثير ممن [١أ] له شغلة بعلم الحديث، بل قد روى من طريق غيره، فرواه أبو داود (١)، وابن ماجه (٢)، من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب، ورواه البزار في مسنده (٣)، والطبراني (٤) من طريق بن عباس، ورواه في زيادات المسند، والبيهقي (٥) من حديث ذي اليدين نفسه، ورواه الطبراني في «الأوسط» (٦) من حديث عبد الله بن مسعدة، ورواه أبو داود (٧)، والنسائي (٨) من طريق ابن خديج، ورواه الطبراني في «الكبير» (٩) من طريق أبي العريان؛ فهؤلاء جماعة من الصحابة رووا هذا الحديث عن رسول الله﵌- وقد روى مثل هذه القصة عمران بن حصين، فأخرج ذلك عنه مسلم (١٠)، وأبو داود (١١)، والنسائي (١٢)،
_________________
(١) في «السنن» رقم (١٠١٧).
(٢) في «السنن» رقم (١٢١٣). وهو حديث صحيح.
(٣) (١/ ٢٧٨ رقم ٥٧٨ - كشف).
(٤) في «الكبير» (١١/ ١٩٩ رقم ١١٤٨٤). وأورده الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٢/ ١٥١) وقال: رواه أحمد البزار والطبراني في «الكبير» و«الأوسط» ورجال أحمد رجال الصحيح.
(٥) في «السنن» (٢/ ٣٦٠).
(٦) رقم (٢٣٢٣) وأورده الهيثمي في «المجمع» (٢/ ١٥٢ - ١٥٣) وقال: رجاله رجال الصحيح. خلا شيخ الطبراني إبراهيم بن محمد بن برة.
(٧) رقم (١٠٢٣).
(٨) في «السنن» رقم (٦٦٤). وهو حديث صحيح.
(٩) (٢٢/ ٣٧١ رقم٩٣٠). وأورده الهيثمي في «المجمع» (٢/ ١٥٢) وقال: رواه الطبراني في «الكبير» ورجاله رجال الصحيح.
(١٠) في صحيحة رقم (٥٧٤).
(١١) (١٠١٨).
(١٢) في «السنن» (١٣٣١، ١٢٣٧).
[ ٥ / ٢٦٥٩ ]
وابن ماجه (١)، وغيرهم (٢).
وقد ذهب الجمهور من الصحابة والتابعين وتابعيهم، ومن أئمة السلف، ومن بعدهم إلى أن هذا الحديث شريعة ثابتة لجميع المسلمين، وأنه يرد ما يخالفه ولا يعارضه، وأن ما تستنكره الأذهان من البناء على ما تقدم من الصلاة بعد السلام الواقع سهوًا، وبعد الكلام فله تأويل صحيح، ووجه مقبول جار على أساليب الشريعة المطهرة، وموافق لمنهجها القويم على حسب ما يأتي تقويم ذلك- إن شاء الله-.
وقد حكى هذا المذهب النووي في شرح مسلم (٣) عن الجمهور [١ب]، ونقله ابن المنذر (٤) عن ابن مسعود، وابن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعن عروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وقتادة في أحد الروايتين عنه، وحكاه الحازمي عن عمرو بن دينار.
وممن قال به مالك، والشافعي (٥)، وأحمد، وأبو ثور، وابن المنذر. وحكاه أيضًا الحازمي عن نفر من أهل الكوفة، وعن أكثر أهل الحجاز، وأكثر أهل الشام، وعن سفيان الثوري.
وبالجملة فكل من قال من أهل العلم بالفرق بين كلام الساهي والجاهل، وبين كلام العامد يقول: يستأنف بهذا الحديث، ويعمل عليه. وأما القائلون بأنه لا فرق بين كلام الساهي والجاهل، وبين كلام العامد، وهو الجمهور من أئمتنا، وقد حكاه الترمذي (٦)
_________________
(١) في «السنن» رقم (١٢١٥).
(٢) كأحمد (٤/ ٤٢٧) وابن خزيمة رقم (١٠٥٤) والبيهقي (٢/ ٣٣٥، ٣٥٤) وأبو عوانة (٢/ ٢١٦) من طرق. وهو حديث صحيح.
(٣) (٥/ ٧١).
(٤) انظر: «المجموع» (٤/ ٨٥).
(٥) «الأم» (١/ ١٢٤).
(٦) في «السنن» (٢/ ٢٣٧).
[ ٥ / ٢٦٦٠ ]
عن أكثر أهل العلم، وقد حكاه أيضًا عن الثوري، وابن المبارك. وبه قال النخعي، وحماد بن أبي سليمان، والإمام أبو حنيفة، فهؤلاء وإن قالوا إنه لا فرق بين كلام وكلام، وأنه جميعه يفسد الصلاة، فإنهم يقولون بأن هذا الحديث أعني: حديث ذي اليدين، حديث صحيح، معمول به، مقبول، ولكنهم احتاجوا إلى تأويله، لأنه قد دل على أن الكلام إذا وقع على الصفة التي وقع عليها في هذا الحديث فإنه لا يفسد الصلاة، والتأويل [٢أ] لا ينافي الصحة بإجماع أهل هذا الشأن.
