المقدم: نحن اليوم حديثو عهد بعيد، والفرحة ما زالت مستمرة أسأل الله ﷿ أن يجعل أيامك وأيام المشاهدين كلها أفراحًا وسعادة.
وفرحة العيد بعض الناس قد يتجاوز فيها، فلعلنا نبين الضوابط الشرعية في ذلك؟ الشيخ: دين الله ما بين الجافي عنه والمغالي فيه، نظر ﷺ وهو أعظم الناس تقوىً وورعًا إلى الحبشة وهم يلعبون بحرابهم في مسجده، فقال: (دونكم يا بني أرفدة! حتى تعلم يهود أن في ديننا فسحة، إنما بعثت بحنيفية سمحة) هذه أيام عيد يغض فيها ما لا يغض في غيرها، فيترك للناس فرحتهم من حيث الإجمال، لكن لا ينبغي للناس أن يفرحوا فرحًا غير شرعي يكون فيه الاختلاط المحرم، أو جني الآثام أو مطالب غير محمودة؛ هذا كله محرم.
العيد ينبغي أن يظهر على الناس الفرحة، وأحيانًا يقع من بعض الناس اجتهاد في أمور قد لا يحسن فعلها في أيام العيد، ولا حاجة للتنصيص، لكن ينبغي أن يعرف الإنسان أنه ما سمي عيدًا إلا ليظهر الإنسان فيه فرحته وبهجته.
ونذكر بعض المواطن التي فرح فيها الرسول ﷺ؛ فإنه ما فرح أحد أعظم من نبينا ﷺ، يقول الله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس:٥٨] سجل التاريخ مواطن فرح النبي ﷺ منها: قدوم جعفر بن أبي طالب ابن عم رسول الله ﷺ، الذي هاجر إلى الحبشة، وكان الرسول يحبه حبًا جمًا والتقى بالنبي ﷺ أثناء عودته من الحبشة في خيبر، عندما فتح النبي ﷺ خيبر.
ذكر أصحاب السير أنه ﷺ قال: (لا أدري بأيهما أنا أسر بقدوم جعفر أم بفتح خيبر) ثم قبله بين عينيه والتزمه صلوات الله وسلامه عليه.
ومن فرحك الله به يحزنك به إذا أمد في العمر، فالنبي ﷺ فرح بقدوم جعفر ثم لم يلبث أن حزن على وفاة جعفر، وعلى قدر فرحه بقدوم جعفر كان حزنه على وفاة جعفر، فقدوم جعفر كان فرحًا، والغائب إذا كان محبوبًا تبقى له وحشة وفرحة للقاء لا تعدلها فرحة، يقول ابن زريق: أستودع الله في بغداد لي قمرًا بالكرخ من فلك الأزغار مطلعه ودعته وبودي لو يودعني صفو الحياة وأني لا أودعه وكم تشبث بي يوم الوداع ضحى وأدمعي مستهلات وأدمعه المقصود: أن لقاء الغائب أمر محمود، فكان جعفر غائبًا مدة طويلة عن النبي ﷺ وهو ابن عمه وقريبه، وأحد المؤمنين به من أنصاره، فلما رآه التزمه ﷺ وأظهر فرحه.
من مواطن فرح الإنسان أن الإنسان يشعر بنوع من التأييد، وهذا أمر يحتاجه كل أحد ولو كان نبيًا، وقد أخبر ﵊ أصحابه بخبر الدجال، ثم لم يلبث مدة حتى جاء تميم بن أوس الداري ﵁ وأرضاه من أهل الشام وكان نصرانيًا فلما قدم المدينة بايع وأسلم وقص على النبي ﷺ ما رآه من خبر الدجال، ففرح النبي ﵊ وهو في غنىً أن يشهد له أحد من الخلق.
وكان هناك صلاة، فصلى الناس فارتقى ﷺ على المنبر وقال: (ليلزمن كل أحد منكم مصلاه) ثم جلس على أعواد منبره وهو يضحك صلوات الله وسلامه عليه، ثم قال: (أيها الناس! ما جمعتكم لرهبة ولا لرغبة، ولكن تميمًا كان نصرانيًا فجاء وبايع وأسلم).
ثم حدثهم حديث الدجال كما قصه عليه تميم، وهذا عند أهل الحديث من رواية الفاضل عن المفضول، فإن النبي ﷺ أفضل من تميم قطعًا، وهو هنا يروي عن تميم، فأخبر عن تميم ثم قال ﷺ وهو الصادق المصدوق: (ألم أكن قد أخبرتكم بهذا؟ قالوا: بلى، قال: فأعجبني أن وافق حديثه حديثي).
فالمقصود من هذا: أن الإنسان يشعر بالفرح إذا أيد، فلا نبخل على من حولنا بكلمة تشجيع، ولا بكلمة تأييد، ولا بكلمة نصرة، فنفرق ما بين الرياء وغير الرياء، أحيانًا نصلي نحن وراء أئمة حسنة أصواتهم فنحاول قدر الإمكان أن نبعث لهم رسالة: أن الله جل وعلا من علينا بالخشوع وراءكم والإعجاب بأصواتكم، فهذه تبعث فيهم نوعًا من التأييد، وهذا فضل من الله جل وعلا ورحمة.
القصة المشهورة أنه نظر إلى أصحابه وهم يصلون خلف أبي بكر فقرت عينه، واطمأنت نفسه، وتهلل وجهه، المؤمن الحق المنصف يحب اجتماع الكلمة يحب وحدة الصف ناصحًا لولاة أمره لا يريد أن يشق عصا طاعة عليهم، ويعلم أن الصلاة أعظم العبادات وأشرف الفرائض بعد التوحيد، فلما رأى النبي ﷺ الأمة قد اجتمعت خلف رجل واحد تصلي بصلاته ويأتموا به قرت عينه واطمأنت نفسه، فهذا من مواطن فرحه صلوات الله وسلامه عليه.
[ ٣ / ٢٥ ]