وبقيت أمور تمثل عقبات وتحديات تعترض طريقها وسوف نشير إلى أهمها فيما يلي:
أولًا: عقبات داخل مجال الدعوة نفسها:
١) ومن ذلك تعدد أجهزة الدعوة، كيانا، وتوجيها، وإشرافا، وهو أمر له خطره المتمثل في تضارب الاتجاهات، وما يترتب على ذلك من شقاق، وبلبلة تهز ثقة الناس، وتجعلهم يتساءلون: ترى من المحق من كل هذه الطوائف؟ ولماذا يكون بعضها أولى بالحق من الآخرين.
٢) ومن ذلك ترك ساحة الدعوة فوضى يتجول فيها هواة، ومشعوذون، ودجالون، ومرتزقة كاذبون، ولعل ما يجري تحت اسم الطرق الصوفية في أنحاء العالم الإسلامي أسوأ ما يعترض طريق الدعوة الحقة!!
٣) ومن ذلك مناهضة أجهزة الإعلام والثقافة العامة بوعي وبدونه لأجهزة الدعوة مناهضة تملك من الوسائل والطاقات ما يكاد يذهب بأثر الأخيرة ذهابًا كليًا، ومن أخطر ما يجري في هذا القطاع التعريض بالدعوة ورجالها، والنيل من مكانتهم، ومحاولة التأثير على صدورتهم عند الجماهير بما يضعف استجابتهم لهم.
٤) ومن ذلك ميل كثير من العاملين في مجال الدعوة إلى الهروب من الميدان، والاتجاه إلى مجالات أخرى يرونها أكثر سخاء في العطاء الدنيوي وهذا أكبر دليل على أن فكرة» الرسالة «والإحساس بها لم تنشأ في نفوسهم، ولم يعن بتنميتها فيهم من خلال مراحل الإعداد!!..
ثانيًا تحديات من خارج المجال:
وفي مقدمة هذه التحديات ما يتستر ويتخفى تحت شعار العلم متخذا منه قناعًا من جهة ومعبرًا يعبر منه إلى عقول الشباب المعاصر من جهة أخرى! من هذه التحديات:
١) تلك النزعات والمذاهب والفلسفات المادية التي تفد من الشرق ومن الغرب على السواء، والتي تلتقي على غاية واحدة، قلع بذور الدين والتدين من العقول والقلوب وأصحاب هذه الاتجاهات يحاولون إضفاء صفة العلم عليها، لما للعم اليوم من سلطان على العقلية المعاصرة
[ ١٣٦ ]
وخاصة في بلاد العالم الصناعي، حيث قدم العلم إنجازات جعلت تلك المجتمعات تقيم منه إلها تعبده، وتتعبد في محرابه.
إن فتنة العلم في عصرنا هي أخطر ما يجب مواجهته، وكشف ما ينطوي عليه من مغالطات وتجن على الحقيقة، وافتعال الإدعاء بأن الدين عدو للعلم.
٢) ومن فروع هذه الشجرة الآثمة ذلك الاتجاه «العلماني» الذي يدعو إلى فصل الدين عن الدولة، وهو اتجاه قد يكون له ما يبرره في بلاد نبذت الدين كلية، أو فشلت في محاولة التوفيق بين نظرة العلم ونظرة الدين الذي تدين به للحياة، لكن هذا إذا ساغ في أي مجتمع يستظل بأي دين فإنه في مجتمع يستظل بالإسلام لا يزيد عن تقليد جاهل أو محاولة مغرضة تريد حرمان المجتمع الإسلامي من أعظم مقوماته، ومن أعمق دوافعه، ومن أقوى حصونه في الصمود والدفاع عن نفسه في مواجهة أعدائه.
في مجتمع الإسلام لا مكان لهذه المشكلة، بالمرة، فالدين الحق والعلم الصحيح أخوان، وفي تعاونهما معًا ازدهار الحياة وتقدمها، والداعون للعلمانية في مجتمعات الإسلام هم - بحق - الرجعيون الذين ينطلقون من منطلقات جاهلة أو حاقدة..
٣) ومن فروع هذه الشجرة الآثمة أيضًا ما نراه من انفصام بين الجامعات والمراكز التي تتولى شئون البحث العلمي في بلاد إسلامية متعددة، وبين روح الإسلام ونظرته للعلم والعلماء، وهي ثمرة مرة جاءت نتاجًا غير صالح لما كان من فصل متعمد بين التعليم الديني والتعليم المدني أرسى الاستعمار قواعده، ورسخ أصوله، وأحدث ثغرة هائلة في بنية المجتمع الإسلامي المعاصر، يجسدها هذا الانفصام بين مراكز التوجيه والقيادة الفكرية فيه، وبين الإسلام على درجات متفاوتة.
٤) ومن التحديات التي تواجه الأديان بوجه عام ما يبدو من ميل علم كذلك إلى التحلل من الدين، والتخفف من تبعات التدين، وهي ظاهرة عامة في كل المجتمعات تعكس روح العصر، ومن الغريب أنها بدأت تنحسر في المجتمعات المتقدمة وظهرت فيها نزعات
[ ١٣٧ ]
تطالب بالعودة إلى الدين، هذا بينما هي في المجتمعات النامية ما زالت تأخذ صورة المد، ولم تنحسر بعد.
٥) وهناك تحد خطير، لأنه يمثل خميرة الشيطان في مجتمعات المسلمين لقد تمكن الملاحدة من الماركسيين وغيرهم في كثير من بلاد العالم الإسلامي من أن يكون لهم وجود منظم أو معترف به، في شكل أحزاب، أو تجمعات تمارس نشاطها علانية أو تحت الأرض.
هذه التجمعات الإلحادية تركز نشاطها على الشباب، وتستثمر الظروف الصعبة التي تعانيها بعض تلك المجتمعات، لحساب مبادئها الهدامة، وأغراضها المشبوهة وقد مكنها ما أضفى عليها من شرعية في بعض تلك البلدان من أن تستعلن، وتفصح عن مبادئها، وتدعو إليها جهارًا نهارًا.
وبعد فلعلنا نكون - بهذا التفاؤل الموجز - قد ألقينا ضوءا كافيًا على ما يعترض الدعوة الإسلامية من مشكلات وما يعترض «الدعاة» من عقبات حرصنا على أن نضعها في أطرها العامة ليسهل التعرف عليها، والنفاذ إلى جذورها وأسبابها، بما يهيء السبل الصحيحة لعلاجها والخلاص منها.
إننا لو استطعنا تحقيق وتطبيق معطيات هذه الآيات الكريمة في محيط الدعوة الإسلامية ومجالاتها لكان لها من هذا التطبيق ما يخلصها من مشكلاتها، ويمنحها قوة دافعة تسرع بها نحو غايتها.
لنرفع قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ شعارًا لتجرد الدعوة والدعاة.
ولنرفع قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ عهدًا بالتضحية والفداء.
ولنرفع قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ تذكرة بالاحتساب.
ولنتخذ من قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ معيارًا لما يجب أن يكون عليه الداعية تفقهًا في دين الله، ومعرفة بالطريق إليه.
ثم لنتخذ من قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، منهاجًا ودستورًا وأدبًا يتخلق به الدعاة.
وأخيرًا لنتخذ من قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ منارًا نطل منه على آفاق الدعوة التي يجب أن نبلغ بها إليها.
والله من وراء القصد موفق ومعين، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون.
[ ١٣٨ ]