لإغذا تقرر لك أن هذا الحديث لا خلاف في صحته بين جميع طوائف أهل الإسلام، وأنه من الأحاديث المتلقاة بالقبول عند جميع أهل العلم، بل من الأحاديث المتواترة من التابعين فما بعدهم، بل لا يبعد أن يقال: أن الذين رووه من الصحابة قد بلغوا عدد التواتر فحسبما قدمنا بيانه، فالواجب العمل بهذا الذي صح عن رسول الله﵌- بإجماع أمته، فنقول: من جرى له في صلاته مثل ما جرى لرسول الله﵌- بإجماع أمته، فنقول: من جرى له في صلاته مثل ما جرى لرسول الله﵌- في حديث ذي اليدين هذا كان عليه أن يقتدي برسول الله﵌- ويعمل كمل عمل؛ فإن هذا الذي فعل هذا الفعل هو معلم الشرائع، الذي جائنا بها عن الله- سبحانه-، فلا فرق بين هذا الحكم الشرعي وبين غيره من أحكام الشريعة المطهرة، إلا مجرد الشكوك والأوهام، فإذا قال قائل: قد صح عن رسول الله﵌- ما يخالف ذلك، فأخرج البخاري (١) ومسلم (٢)، وأبو داود (٣)، والترمذي (٤) والنسائي (٥)، وأحمد بن حنبل في «المسند» (٦)
_________________
(١) في صحيه رقم (١٢٠٠).
(٢) في صحيحة رقم (٣٥/ ٥٣٩).
(٣) في «السنن» (٩٤٩).
(٤) في «السنن» رقم (٤٠٥).
(٥) في «السنن» (٣/ ١٨).
(٦) (٤/ ٣٦٨).
[ ٥ / ٢٦٦١ ]
أن زيد بن أرقم: كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل منا صاحبه وهو إلى جنبه في هذه الصلاة، حتى نزلت: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ (١) فأمرنا بالسكوت [٢ب]، نهينا عن الكلام.
وهذا الحديث أيضًا قد ثبت عند الشيخين (٢) من حديث جابر، وعند الطبراني (٣) من حديث عمار، وعند الطبراني (٤) أيضًا من حديث أبي أمامة، وعند البزار (٥) من حديث أبي سعيد، فيجاب بأنه لا مخالفة بين هذا الحديث، وبين حديث زي اليدين، ولا معارضة، فهذا الحديث يعم كل كلام من غير فرق بين كلام العامد، والساهي، والجاهل، لأن الألف واللام في لفظ الكلام من قوله: نهينا عن الكلام تفيد العموم، وهذا الحديث المسئول عنه أعني حديث ذي اليدين خاص فيبني العام على الخاص، ويكون الكلام المفسد للصلاة هو كلام العامد دون غيره، ولا عذر عن هذا على مقتضى القواعد الأصولية، ولا يصح أن يدعي مدع، أو يزعم زاعم بأن هذا الفعل لا يصلح لتخصيص القول العام، لأن البناء في حديث ذي اليدين قد وقع من النبي﵌- ومن غيه من الصحابة الحاضرين في المسجد في ذلك الجمع، فليس هذا
_________________
(١) [البقرة: ٢٣٨].
(٢) أخرجه البخاري في صحيحة رقم (١٢١٧) ومسلم رقم (٣٦/ ٥٤٠). قلت: وأخرجه ابن ماجه رقم (١٠١٨) والنسائي (٣/ ٦ رقم ١١٨٩). والبيهقي (٢/ ٢٥٨) وأحمد (٣/ ٣٣٤).
(٣) ذكره الهيثمي في «المجمع» (٢/ ١٨) وقال رواه الطبراني في «الكبير» ورجاله ثقات.
(٤) في «الكبير» رقم (٧٨٥٠) وأورده الهيثمي في «المجمع» (٢/ ٨١) وقال: رواه الطبراني في «الكبير» وفيه عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد وهما ضعيفان.
(٥) في مسنده (١/ ٢٦٨ رقم ٥٥٤ - كشف). وأورده الهيثمي في «الجمع» (٢/ ٨١) وقال: رواه البزار وفيه عبد الله بن صالح كاتب الليث وثقه عبد الملك بن شعيب بن الليث فقال: ثقه مأمون وضعفه الأئمة أحمد وغيره.
[ ٥ / ٢٦٦٢ ]
الفعل مما يخصه، ثم هذا الدليل الخاص متأخر عن النهي العام بإجماع أهل النقل، والخاص المتأخر صالح للتخصيص كما هو مذهب الجمهور من أهل الأصول.
وإنما قلنا [٣أ]: إنه متأخر لأنه قد أخرج البخاري (١) ومسلم (٢) وغيرهما (٣) من حديث بن مسعود قال: كنا نسلم على النبي﵌- وهو في الصلاة، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا، فقلنا: يا رسول الله، كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا فقال: «إن في الصلاة لشغلًا».
وفي رواية لأحمد (٤)، والنسائي (٥)، وأبي داود (٦)، وابن حبان في صحيحة (٧) قال: «كنا نسلم على النبي﵌- إذ كنا بمكة قبل أن نأتي أرض الحبشة، فلما قدمنا من أرض الحبشة أتيناه فسلمنا عليه، فلم يرد، فأخذني ما قرب وما بعد حتى قضوا الصلاة، فسألته، فقال: «إن الله يحدث في أمره ما يشاء، وإنه قد أحدث من أمره أن لا نتكلم في الصلاة».
فهذا الحديث قد أفاد أن مهاجرة الحبشة ما رجعوا من هجرتهم إلا وقد حرم الله الكلام في الصلاة، بخلاف حديث ذي الين، فإن الراوي له أبو هريرة عن مشاهدة، وإسلام (٨) أبي هريرة إنما كان عند فتح خيبر، وما قيل من صاحب القصة قتل ببدر فقد أتفق أئمة الحديث كما نقله ابن عبد
_________________
(١) في صحيحة رقم (١١٩٩).
