إسحاق بن راهويه شيخ المغرب، سيد الحفاظ أبو يعقوب (١١/ ٣٥٨).
عن أبي هريرة .. عن النبي - ﷺ - قال: «ثلاث من كن فيه فهو منافق: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان».
قال رجل: يا رسول الله ذهبت اثنتان وبقيت واحدة.
قال - ﷺ -: «فإن عليه شعبة من نفاق ما بقي فيه منهن شيء».
قال الإمام الذهبي ﵀: هذا الحديث حسن الإسناد وأبو معشر نجيح السندي صدوق في نفسه وما هو بالحجة، وأما المتن فقد رواه جماعة عن أبي هريرة.
وفيه دليل على أن النفاق يتبعض ويتشعب كما أن الإيمان ذو شعب ويزيد وينقص فالكامل الإيمان من اتصف بفعل الخيرات وترك المنكرات وله قُرب ماحية لذنوبه كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤].
[ ٥٨ ]
وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠، ١١] ودون هؤلاء خلق من المؤمنين الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، ودونهم عصاة المسلمين ففيهم إيمان ينجون به من خلود عذاب الله تعالى وبالشفاعة، ألا تسمع إلى الحديث المتواتر «أنه يخرج من النار من في قلبه وزن ذرة من إيمان» (١) وكذلك شعب النفاق من الكذب والخيانة والفجور والغدر والرياء، وطلب العلم ليُقال وحب الرئاسة والمشيخة، ومُوادة الفجار والنصارى، فمن ارتكبها كلها، وكان في قلبه غل النبي - ﷺ - أو حَرج من قضاياه. أو يصوم رمضان غير محتسب أو يُجوز أن دين النصارى أو اليهود دين مليح، ويميل إليهم، فهذا لا تَرْتَبْ في أنه كامل النفاق وأنه في الدرك الأسفل من النار وصفاته الممقوتة عديدة في الكتاب والسنة من قيامه إلى الصلاة كسلان، وأدائه الزكاة وهو كاره، وإن عامل الناس فبالمكر والخديعة، قد اتخذ إسلامه جُنة نعوذ بالله من النفاق، فقد خافه سادة الصحابة على نفوسهم.
فإن كان فيه شعبة من نفاق الأعمال، فله قسط من المقت حتى يدعها، ويتوب منها، أما من كان في قلبه شك من الإيمان بالله ورسوله فهذا ليس بمسلم وهو من أصحاب النار، كما أن من في قلبه جزم بالإيمان بالله ورسله وملائكته وكتبه وبالمعاد وإن اقتحم الكبائر فإنه ليس بكافر قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ وهذه مساءلة كبيرة جليلة قد صنف فيها العلماء كتبًا وجمع فيها الإمام أبو العباس (٢) شيخنا مجلدًا حافلًا. قد اختصرته نسأل الله تعالى أن يحفظ علينا إيماننا حتى نوافيه به.
عن أبي عبد الله البصري قال: أتيت إسحاق بن راهويه، فسألته شيئًا فقال: صنع الله لك.
_________________
(١) قال المحقق وفقه الله: أخرجه من حديث أنس البخاري (١/ ٩٥، ٩٦) في الإيمان .. باب زيادة الإيمان ونقصانه (١٣/ ٣٩٥) في التوحيد: باب كلام الرب تعالى يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم، ومسلم (١٩٣) و(٣٢٥) و(٣٢٦) في الإيمان: باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها.
(٢) قال المحقق وفقه الله: يقصد ابن تيمية، وكتابه الذي أشار إليه هو "منهاج السنة" ومختصره الذي اختصره المؤلف أسماه: المنتقى من منهاج الاعتدال، وقد طبع بتحقيق محب الدين الخطيب.
[ ٥٩ ]
قلت: لم أسألك صنع الله، إنما سألتك صدقة، فقال: لطف الله بك.
قلت: لم أسألك لطف الله إنما سألتك صدقة.
فغضب وقال: الصدقة لا تحل لك.
قلت: ولما؟
قال: لأن جريرًا حدثنا عن الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال رسول الله - ﷺ -: «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي» (١).
فقلت: ترفق يرحمك الله فمعي حديث في كراهية العمل.
قال إسحاق: وما هو؟
قلت: حدثني أبو عبد الله الصادق الناطق عن إفشين عن إيتاخ عن سيماء الصغير، عن عجيف بن عنبسة، عن زغلمج بن أمير المؤمنين، أنه قال: العمل شؤم، وتركه خير، تقعد تمني خير من أن تعمل تعني، فضحك إسحاق، وذهب غضبه، وقال: زدنا.
فقلت: وحدثنا الصادق الناطق بإسناده عن عجيف.
قال: قعد زغلمج في جلسائه فقال: أخبروني بأعقل الناس، فأخبر كل واحد بما عنده.
