تأليف
محمد بن على الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
[ ٥ / ٢٦٢٣ ]
بسم الله الحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله الأكرمين، وصحبه الأفضلين:
وبعد:
فإنه وقع البحث مع جماعة من أهل العلم- كثر الله فوائدهم- فيما ورد في الرفع من السجود، وطلبوا مني النظر في ذلك فأقول:
اعلم أن الروايات كلها عن العدد الجم من الصحابة (١) - ﵃- عن رسول
_________________
(١) (منها) عند افتتاح الصلاة: فقد روي ذلك عن النبي ﷺ نحو خمسين رجلًا من الصحابة منهم العشرة المبشرين بالجنة. فقد روي حديث رفع اليدين من حديث أبي بكر، وعمر، وعلي، وابن عمر، ومالك بن الحويرث، وجابر، وأبي هريرة، وأبي موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، وعمير الليثي، والبراء بن عازب، ووائل بن جحر وغيرهم. أما حديث أبي بكر. فقد أخرجه البييهقي في «السنن الكبرى» (٢/ ٧٣ - ٧٤) وقال البيهقي رواته ثقات. وأما حديث عمر، فقد أخرجه البيهقي أيضًا في «السنن» (٢/ ٧٤). وأما حديث علي، فقد أخرجه أحمد (١/ ٧٣) والبخاري في رفع اليدين رقم (٩٢١) وأبو داود رقم (٧٤٤) والترمذي رقم (٣٣٢٣) وابن ماجه رقم (٨٦٤) والدارقطني (١/ ٢٨٧ رقم١) والبيهقي (٢/ ٧٤) وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وأما حديث بن عمر، أخرجه البخاري رقم (٧٣٦) ومسلم رقم (٢٢/ ٢٩٠) عن بن عمر قال: كان النبي ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه ثم يكبر». وأما حديث مالك بن الحويرث أخرجه البخاري رقم (٧٣٧) ومسلم رقم (٣٩١) والطيالسي في «المسند» (١/ ١٧٦ رقم ١٢٥٣) وأحمد (٣/ ٣٤٦) والدرامي (١/ ٢٨٥) والنسائي (٢/ ١٢٣) وأبو داود رقم (٧٤٥) وابن ماجه رقم (٨٥٩) وأبو عوانة (٢/ ٩٤) والدارقطني (١/ ٢٩٢ رقم ١٥) والبيهقي (٢/ ٧١). وهو حديث صحيح. وأما حديث جابر، أخرجه أحمد (٣/ ٣١٠) وابن ماجه رقم (٨٦٨) وهو حديث صحيح. وأما حديث أبي هريرة، أخرجه أبو داود رقم (٧٣٨) وابن ماجه رقم (٨٦٠) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٢٢٤) وهو حديث صحيح. وأما حديث أبي موسى. فقد أخرجه الدارقطني (١/ ٢٩٢ رقم ١٦) ورجاله ثقات. وأما حديث عبد الله بن الزبير، فقد أخرجه أبو داود رقم (٧٣٩) وهو حديث صحيح. وأما حديث عبد الله بن عباس. فقد أخرجه أحمد (١/ ٣٢٧) وأبو داود رقم (٧٤٠) وابن ماجه رقم (٨٦٥) وهو حديث صحيح. وأما حديث عمير الليثي. فقد أخرجه ابن ماجه رقم (٨٦١) والطبراني في «الكبير» (١٧/ ٤٨ رقم ١٠٤) وأبونعيم في «الحلية» (٣/ ٣٥٨) ووهم ابن ماجه فسماه عمير بن حبيب وإنما هو عمير بن قتادة الليثي. وهو حديث صحيح. وأما حديث البراء، فقد أخرجه أبو داود رقم (٧٤٩) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٢٢٤) والدارقطني (٢/ ٢٩٣ رقم ١٨ - ٢١ - ٢٣) والبيهقي (٢/ ٧٦) وهو حديث ضعيف. وأما حديث وائل بن حجر. فقد أخرجه مسلم رقم (٤٠١) وأبو داود رقم (٧٢٤، ٧٢٦) والنسائي (٢/ ١٢٣) وابن ماجه رقم (٨٦٧) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٢٢٣) والدارقطني (١/ ٢٩٢ رقم ١٤) والبيهقي (٢/ ٧) وأحمد (٤/ ٣١٦ - ٣١٧) وهو حديث صحيح. (ومنها): الرفع عند الركوع وعند الاعتدال: أخرج البخاري رقم (٧٣٧) ومسلم رقم (٢٦/ ٣٩١) عن مالك بن الحويرث قال: رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه إذا كبر وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع حتى يبلغ بهما فروع أذنيه. وهو حديث صحيح. وأخرج البخاري في صحيحة رقم (٧٣٩) عن نافع أن ابن عمر: «كان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه، ورفع ذلك ابن عمر إلى النبي ﷺ. وهو حديث صحيح. وانظر: «كتاب رفع اليدين في الصلاة» للبخاري (ص٢٢) فقد قال: وكذلك يروى عن سبعة عشر نفسًا من أصحاب النبي ﷺ لأنهم كانوا يرفعون أيديهم عند الركوع ثم ذكرهم.