(٢) في صحيحة رقم (٥٣٨).
(٣) كابن خزيمة في صحيحة رقم (٨٥٥، ٨٥٨). وهو حديث صحيح.
(٤) في «المسند» (١/ ٣٧٧).
(٥) في «السنن» (٣/ ١٩).
(٦) في «السنن» رقم (٩٢٤).
(٧) في صحيحة رقم (٢٢٤٣، ٢٢٤٤). وهو حديث صحيح.
(٨) انظر «الطبقات» لابن سعد (٤/ ٣٢٧). «الإصابة» (٧/ ٤٣٥).
[ ٥ / ٢٦٦٣ ]
البر (١) وغيره على أن ذلك وهم من الزهري، وأنه جعل القصة لذي الشمالين، وذو الشمالين (٢) هو الذي قتل ببدر، وهو خزاعي، واسمه عمير [٣ب] بن عبد عمرو بن نضلة، وأما ذو اليدين (٣) فتأخر موته بعد موت النبي- صلي الله عليه وآله وسلم-،
_________________
(١) «التمهيد» (١/ ٣٧٥)، «الاستذكار» (٢/ ٢٣٣).
(٢) ذكره ابن إسحاق في «السيرة النبوية» (١/ ٦٨١) وابن عبد البر في «التمهيد» (١/ ٣٦٣ - ٣٦٤). «الاستيعاب» (١/ ٤٨٤).
(٣) انظر «السيرة النبوية» (٢/ ٦٨١). قال النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» (١/ ١٨٥ - ١٨٦):» ذو اليدين الصحابي ﵁ مذكور في كتاب الصلاة في هذه الكتب اسمه الخرباق بن عمرو بخاء معجمة مكسورة وبموحدة وقاف وهو من بني سليم وهو الذي قال: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت حين سلم من ركعتين. وليس هو ذا الشمالين الذي قتل يوم بدر، لأن ذا الشمالين خزاعي قتل يوم بدر، وذو اليدين سلمي عاش بعد النبي ﷺ زمانًا حتى روى المتأخرون من التابعين عنه، واستدل العلماء لما ذكرناه بأن أبا هريرة شهد قصة السهو في الصلاة، وقد اجتمعوا على أن أبا هريرة إنما أسلم عام خيبر سنة سبع من الهجرة بعد بدر بخمس سنين. وكان الزهري يقول إن ذا اليدين هو ذو الشمالين وأنه قتل ببدر وأن قصته في الصلاة كانت قبل بدر تابعه أصحاب أبي حنيفة على هذا وقالوا كلام الناس في الصلاة يبطلها وادعوا أن الحديث منسوخ والصواب ما سبق. وقد أطنب أعلام المحدثين في إيضاح هذا ومن أحسنهم له إيضاحًا الحافظ أبو عمر ابن عبد البر في «التمهيد» في شرح الموطأ. ولقد لخصت مقاصد ما ذكره غيره في «شرح صحيح مسلم» وفي «شرح المهذب» قال ابن عبد البر، واتفقوا على أن الزهري غلط في هذه القصة». ١هـ. وقال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٣/ ٩٧): «وقد جوز بعض الأئمة أن تكون القصة وقعت لكل من ذي الشمالين وذي اليدين، وأن أبا هريرة روى الحديثين، فأرسل أحدهما وهوقصة ذي الشمالين وشاهد آخر وهي قصة ذي اليدين، وهذا محتمل من طريق الجمع. وقيل: «يحتمل على أن ذا الشمالين كان يقال له أيضًا ذو اليدين وبالعكس، فكان ذلك سببًا للاشتباه». وذكر قبله أن الطحاوي حمل قول أبي هريرة: «صلى بنا رسول الله ﷺ» على المجاز يعني أن المراد به صلى بالمسلمين، ثم قال بن حجر: ويدفع المجاز الذي اتكبه الطحاوي ما رواه مسلم وأحمد وغيرهما من طريق يحيي بن أبي كثير عن أبي سلمة في هذا الحديث بلفظ: «بينما أنا أصلي مع رسول الله ﷺ». وقد اتفق معظم أهل الحديث من المصنفين وغيرهم على أن ذا الشمالين غير ذي اليدين. ونص على ذلك الشافعي﵀- في اختلاف الحديث».
[ ٥ / ٢٦٦٤ ]
وحدث بهذا الحديث بعد موت النبي- صلي الله عليه وآله وسلم- كما أخرج ذلك الطبراني (١)، واسمه الخرباق (٢)، فتقرر بهذا أن حديث ذي اليدين متأخر عن حديث النهي عن الكلام، ومن جملة المقويات لذلك، والمؤيدات له أن من جملة رواة حديث ذي اليدين عمران بن حصين، وهو متأخر الإسلام. وقد ذكر في روايته ما يفيد المشاهدة كما في صحيح مسلم (٣) وغيره (٤)، فإذا تقرر هذا فلا عذر لمن انصف وجمع بين الأدلة كما هو الواجب بإجماع المسلمين، فإنه قد وقع التصريح في علم الأصول، وعلوم الحديث، وغير ذلك بأن الجمع (٥) مقدم على الترجيح. ووقع التصريح بأنه وقع الإجماع على ذلك، وهكذا وقع التصريح في علم الأصول بقيام الإجماع على أنه يبنى العام (٦) على الخاص بشروطه (٧) المعروفة في الأصول، فكان الواجب بمقتضى هذين الإجماعين على أن يجمع بين حديث
_________________
(١) في «الكبير» رقم (٤١٨٢، ٤٢٢٥) و(١٨/ رقم ٤٦٤، ٤٦٥، ٤٦٧، ٤٧٠).