فقال: لم تصيبوا بل أعقل الناس الذي لا يعمل لأن من العمل يجيء
_________________
(١) قال المحقق وفقه الله: أخرجه الترمذي (٦٥٢) في الزكاة، والطيالسي (١/ ٧٧١) وأبو داود (١٦٣٤) في الزكاة وعبد الرزاق (١٧٥٢) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ص قال: «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي» وسنده قوي وله شاهد من حديث أبي هريرة عند النسائي (٥/ ٩٩) وابن ماجة (١٨٣٩) ولا بأس في سنده في الشواهد، والمرة: القوة، وأصلها من شدة قتل الحبل يقال: أمررت الحبل إذا أحكمت فتله، والسوي: الصحيح الأعضاء الذي ليس به عاهة.
[ ٦٠ ]
التعب، ومن التعب يجيء المرض، ومن المرض يجيء الموت ومن عمل فقد أعان على نفسه والله يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
فقال: زدنا من حديثك.
فقلت: حدثني أبو عبد الله الصادق الناطق بإسناده عن زغلمج.
قال: من أطعم أخاه شواء، غفر الله له عدد النوى، ومن أطعم أخاه هريسة غفر له مثل الكنيسة، ومن أطعم أخاه جنبًا غفر الله له كل ذنب، فضحك إسحاق وأمر له بدرهمين ورغيفين.
قال أحمد بن سلمة: سمعت إسحاق يقول: قال لي الأمير عبد الله بن طاهر: لِم قيل لك: ابن راهويه؟ وما معنى هذا؟ وهل تكره أن يقال لك ذلك؟
قال: اعلم أيها الأمير أن أبي ولد في طريق مكة.
فقالت المراوزة: راهويه، لأنه ولد في الطريق، وكان أبي يكره هذا، وأما أنا فلا أكرهه.
عن إسحاق قال: دخلتُ على ابن طاهر، وإذا عنده إبراهيم بن أبي صالح، فقال له: يا إبراهيم ما تقول في غسيل الثياب؟
قال: فريضة. قال: من أين تقول؟
قال: من قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] فكأن عبد الله بن طاهر استحسنه.
فقلت: أعز الله الأمير، كذب هذا، أخبرنا وكيع، حدثنا إسرائيل عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قلبك فنقه.
وأخبرنا روح، حدثا ابن أبي عروبة عن قتادة ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال:
[ ٦١ ]
علمك فأصلحه ثم ذكر إسحاق قول ابن عباس: «من قال في القرآن برأيه، فليتبوأ مقعده من النار» فقال ابن طاهر: يا إبراهيم إياك أن تنطق في القرآن بغير علم.
قال قائل: ما دلت الآية على واحد من الأقوال المذكورة بل هي نص في غسل النجاسة من الثوب، فنعوذ بالله من تحريف كتابه.
وورد عن إسحاق أن بعض المتكلمين قال له: كفرت برب ينزل من سماء إلى سماء.
فقال: آمنت برب يفعل ما يشاء.
قلت: هذه الصفات من الاستواء والإتيان والنزول، قد صحت بها النصوص ونقلها الخلف عن السلف، ولم يتعرضوا لها برد ولا تأويل بل أنكروا على من تأولها مع إصفاقهم على أنها لا تشبه نعوت المخلوقين، وأن الله ليس كمثله شيء، ولا تنبغي المناظرة ولا التنازع فيها فإن في ذلك محاولة للرد على الله ورسوله أو حومًا على التكييف أو التعطيل.
قال أبو عبد الله الحاكم: إسحاق، وابن المبارك، ومحمد بن يحييى هؤلاء دفنوا كتبهم.
قلت: هذا فعله عدة من الأئمة وهو دال أنهم لا يرون نقل العلم وجادة فإن الخط قد يتصحف على الناقل، وقد يمكن أن يزاد في الخط حرف فيغير المعنى ونحو ذلك.
وأما اليوم فقد اتسع الخرق وقل تحصيل العلم من أفواه الرجال، بل ومن الكتب غير المغلوطة، وبعض النقلة للمسائل قد لا يحسن أن يتهجى (١١/ ٣٧٧).
قال المحقق وفقه الله:
[ ٦٢ ]
الوجادة: هي أن يجد الشخص أحاديث بخط راويها، سواء لقيه أو سمع منه، أم لم يلقه ولم يسمع منه، أو أن يجد أحاديث في كتب المؤلفين المعروفين ففي هذه الأنواع كلها لا يجوز له أن يرويها عن أصحابها، بل يقول: وجدت بخط فلان، إذا عرف الخط ووثق منه، أو يقول قال فلان، أو نحو ذلك، والذي عليه المحققون من أهل العلم وجوب العمل بها عند حصول الثقة بما يجده القارئ أي يثق بأن هذا الخبر أو الحديث بخط الشيخ الذي يعرفه، أو يثق بأن الكتاب الذي ينقل منه ثابت النسبة إلى مؤلفه الثقة المأمون، وأن يكون إسناد الخبر صحيحًا (١١/ ٣٢٩).
* * *