وأرى أن الظروف متاحة الآن للدعوة ومهيأة للقيام بها في أنحاء مختلفة بعد أن أصبح المفكرون في العالم كله يتطلعون
[ ١٠١ ]
إلى منقذ ينقذه مما تردى فيه من فجور وفسوق واضطراب نفس وبلبلة فكر شملت الكبار والصغار والنساء والرجال واستشرى - ضرورة في الريف بعد أن عم المدن ولم يجد المفكرون من أهل الأديان الأخرى في أديانهم التي يتدينون بها. ما يسد فراغهم الروحي الديني وما يسكن نفوسهم المضطربة فبدأوا يبحثوا عن مشعل يهديهم السبيل ويقودهم إلى ما يملأ قلوبهم هداية ونفوسهم أمنا.
والمجتمعات كلها غارقة فيما جد من مذاهب وما استحدث من مبادئ وكلها تتجاذب الناس إلى ناحيتها وتغريهم بما تنمقه من دعايات وما تزوقه من أساليب وتخاطبهم زورا بما تهفوا له النفوس القلقة وتناديهم بالنغمة التي يسمعونها وتلمس مواضع الآلام في نفوسهم وتتبنى مشكلاتهم وتنصب نفسها للدفاع عنهم والمطالبة بحقوقهم تعدهم بتحقيقها مهما اعترضها من صعاب وتمنيهم بنظام متكامل ينقذ العالم مما تردى فيه من أنظمة براقة ومبادئ وعدته بالسعادة في الدنيا. وبالراحة والأمن والإطمئنان فيها. ولكنها لم تحقق له السعادة بل هوى بسببها في الشقاء ولم تهيء له الأمن فقد أصيب من جرائها بالذعر والخوف. ولم يعد يطمئن على عرض ولا على نفس ولا على مال مما له في الحياة.
نعم العالم اليوم في حاجة إلى الإسلام باعتباره نظاما عاما لشئون الحياة يقي البشرية من ويلات الحروب المدمرة ويقر العدل بين الناس ويطبق الإخاء والمساواة بين البشر وينشل الإنسان مما تردى فيه من وحل المادية الوبيئة الآسنة: بعد أن جرب العقائد الأخرى فانحطت بإنسانيته إلى ما دون - الحيوانات وبعد أن جرب نظام الرأسمالية والشيوعية: فاعتصره الأول وأذله ومحا إنسانيته الثاني. وفشلت الأنظمة الأرضية كلها في تحقيق أدنى طمأنينة للإنسان.
أيها الإخوة:
إن قضية الدعوة في الزمان الحاضر تختلف تمام الإختلاف عنها في الماضي فمشكلاتها اليوم شملت الأسرة وامتزجت بالمجتمع وتغلغلت في الأنظمة الإقتصادية والسياسية والإجتماعية والتعليمية كما صبغت بألوان الجنس واللون والوطن والقومية وتعددت المذاهب والمبادئ وخطط للقضاء على القيم الروحية والأخلاقية تخطيط مادي ونفسي واجتماعي يهدف أول ما يهدف إلى تفتيت الأسرة بإعتبارها اللبنة الأولى في كيان المجتمع. واستغلت في ذلك
[ ١٠٢ ]
وسائل الإعلام والتي يدفع الجمهور المجني عليه منها نفقاته من دمه. سواء في ذلك الصحافة والإذاعة والتلفزة والأفلام المتنقلة داخل البيوت في صمت وخفاء، بما يجعل دعوة الفساد والخروج على روح الأديان كلها وعلى القيم الأخلاقية، يصل إلى النساء والأمهات في خدورهن ومخادعهن وإلى الشباب في معاهدهم ومصانعهم ويصل إلى الفلاحين في حقولهم وإلى المسافرين على سطوح البحار أو على متون القفار. وساعد أصحاب الأغراض والأهواء على إشاعتها وأغمض الحكام وأولوا الأمر (أغلب الدول) عيونهم عن أضرارها: إما لهوى في نفوسهم أو شرا، لعواطف الجماهير أو رغبة في تمييع الشعوب وصرفها عن مناقشة سياستهم ومطالبتهم - بالإصلاحات الداخلية وشارك بعض الآباء أولادهم في سيرهم وشجعوهم على إنحرافهم إما يأسا من إصلاحهم وإما لهوى في نفوسهم.
كما أن الأنظمة الحكومية التي كانت تبيح النشاطات الإصلاحية قد انتهت أو كادت وحل محلها أنظمة أخرى فيها دكتاتورية جامحة تربي قادتها وأولوا الأمر فيها على الحقد على الإسلام وعلى إحتقار المسلمين.
[ ١٠٣ ]