(٢) قال الحافظ في «الفتح» (٣/ ١٠٠): «وذهب الأكثر إلى أن اسم ذي اليدين: الخرباق بكسر المعجمة وسكن الراء بعدها موحدة وآخر قاف- اعتمادًا على ما وقع في حديث عمران بن حصين عند مسلم ولفظه: فقام إليه رجل يقال له الخرباق، وكان في يده طول، وهذا صنيع من يوحد حديث أبي هريرة بحديث عمران وهو الراجح في نظري. وإن كان ابن خزيمة ومن جنحوا إلى التعدد والحامل لهم على ذلك الاختلاف الواقع في السياقين ».
(٣) رقم (٥٧٤).
(٤) كأحمد (٤/ ٤٢٧) وأبو داود رقم (١٠١٨) والنسائي (٣/ ٢٦) وابن ماجه رقم (١٢١٥). وهو حديث صحيح.
(٥) انظر الكفاية (ص٦٠٨)، «تيسير التحرير» (٣/ ١٣٦).
(٦) انظر «الكوكب المنير» (٣/ ١٧٧، ٣٨٣).
(٧) انظر هذه الشروط في «البحر المحيط» للزركشي (٣/ ٤٠٧ - ٤٠٩).
[ ٥ / ٢٦٦٥ ]
النهي (١) عن الكلام، وبين حديث ذي اليدين مما قدمنا ذلك من الفرق بين كلام الساهي، والجاهل، والعامد. ومن عمل بحديث النهي عن الكلام واطرح حديث ذي اليدين فقد خالف إجماعين من إجماعات المسلمين: الإجماع [٤أ] الأول أنه قدم الترجيح على الجمع، والإجماع الثاني أنه لم يبن العام على الخاص، وهذا على فرض أن المتخلل بين التسليم الواقع سهوًا، وبين التكبير الواقع للبناء هو الصلاة، لا فرق بينه وبين أجزاء الصلاة التي بين تحريمها وتحليلها.
وأما لو قيل إن هذا الوقت الكائن بين التسليم سهوًا، وبين التكبير للبناء هو ولإن كان له حكم الصلاة لكن ليس كالصلاة من كل وجه، ولا يمتنع منه ما يمتنع من الصلاة، كما أنه لا يبطل الطواف بمبطلات الصلاة، مع أنه قد ورد أن الطائف في صلاة، وكما أنه لا يبطل ثواب منتظر الصلاة بفعل شيء مما يفسد الصلاة، مع أنه قد ورد أن منتظر الصلاة في صلاة، وحاصل هذا الوجه دعوى الفرق بين من كان مشتغلًا بأجزاء الصلاة الحقيقية الذكرية والركنية، وبين من لم يكن مشتغلًا بشيء من ذلك، بل كان خروجه سهوًا مسوغًا للبناء، فلو قيل بهذا الفرق لم يكن بعيدًا من الصواب، ولم يبق إشكال في الكلام الواقع منه- صلي الله عليه وآله وسلم- بعد التسليم سهوًا، وقبل التكبير مبنيًا، ولكنا هاهنا بنينا على تسليم الإشكال الذي أورده السائل- عافاه الله [٤ب]-، وعلى أنه لا فرق بين ذلك، وبين أجزاء الصلاة الحقيقية، فجمعنا بين الأحاديث الواردة في النهي عن الكلام على العموم، وفي تسويغه في بعض الأحيان، كما قدمنا تقريره.
فإن قلت: إذا كان حديث ذي اليدين على هذا التسليم والتقرير دالًا على أن كلام الساهي لا يفسد الصلاة، فما الدليل على أن كلام الجاهل لا يفسدها؟.
قلت: الدليل على ذلك حديث ذي اليدين نفسه؛ فإن الجماعة الذين كلموا
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبًا.
[ ٥ / ٢٦٦٦ ]
رسول الله- صلي الله عليه وآله وسلم- وكلمهم لم يكونوا ساهين، بل جهلوا أن الكلام في تلك الحالة لا يجوز، فعذرهم رسول الله- صلي الله عليه وآله وسلم-، ولم يأمر أحدًا منهم بإعادة الصلاة، وأدل من هذا، وأوضح، وأصرح ما أخرجه أحمد (١)، ومسلم (٢)، والنسائي (٣)، وأبو داود (٤) من حديث ابن الحكم (٥) السلمي قال: بينما أنا أصلي مع رسول الله- صلي الله عليه وآله وسلم- إذ عطس رجل من القوم، فقلت يرحمك الله فرماني القوم بأبصارهم فقلت: وأثكل أماه، ما شأنكم تنظرون إلي؟. فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، إلى أن قال: فبابي وأمي ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعينًا منه، يعني النبي﵌- فوالله ما قهرني، ولا ضربني، ولا شتمني قال: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن».
فهذا الحديث ليس فيه أن النبي﵌ [٥أ]- أمره بإعادة الصلاة لكونه قد تكلم فيها عامدًا، بل عذره لجهله. ومثل هذا ما أخرجه البخاري (٦)، وأحمد (٧)، وأبو داود (٨)، والنسائي (٩) عن أبي هريرة قال رسول الله- صلى الله
_________________
(١) في «المسند» (٥/ ٤٤٧، ٤٤٨).
