قال الذهلي: سمعت أبا مسهر يُنشد:
ولا خير في الدنيا لمن لم يكن له من الله في دار المقام نصيب
فإن تعجب الدنيا رجال فإنه متاع قليل والزوال قريب
المأمون
الخليفة، أبو العباس، عبد الله بن هارون الرشيد بن محمد المهدي ابن أبي جعفر المنصور العباسي (١٠/ ٢٧٢).
كان فصيحًا مفوهًا، وكان يقول: معاوية بن أبي سفيان بعمره، وعبد الملك بحَجاجه، وأنا بنفسي.
قال يحيى بن أكثم: قال لي المأمون: أريد أن أحدث.
قلت: ومَن أولى بهذا منك؟
[ ٣٣ ]
قال: ضَعُوا لي منبرًا ثم صعد.
قال: فأول ما حدثنا عن هشيم، عن أبي الجهم، عن الزهري، عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا، «أمرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار» (١). ثم حدَّث بنحو من ثلاثين حديثًا ونزل.
فقال: كيف رأيت أبا يحيى مجلسنا؟ قلتُ: أجل مجلس تفقهه الخاصة والعامة.
قال: ما رأيتُ له حلاوة، إنما المجلس لأصحاب الخلقان والمحابر.
(عن) محمد بن سهل بن عسكر قال: تقدّم رجل غريب بيده محبرة إلى المأمون، فقال: يا أمير المؤمنين، صاحب حديث منقطع به.
فقال: ما تحفظ في باب كذا وكذا؟ فلم يذكر شيئًا.
فقال: حدثنا هشيم، وحدثنا يحيى، وحدثنا حجاج بن محمد، حتى ذكر الباب، ثم سأله عن باب آخر، فلم يذكر شيئًا.
فقال: حدثنا فلان وحدثنا فلان. ثم قال لأصحابه: يطلب أحدهم الحديث ثلاثة أيام، ثم يقول: أنا من أصحاب الحديث. أعطوه ثلاثة دراهم.
عن ابن عيينة أن المأمون جلس، فجاءته امرأة فقالت: مات أخي، وخلف ستمائة دينار، فأعطوني دينارًا واحدًا، وقالوا: هذا ميراثك، فحسب المأمون وقال هذا خلف أربع بنات، قالت: نعم. قال: لهن أربعمائة دينار. قالت: نعم. قال: وخلف أمًا فلها مائة دينار، وزوجة لها خمسة وسبعون دينارًا بالله ألك اثنا عَشَرَ أخًا؟
قالت: نعم.
قال: لكل واحد ديناران ولك دينار.
_________________
(١) قال المحقق وفقه الله: إسناده ضعيف لضعف أبي الجهم.
[ ٣٤ ]
وعن المأمون: من أراد أن يكتب كتابًا سرًا: فليكتب بلبن حُلبَ لوقته، ويرسله فيعمد إلى قرطاس فيحرقه ويذر رماده على الكتابه فيُقرأ له.
وعن يحيى بن أكثم: كان المأمون يحلُم حتى يُغيظنا، قيل: مرَّ ملاح، فقال: أتظنون أنّ هذا ينبُل عندي وقد قتل أخاه الأمين.
فسمعها المأمون، فتبسم وقال: ما الحيلة حتى أنبل في عين هذا السيد الجليل.
قيل: أهدى ملك الروم للمأمون نفائس منها مائة رطل مسك ومائة خلة سمور.
فقال المأمون: أضعفوها له ليعلم عز الإسلام.
وعن المأمون قال: الناس ثلاثة: رجل منهم مثل الغذاء لا بُدَّ منه، ومنهم كالدواء يحتاج إليه في حال المرض، ومنهم كالداء مكروه على كل حال.
وعنه: أعْيت الحيلة في الأمر إذا أقبل أن يُدبر، وإذا أدبر أن يُقبل.
* * *