الإمام، شيخ المالكية، أبو عثمان، سعيد بن محمد صبيح بن الحداد المغربي، أحد المجتهدين، وكان بحرًا في الفروع ورأسًا في لسان العرب، بصيرًا بالسنن (١٤/ ٢٠٥).
قال ابن الحداد، دخلتُ يومًا على أبي العباس، فأجلسني معه في مكانه، وهو يقول لرجل: أليس المتعلم محتاجًا إلى المعلم أبدًا؟ فعرفت أنه يريد الطعن على الصديق في سؤاله عن فرض الجدة.
فبدرت وقلت: المتعلم قد يكون أعلم من المعلم وأفقه وأفضل لقوله ﵇: «رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» (١) ثم معلم الصغار القرآن يكبر أحدهم ثم يصير أعلم من المعلم.
_________________
(١) انظر السير (١٤/ ٢١١) تعليق (٢).
[ ١٠٣ ]
قال: فاذكر من عام القرآن وخاصه شيئًا؟
قلت: قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١].
فاحتمل المراد بها العام فقال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] فعلمنا أن مراده بالآية الأولى خاص، أراد: ولا تنكحوا المشركات غير الكتابيات من قبلكم حتى يؤمن.
قال: ومن المحصنات؟
قلت: العفائف.
قال: بل المتزوجات.
قلت: الإحصان في اللغة: الإحراز، فمن أحرز شيئًا فقد أحصنه، والعتق يحصن المملوك لأنه يحرزه عن أن يجري عليه ما على المماليك، والتزويج يحصن الفرج لأنه أحرزه عن أن يكون مباحًا والعفاف إحصان للفرج.
قال: ما عندي الإحصان إلا التزويج.
قلت له: منزل القرآن يأبى ذلك .. قال تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [التحريم: ١٢] أي أعفته، وقال تعالى: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ [النساء: ٢٥] عفائف.
قال: فقد قال في الإماء ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ [النساء: ٢٥] وهن عندك قد يكن عفائف.
قلت: سماهن بمتقدم إحصانهن قبل زناهن قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] وقد انقطعت العصمة بالموت يريد اللاتي كن أزواجكم.
قال: يا شيخ: أنت تلوذ.
[ ١٠٤ ]
قلتُ: لست ألوذ أنا المجيب لك، وأنت الذي تلوذ بمسألة أخرى، وصحتُ: ألا أحد يكتب ما أقول وتقول.
قال: فوقى الله شره، وقال: كأنك تقول: أنا أعلم الناس.
قلتُ: أما بديني فنعم.
قال: فما تحتاج إلى زيادة فيه؟
قلت: لا.
قال: فأنت إذا أعلم من موسى إذ يقول: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ [الكهف: ٦٦.
قال: هذا طعن على نبوة موسى، موسى ما كان محتاجًا إليه في دينه، كلا، إنما كان العلم الذي كان عند الخضر دُنياويًا: سفينة خرقها، وغلامًا قتله، وجدارًا أقامه، وذلك كله لا يزيد في دين موسى.
قال: فأنا أسألك.
قلت: أورد وعلي الإصدار بالحق بلا مثنويه.
قال: ما تفسير الله؟
قلتُ: ذو الإلهية.
قال: وما هي؟ قلت: الربوبية.
قال: وما الربوبية؟
قلت: المالك للأشياء كلها.
قال: فقريش في جاهليتها كانت تعرف الله؟
قلتُ: لا.
[ ١٠٥ ]
قال: فقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر: ٣.
قلت: لما أشركوا معه غيره قالوا.
وإنما يعرف الله من قال: إنه لا شريك له وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ١، ٢] فلو كانوا يعبدونه ما قال: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ إلى أن قال: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾.
فقلت: المشركون عبدة الأصنام الذي بعث النبي - ﷺ - إليهم عليًا ليقرأ عليهم سورة براءة.
قال: وما الأصناف؟.
قلت: الحجارة.
قال: والحجارة أتعبد؟
قلت: نعم، والعزى كانت تعبد وهي شجرة، والشعرى كانت تعبد وهي نجم.
قال: فالله يقول: ﴿أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ [يونس: ٣٥]
فكيف نقول: إنها الحجارة؟ والحجارة لا تهتدي إذا هديت، لأنها ليست من ذوات العقول.
قلت: أخبرنا الله أن الجلود تنطق وليست بذوات عقول.
قال: نسب إليها النطق مجازًا.
قلتُ: منزل القرآن يأبى ذلك.
فقال: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ﴾ [ص: ٦٥] إلى أن
[ ١٠٦ ]
قال: ﴿قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١]. وما الفرق بين جسمنا والحجارة؟ ولو لم يعقلنا لم نعقل، وكذا الحجارة إذا شاء أن تعقل عقلت.
* * *