(٢) في صحيحة رقم (٣٣/ ٥٣٧).
(٣) في «السنن» (٣/ ١٤ - ١٨).
(٤) في «السنن» رقم (٩٣١). قلت: وأخرجه ابن الجارود رقم (٢١٢) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٤٤٦) وأبو عوانة (٢/ ١٤١ - ١٤٢) وابن خزيمة (٢/ ٣٥ رقم ٨٥٩). وهو حديث صحيح.
(٥) هو معاوية بن الحكم السلمي كان ينزل المدينة وعداده في أهل الحجاز.
(٦) في صحيحة رقم (٦٠١٠).
(٧) في «المسند» (٢/ ٢٣٨، ٢٣٩).
(٨) في «السنن» رقم (٨٨٢).
(٩) في «السنن» (٣/ ١٤). وهو حديث صحيح.
[ ٥ / ٢٦٦٧ ]
عليه وأله وسلم- إلى الصلاة، وقمنا معه، فقال أعرابي وهو في الصلاة: اللهم ارحمني وحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا، فلما سلم النبي﵌- قال للأعرابي: «لقد تحجرت واسعًا» يريد رحمة الله، فعذره﵌- بجهله. ومثل هذا حديث (١) من الذي تكلم بالكلمة ثم قال: لقد ابتدرها كذا من الملائكة.
والحاصل أن الأحاديث الواردة (٢) في النهي عن الكلام على العموم مثل حديث: «نهينا عن الكلام»، ومثل حديث: «لا يصلح فيها شيء من كلام الناس» لا شك ولا ريب أنها لا تنافي ما ورد خاصًا ولا تعارضه، ومن جعل العام مقدمًا على الخاص، ومرجحًا عليه، فقد عكس قالب العمل الأصولي، وخالف ما عليه علماء النظر والاستدلال في جميع الأزمان، على جميع المذاهب.
فجملة ما ينبغي عليه التعويل في هذا الجواب هو أمران: إما منع كون حالة من خرج من الصلاة بتسليم سهوًا، ثم تكلم، ثم عاد إلى الصلاة بالتكبير، وبنى على ما قد فعل كحالة من هو في الصلاة مشتغلا ًبأجزائها لم يخرج منها، فمن كان لديه ما يوجب الانتقال عن مركز [٥ب] هذا المنع أهداه للمانع.
الأمر الثاني: مما ينبغي التعويل عليه هو تسليم أنه كالمصلي. والجمع بين الأدلة المختلفة بما قدمنا ذكره. ولا عذر عن ذلك لمن أنصف، وجرى على طريقة الاجتهاد.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحة رقم (٧٩٩) ومالك (١/ ٢١١، ٢١٢) وأبو داود رقم (٧٧٠، ٧٧٣) والترمذي رقم (٤٠٤) والنسائي (٢/ ١٤٥) عن رفاعة بن رافع الزرقي قال: كنا يومًا نصلي وراء رسول الله ﷺ فلما رفع رسول الله ﷺ رأسه من الركعة وقال: «سمع الله لمن حمده». قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدًا طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف رسول الله ﷺ قال: «من المتكلم آنفًا» فقال الرجل: أنا يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: «لقد رأيت بضعًا وثلاثين ملكًا يبتدرون أيهم يكتبها أول».
(٢) تقدم ذكر ذلك.
[ ٥ / ٢٦٦٨ ]
ولا نعول على غير هذين الوجهين، وذلك كقول من قال: إن ذلك لإصلاح الصلاة، وقول من قال: إن إجابة النبي واجبة (١)، فإن النقوض تطرق ذلك طروقًا لا يمكن التقصي عنه بحال.
فإن قلت: إذا كان الجواب عن استشكال السائل للكلام في تلك الحال، فما الجواب عن استشكال من استشكل الأفعال الصادرة منه﵌-، ومن الصحابة بعد السلام سهوًا، وقبل التكبير للبناء؟.
قلت: الجواب أن هذه شريعة وردت عن معلم الشرائع، ليس لنا أن نستنكر منها ما لا يطابق عقولنا، فإنه قد وقع الإجماع من جميع أهل الإسلام حسبما قدمنا تحقيقة أن حديث ذي اليدين حديث صحيح (٢) ثابت عن رسول الله﵌-، فما بقي بعد هذا إلا قبول ما جاء عن رسول الله﵌- كما فعل ذلك جمهور الصحابة، والتابعين، وتابعيهم، وسائر أئمة المسلمين، وعلماء الدين، فإنهم عملوا بهذا الحديث، وقبلوه، جعلوه حجة بينهم وبين الله سبحانه [٦أ]. وأما ما يروى عن جماعة من أهل العلم من أن هذا الحديث معارض للأحاديث الوارده عنه﵌- في تحريم الأفعال في الصلاة (٣).
فيجاب عن ذلك بأن ما دل على تحريم الأفعال في الصلاة فلا شك أنه عام عرضة للتخصيص، ولهذا ثنت أن كل عام من أدلة الأحكام مخصص، وأنه لم يوجد في شيء من أدلة المسائل عام لم يخصص أصلًا، فهذا الحديث الوارد عنه﵌- أعني: حديث ذي اليدين يخصص ذلك العام، فيبني العام على الخاص، ويكون الممنوع هو ما بقي من أفراد العام بعد التخصيص، وهذا هو العمل الأصولي الذي لا
_________________
(١) ذكره القاضي عياض في «إكمال المعلم» (٢/ ٥١٧).
(٢) تقدم تخريجه وهو حديث صحيح.