[ ٥ / ٢٦٢٩ ]
الله﵌- ليس فيها إلا الرفع في الثلاثة المواطن (١) فقط عند التكبير للدخول في الصلاة، وعند الانحطاط إلى الركوع، وعند الارتفاع منه، ولم ينقل عن أحد منهم أنه روى الرفع في السجود، بل ثبت من طرق عن عبد الله بن عمر- رضي
_________________
(١) انظر التعليقة السابقة.
[ ٥ / ٢٦٣٠ ]
الله عنهما- أنه نفى ذلك وقال: لم يفعله رسول الله﵌ (١) -، وهكذا عن غيره.
والحاصل أن جميع دواوين الإسلام الست الأمهات وغيرها ليس فيها ذكر الرفع في السجود، بل اقتصروا على رواية الرافع في الثلاثة المواطن (٢) المتقدم ذكرها فحسب. فما ورد مما يخالف هذا فهو إن كان رواية ثقة من الشاذ (٣) المعدوم من قسم الضعيف، وإن كان راويه غير ثقة كان من المنكر (٤) وهو أشد ضعفًا من الشاذ، وبهذا القدر يندفع التعلق برواية من شذ أنه﵌- رفع في السجود، فإن أردت زيادةً على
_________________
(١) أخرج البخاري في صحيحة رقم (٧٣٥) ومسلم رقم (٣٩٠) عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه، إذا افتتح الصلاة وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضًا وقال: «سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد» وكان لا يفعل ذلك في السجود. وأخرج مسلم في صحيحة رقم (٢١/ ٣٩٠) وفيه « ولا يرفعهما بين السجدتين».
(٢) أخرج البخاري في صحيحة رقم (٧٣٥) ومسلم رقم (٣٩٠) عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه، إذا افتتح الصلاة وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضًا وقال: «سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد» وكان لا يفعل ذلك في السجود. وأخرج مسلم في صحيحة رقم (٢١/ ٣٩٠) وفيه «ولا يرفعهما بين السجدتين».
(٣) الشاذ: من شذ يشذ ويشذ، شذوذًا، إذا انفرد، والشاذ: المنفرد عن الجماعة .. قال الشافعي: هو أن يروي الثقة حديثًا يخالف ما روى الناس وليس من ذلك أن يروي ما لم يرو غيره. أقسام الحديث الشاذ: يكون الشذوذ في المتن، ويكون في السند ويكون فيهما معًا. حكم الحديث الشاذ: ضعيف مردود لأنه راويه وإن كان ثقة لكنه لما خالف من هو أقوى منه وأضبط علمنا أنه لم يضبط هذا الحديث فيرد حديثه ولا يقبل. انظر «السعي الحثيث إلى شرح اختصار علوم الحديث» د. عبد العزيز دخان (ص٢١٨ - ٢١٩).