(٣) انظر «اختلاف الحديث» للشافعي (ص٢٣٢).
[ ٥ / ٢٦٦٩ ]
ينكره أحد ممن يعرف الأصول، فيقال: يحرم كل فعل في الصلاة مما ليس إلا ما دل عليه دليل بخصوصه، وقد دل الدليل الصحيح المتفق على صحته أنه يشرع لمن سلم ساهيًا أن يقتدي برسول الله﵌-، ويفعل كفله، لأن الله- سبحانه- يقول في محكم كتابه: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (١) ويقول: ﴿قل إن كنتم تجبون الله فاتبعوني﴾ (٢)، ويقول: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ (٣).
وكل عاقل يعلم أن الذي وقع منه [٦ب] حديث ذي اليدين هو الذي حرم الأفعال في الصلاة بمثل قوله: «إن في الصلاة لشغلًا» (٤)، وبمثل قوله: «اسكنوا في الصلاة» (٥) فليس لأحد أن يجعل بعض ما ورد عن رسول الله﵌- شريعة لازمة، وبعضه ليس شريعة، بل الكل من مشكاة النبوة، ومن معدن الرسالة: ﴿إن هو إلا وحي يوحى﴾ (٦)، مع أن حديث ذي اليدين هو ثابت من طرق أرجح (٧) من الأحاديث المقتضية لتحريم الأفعال في الصلاة بمسافات يعرفها من يعرف مرتب الأدلة، وأيضًا فقد استدل بحديث ذي اليدين هذا جماعة نت أهل العلم السالكين طرق التأويل في محل السؤال، فمن جملة ما استدلوا به إطراقه أن سجود السهو بعد السلام (٨)، فكيف
_________________
(١) [الحشر: ٧].
(٢) [آل عمران: ٣١].
(٣) [الأحزاب: ٢١].
(٤) أخرجه البخاري في صحيحة رقم (١١٩٩) ومسلم رقم (٥٣٨) من حديث ابن مسعود.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحة رقم (١١٩/ ٤٣٠) من حديث جابر بن سمرة.
(٦) [النجم: ٤].
(٧) انظر «الاستذكار» لابن عبد البر (٢/ ٢٣١).
(٨) قال ابن عبد البر في «التمهيد» (١/ ٣٥١ - ٣٥٢): أن السلام الذي يتحلل به من الصلاة إذا وقع سهوًا لا يبطل الصلاة ولا يخرج منها، بل يجوز لفاعل ذلك البناء عليها، وقد خالف في ذلك بعض أصحاب أبي حنيفة والحديث حجة عليهم.
[ ٥ / ٢٦٧٠ ]
يأخذون بعض الحديث ويتركون بغضه! فإذا احتجوا ببعضه قامت عليهم الحجة بالبعض الآخر، مع أن هذا الحديث هو أقوى حجج القائلين بأن السجود للسهو بعد السلام (١).
_________________
(١) انظر «المدونة الكبرى» (١/ ١٣٦). لسجود السهو أسباب ثلاثة: الزيادة- النقص- الشك. - إذا زاد المصلي في صلاته قيامًا أو قعودًا أو ركوعًا أو سجودًا متعمدًا بطلت صلاته، وإن كان ناسيًا ولم يذكر الزيادة حتى فرغ منها فليس عليه إلا سجود السهو وصلاته صحيحة. وإن ذكر الزيادة في أثنائها وجب عليه الرجوع عنها وسجود السهو وصلاته صحيحة. - إذا سلم المصلي قبل تمام صلاته متعمدًا بطلت صلاته. وإن كان ناسيًا ولم يذكر إلا بعد زمن طويل أعاد الصلاة من جديد. وإن ذكر بعد زمن قليل- كدقيقتين أو ثلاث- فإنه يكمل صلاته ويسلم ثم يسجد لسهو ويسلم. - إذ نقص المصلي ركنًا من صلاته فإن كان تكبيرة الإحرام فلا صلاة له سواء تركها عمدًا أو سهوًَا لأن صلاته لم تنعقد. - وإن تركه سهوًا فإن وصل إلى موضعه من الركعة الثانية لغت الركعة التي تركه منها وقامت التي تليها مقامها، وإن لم يصل إلى موضعه من الركعة الثانية وجب عليه أن يعود إلى الركن المتروك فيأتي به وبما بعده وفي كلا الحالين يجب عليه أن يسجد للسهو بعد السلام. - إذا ترك المصلي التشهد الأوسط ناسيًا وذكره قبل أن يفارق محله من الصلاة أتى به ولا شيء عليه. وإن ذكره بعد مفارقة محله قبل أن يصل إلى الركن الذي يليه رجع فأتى به ثم يكمل صلاته ويسلم ثم يسجد للسهو ويسلم. وإن ذكره بعد وصوله إلى الركن الذي يليه سقط فلا يرجع إليه فيستمر في صلاته ويسجد للسهو قبل أن يسلم. - إذا شك المصلي في صلاته، وترجح عنده أحد الأمرين فيعمل بما ترجح عنده فيتم عليه صلاته ويسلم ثم يسجد للسهو ويسلم. وإن لم يترجح عند أحد الأمرين فيعمل باليقين وهو الأقل فيتم عليه صلاته ويسجد للسهو قبل أن يسلم ثم يسلم. ويسجد للسهو فبل التسليم في موضعين: الأول: إذا كان عن نقص: لحديث عبد الله بن بحينة ﵁ أن النبي ﷺ صلى بهم الظهر فقام في الركعتين الأوليين، ولم يجلس، فقام الناس معه حتى إذا قضى الصلاة، وانتظر الناس تسليمه، كبر وهو جالس، وسجد سجدتين، قبل أن يسلم، ثم سلم». أخرجه البخاري رقم (١٢٣٠) ومسلم رقم (٨٥/ ٥٧٠) وأبو داود رقم (١٠٣٤) والترمذي رقم (٣٩١) والنسائي (٣/ ٢) وابن ماجه رقم (١٢٠٦) وأحمد (٥/ ٣٤٥). الثاني: إذا كان عن شك لم يترجح فيه أحد الأمرين: للحديث الذي أخرجه مسلم رقم (٥٧١) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر، كم صلى ثلاثًا أم أربعًا؟ فليطرح الشك جانبًا وليبن على ما أستيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم». ويسجد للسهو بعد التسليم في موضعين: الأول: إذا كان عن زيادة للحديث الذي أخرجه البخاري رقم (١٢٢٦) ومسلم (١/ ٤٠١ رقم ٩١/ ٥٧٢) عن عبد الله بن مسعود وقد تقدم. الثاني: إذا كان عن شك ترجح فيه أحد الأمرين للحديث الذي أخرجه البخاري (٣٩٢ - البغا) ومسلم رقم (٨٩/ ٥٧٢) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم يسجد سجدتين».
[ ٥ / ٢٦٧١ ]
وقد اختلفت الأدلة في ذلك، وتباينت المذاهب. وجملة ما في ذلك ثمانية مذاهب مستوفاة في المطولات، وليس هذا مقام بسطها. ومن جملة ما استدل به أهل العلم من أطراف هذا الحديث استثباته (١) - ﵌- من الجماعة بعد أن أخبره ذو اليدين فقال: «أحق ما يقول ذو اليدين؟» فاستدلوا بذلك على أنه يشرع الاستثبات في بعض الأحوال عند انفراد المخبر، وكذلك استدل أهل العلم بهذا الحديث
_________________
(١) أن استثبات النبي ﷺ إنما كان لأن ذا اليدين أخبره عن أمر يتعلق بفعله ﷺ ولم يكن ذاكرًا له حينئذ. فكانت الريبة المقتضية للاستثبات قائمة إذ لا يستحيل غلط ذي اليدين في عدد الركعات فاعتقد القصر أن النسيان من النبي ﷺ فانضم هذا الاحتمال إلى انفراده دون بقية الحاضرين وخصوصًا من كان أكبر منه وأولى بسؤال النبي ﷺ كأبي بكر وعمر ﵄. مع كون الذي أخبر به فعلًا يتعلق بالنبي ﷺ ولم يكن ذاكرًا له، فلهذا سأل بقية الحاضرين عن ذلك، وليست هذه المسألة المفروضة أولًا.
[ ٥ / ٢٦٧٢ ]
على جواز صدور السهو منه﵌ [٧أ]-، وكذلك استدل بهذا الحديث أهل العلم على جواز التشبيك في المسجد، وبالجملة فقد استدل بهذا الحديث أهل الإسلام على اختلاف طبقاتهم، فاستدل به أهل الأصول في خبر الواحد (١) إذا كان متعلقة مقتضيًا للشهرة، أو كان به مما تعم به البلوى (٢).
_________________
(١) قال الحافظ صلاح ابن العلائي في «نظم الفرائد» (ص١٩٦): فموضع الدلالة أن انفراد الواحد في مثل المقام يقتضي الريبة بقوله. وينتهي إلى القطع بكذبه، لكن في هذا المقام لم يمكن القطع ولا الظن بالكذب لعدالة الصحابة، فتوقف حتى وافقه القوم فتحقق صدقه وليس هذا كانفراد الواحد برؤية هلال رمضان حيث قبله ﷺ غير ما مرة لأنه ليس مما تتوفر الدواعي عليه، ولو كان كذلك ما انفرد الواحد برؤية الهلال دون بقية الناس جائز ممكن. وقال ابن الصلاح في علوم الحديث (ص٧٠): أن ما تفرد به الراوي إن كان مخالفًا لما رواه من هو أحفظ منه وأضبط كان شاذًا مردودًا، وإن لم يكن مخالفًا لما رواه غيره بأن لم يروه سواه فإن كان هذا الراوي حافظًا ضابطًا موثوقًا به عدالة، وإتقانًا قبل ما تفرد به، ولم يحطه ذلك عن درجة الصحيح كما تقدم من الأمثلة، وإن لم يبلغ الراوي هذه الدرجة كان تفرده منحطًا عن درجة الصحيح تارة يكون الراوي غير بعيد عن درجة الحافظ الضابط المتقن فيكون ما تفرد به حسنًا وتارة يكون بعيد عن ذلك لا يحتمل منه مثل هذا التفرد فيكون الحديث ضعيفًا مردودًا، وربما بلغ إلى حد النكارة». وانظر «البرهان» (١/ ٥٧٧ - ٥٧٨)، «المستصفي» (١/ ١٤١).