(٤) المنكر: قال د. عبد العزيز دخان في «السعي الحثيث» (٢٢٣): وهو كالشاذ إن خالف راويه الثقات فمنكر مردود وكذا إن لم يكن عدلًا ضابطًا، وإن لم يخالف، فمنكر مردود». المنكر لغة، اسم مفعول. من أنكره، أي جمله ولم يعرفه. ويطلق المنكر أيضًا على الشيء القبيح والأمر القبيح. وادق تعريف للحديث المنكر أن يقال: هو الحديث الذي يرويه الضعيف، مخالفًا لرواية من هو أوثق منه أو أولى منه.
[ ٥ / ٢٦٣١ ]
هذا فاعلم أن النسائي في سننه (١) في باب (٢) رفع اليدين للسجود أخرج عن مالك بن الحويرث «أنه رأي النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رفع يديه في صلاته» وفيه أنه كان يرفعهما إذا سجد، وإذا رفع رأسه [١أ] من السجود، ثم ذكر مثله عنه من طريق ثانية (٣)، ومن طريق ثالثة (٤) في هذا الباب (٥)، وهي كلها من طريق نصر بن عاصم الأنطاكي (٦) عن مالك بن الحويرث، ثم ذكر النسائي (٧) في باب (٨) الرفع من السجدة الأولى عن مالك بن الحويرث مثله، وهي أيضًا من طريق نصر بن عاصم عنه.
فجملة الطرق لحديث مالك بن الحويرث أربع، لكنها لما كانت كلها من طريق نصر ابن عاصم كانت بمنزلة طريق واحدة، ونصر بن عاصم (٩) هذا لين الحديث لا يقوم
_________________
(١) رقم (١٠٥٨) وهو حديث صحيح.
(٢) باب رقم (٣٦).
(٣) في سننه رقم (١٠٨٦) قال: حدثنا محمد بن المثني قال: «حدثنا عبد الأعلى قال: حدثنا سعيد عن قتادة عن نصر بن عاصم عن مالك بن الحويرث أنه رأي النبي ﷺ رفع يديه فذكر مثله». وهو حديث صحيح.
(٤) في سننه رقم (١٠٨٧) وهوحديث صحيح.
(٥) رقم (٣٦) قال: اخبرنا محمد بن المثني قال: حدثنا معاذ بن هشام قال: حدثني أبي عن قتادة عن نصر ابن عاصم عن مالك بن الحويرث أن نبي الله ﷺ كان إذا دخل في الصلاة فذكر نحوه وزاد فيه وإذا ركع فعل مثل ذلك وإذا رفع رأسه من الركوع فعل مثل ذلك وإذا رفع رأسه من السجود فعل مثل ذلك».
(٦) كذا في المخطوط وصوابه نصر بن عاصم الليثي البصري. انظر «تهذيب التهذيب» (٤/ ٢١٧).
(٧) في سننه رقم (١١٤٣) وهو حديث صحيح.
(٨) رقم ٨٤ قال: أخبرنا محمد بن المثني قال: حدثنا معاذ بن هشام قال: حدثني أبي عن قتادة عن نصر ابن عاصم عن مالك بن الحويرث أن نبي الله ﷺ كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه وإذا ركع فعل مثل ذلك وإذا رفع رأسه من الركوع فعل مثل ذلك وإذا رفع رأسه من السجود فعل مثل ذلك كله يعني رفع يديه.
(٩) نصر بن عاصم الليثي البصري. قال أبو داود كان خارجيًا. قال النسائي: ثقة. وذكره بن حبان في «الثقات». انظر: «تهذيب التهذيب» (٤/ ٢١٨ - ٢١٩).
[ ٥ / ٢٦٣٢ ]
بمثابة الحجة، مع أنه قد أختلف عليه في ذلك فأخرج النسائي (١) عن عبد الأعلى قال: حدثنا خالد، حدثنا شعبه عن قتادة، عن نصر، عن مالك أن رسول الله﵌- «كان إذا صلى رفع يديه حين يكبر حيال أذنيه، وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع. واقتصر على هذه المواطن، ولم يذكر الرفع في السجود، فتقرر لك بهذا أنه قد حصل الاختلاف في حديث مالك بن الحويرث، وذلك اضطراب يوجب أن يكون من قسم الضعيف، فكيف ومداره على ضعيف، وهو نصر بن عاصم.