(٢) وهو ما استدل به الحنيفة على رد خبر الواحد إذ كان مما تعم فيه البلوى خلافًا للجمهور من أئمة الحديث والأصول والفقه. ووجه الاستدلال منه أن حكم الصلاة مما تعم به البلوى وتتوفر الدواعي للسؤال عن حكمها خصوصًا للصحابة ﵃، لما كانوا عليه من الاهتمام بأمور الذين. فلما انفرد ذو اليدين بأخباره بالسهو ولم يقبل منه النبي ﷺ لمجرده حتى استثبت من بقية الحاضرين، دل على أن انفراد الواحد فيما تعم به البلوى غير مقبول. وجواب هذا ما تقدم في المسألة: أن التوقف إنما كان لشذوذه عن الجماعة وكون الذي أخبر به فعلًا يتعلق بالنبي ﷺ ثم بالمعارضة بالأدلة الدالة على قبول خبر الواحد على الإطلاق من غير فرق بين ما تعم به البلوى وغيره، وبإجماع الصحابة على قبولهم خبر الواحد فيما تعم به البلوى، كقولهم حديث عائشة﵂- في الغسل من التقاء الختانين، وحديث رافع بن خديجة في المحايرة. ثم بالنقض عليهم بقبولهم خبر الواحد في وجوب الوتر والوضوء من خروج الدم والقهقهة، وغير ذلك مما تعم به البلوى، ولا مدفع لهم عن هذا الإلزام.
[ ٥ / ٢٦٧٣ ]
[وكذلك استدلوا به في جواز صدور السهو منه﵌-] (١)، واستدل به أهل أصول الدين على جواز صدور السهو منه (٢) - صلي الله عليه وآله وسلم- واستدل به علماء المعاني والبيان في الكلام على سلب العموم، وعموم السلب (٣) حيث
_________________
(١) في المخطوط ما بين الخاصرتين مكرر.
(٢) قال القاضي عياض: اتفق جميع أهل الملل والشرائع على وجوب عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن تعمد الكذب فيما دلت المعجزة القاطعة على صدقهم فيه وذلك مما طريقه التبليغ عن الله ﷾ من دعوى الرسالة وما ينزل عليهم من الكتب الإلهية إذ لو جاز خلاف ذلك لأدى إلى إبطال دلالة المعجزة وهو محال. الراجح الذي ذهب إليه جمهور العلماء جواز السهو والنسيان على الأنبياء صلوات الله عليهم في الأفعال كما دلت عليه هذه الأحاديث.
(٣) في قوله ﷺ في الرواية التي رواها مالك في الموطأ ومسلم في صحيحة: «كل ذلك لم يكن» وجواب ذو اليدين له بقوله: «قد كان بعض ذلك». دليل لقاعدة اتفق عليها أهل المعاني والبيان. أن النفي إذا تسلط على «كل» أو كانت في حيزه تكون «كل» حينئذ لنفي الشمول عن المجموع لا لنفي الحكم عن كل فرد فرد. وإن أخرجت «كل» من حيز النفي بأن قدمت عليه لفظًا ولم تكن معموله لنفعل المنفي توجه النفي إلى أصل الفعل وعم كلما أضيفت إليه «كل» فكأن السلب عن كل فرد فرد. والاحتجاج لهذه القاعدة بهذا الحديث من وجهين: أحدهما: أن الشؤال بـ «أم» عن أحد الأمرين لطلب التعيين بعد ثبوت أحدهما عند المتكلم على وجه الإبهام، فجوابه إما بالتعيين أو بنفي كل واحد منهما فلما قال النبي ﷺ: «كل ذلك لم يكن» كان جوابه لنفي كل واحد منها بالنسبة إلى ظنه ﷺ. فلو كان تقديم «كل» على المنفي إنما يفيد نفي الكلية لا نفي الحكم عن كل فرد لكان قوله ﷺ: «كل ذلك لم يكن» سلب الحكم عن كل فرد فرد لا عن المجموع، لأن الإيجاب الجزئي يقتضيه السلب الكلي. وقال الجرجاني: «والعلة في ذلك أنك إذا بدأت بـ «كل» كنت قد بنيت النفي عليه وسلطت الكلية على النفي وأعلمتها فيه، وإعمال معنى الكلية في النفي يقتضي أن لا يشذ شيء عن النفي».
[ ٥ / ٢٦٧٤ ]
قال﵌-: «كل ذلك لم يكن». واستدل به أهل الفقه في المواضع التي قدمنا الإشارة إليها، فإذا كان هذا الحديث بهذه المثابة العظيمة تغترف منه الفرق الإسلامية، وتستدل به، وتعمل عليه، وتبني عليه القواعد، فكيف لا يكون ما هو لبابه، ومفاده، وخلاصته، وعصارته معمولًا به! بل تنصب له التأويلات والتمحلات، ويذاد عن القناطر التي قد رصصت بمجرد الأقوال العاطلة عن حلية الاستدلال.
وعلى الجملة فهذا خلاصة ما يقتضيه الإنصاف المطابق للقواعد المقررة في الفنون العلمية من الأصول وغيرها. وقد أختلف أهل العلم في ذلك اختلافًا كثيرًا لا يتسع المقام لبسطه، ولكنهم جميعًا مأجورون مثابون، فقد صح: «أن من أجتهد فأصاب فله أجران، ومن أجتهد فأخطأ فله أجر» (١). وفي رواية خارجة من مخرج حسن: «أن من أجتهد فأصاب فله عشرة أجور» (٢). فرحم الله أهل العلم، فلقد فازوا بالخير كله، واستحقوا الأجر على الخطأ، وهذه مزية لا يشاكهم فيها غيرهم.
وفي هذا المقدار من الجواب كفاية لمن له هداية.
حرره المجيب محمد الشوكاني غفر الله له في صبح يوم الأحد لعله ٢٤ شهر جمادى الأولى سنة ١٢١٨ [٧ب].
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) تقدم تخريجه.
[ ٥ / ٢٦٧٥ ]