فإن قلت: قد روى النسائي في سننه (٢) في باب (٣) رفع اليدين بين السجدتين نحو ذلك من غير طريق مالك بن الحويرث، فقال: أخبرنا موسى عن عبد الله بن موسى البصري قال: أخبرنا انضر بن كثير أبو سهل الأزدي قال: صلى إلى جنبي عبد الله بن طاووس بمنى في مسجد الخيف، فكان إذا سجد السجدة الأولى فرفع رأسه منها رفع يديه تلقاء وجهه، فأنكرت أنا ذلك، فقلت لوهيب بن خالد: إن هذا يصنع [١ب] شيئًا لم أر أحد يصنعه، فقال له وهيب: تصنع شيئًا لم أر أحد يصنعه، فقال عبد الله بن طاووس: رأيت أبي يصنعه، وقال: إني رأيت بن عباس يصنعه، وقال عبد الله بن عباس:
_________________
(١) في سننه رقم (٨٨٠) وهو حديث صحيح.
(٢) رقم (١١٤٦). قلت: وأخرجه أبو داود رقم (٧٤٠) وهو حديث صحيح.
(٣) رقم (٨٧): رفع اليدين بين السجدتين تلقاء الوجه.
[ ٥ / ٢٦٣٣ ]
«رأيت رسول الله﵌- يصنعه».
قلت: هذا النضر بن كثير هو السعدي (١) البصري. قال بن حبان (٢) فيه يروي الموضوعات عن الثقات لا يجوز الاحتجاج به بحال. انتهى.
فكيف تثبت هذه السنة برواية هذا الكذاب! وبرواية مثل نصر بن عاصم مع الاختلاف عليه في ذلك إثباتًا ونفيًا، مع ما فيه من الضعف! هذا على تقدير أن رواية هذا الكذاب، وهذا الضعيف لم يخالف ما هو أولى منها، فكيف وهي مخالفة لرواية الجمع الجم من الصحابة! حتى قيل أنهم خمسون صحابيًا، وقيل أكثر من ذلك.
فإن قلت: قد روي (٣) أنه كان يرفع في كل خفض ورفع. قلت: إذا صح ذلك
_________________
(١) النضر بن كثير السعدي ويقال: الضبي أبو سهل البصري العابد. قال أبو حاتم: سمعت أن حنبل يقول: هو ضعيف الحديث. قال البخاري: عنده مناكير، وقال في موضع آخر: عنده نظر. قال النسائي: صالح. «تهذيب التهذيب» (٤/ ٢٢٦).
(٢) ذكره ابن حجر في «تهذيب التهذيب» (٤/ ٢٢٦). قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٢٢٣): وأصح ما وقفت عليه من الأحاديث في الرفع في السجود ما رواه النسائي من رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن نصر ابن عاصم عن مالك بن الحويرث «أنه رأي النبي ﷺ يرفع يديه في صلاته إذا ركع، وإذا رفع رأسه من ركوعه، وإذا سجد، وإذا رفع رأسه من سجوده حتى يحاذي بهما فروع أذنيه».
(٣) أخرجه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (١٥/ ٤٦ - ٤٧ رقم٥٨٣١) عن ابن عمر: أنه كان يرفع يديه في كل خفض، ورفع وركوع، وسجود وقيام، وقعود بين السجدتين، ويزعم أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك». وقال الطحاوي عقبه: وكان هذا الحديث من رواية نافع شاذًا لما رواه عبيد الله وقد روي هذا الحديث عن نافع بخلاف ما رواه عنه عبيد الله. قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٢٢٣)» وهذه رواية شاذة فقد رواه الإسماعيلي عن جماعة من مشايخه الحفاظ عن نصر بن علي المذكور بلفظ عياش شيخ البخاري- الحديث رقم (٧٣٩) حدثنا عياش قال: حدثنا عبد الأغلى قال: حدثنا عبيد الله عن نافع «أن بن عمر كان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه، وإذا قال سمع الله لمن حمده رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه. ورفع ذلك ابن عمر إلى نبي الله ﷺ رواه حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع ابن عمر عن النبي ﷺ. ورواه بن طهمان عن أيوب وموسى بن عقبة مختصرًا.
[ ٥ / ٢٦٣٤ ]