وعلى الدعاة أنفسهم أن يكونوا مثلا يحتذى فإن وجودهم في البيئة دعوة
[ ١١٥ ]
وسيرهم في الطريق العام للدعوة وكلامهم دعوة وعملهم دعوة.
فليتقوا الله في أنفسهم وليعلموا أنهم محط الأنظار وموضع القدوة وعلى كل داع أن يراعي ما يلي:-
١ـ أن يكون معقود الصلة بالله ﵎ وأن يكون قلبه معلقًا به وعليه ألا يغفل عن ذكر الله عند كل عمل أو قول وأن يظل دائم الرجاء لله.
٢ـ أن يؤمن إيمانًا جازمًا بأن ما يدعو إليه هو الحق لا شك فيه والصحيح الذي لا خطأ فيه ليكون تأثيره قويا وأن يؤمن كذلك بأنه يقوم بأشرف الأعمال وأعظمها أجرا لأنه يعمل على تحقيق قوله تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ كما أنه نائب عن رسل الله جميعا.
٣ـ أن يلتزم التزاما كاملا في قوله وفعله وتفكيره وسلوكه بأحكام الإسلام وتشريعاته. وأن ينظر للحياة كلها بمنظار الإسلام حتى لا يكون مزدوج الشخصية بين ما يدعوإليه وبين ما يأتيه في سلوكه فيهدم دعوته بنفسه.
٤ـ أن يتفرغ للدعوة ولا يشتغل بغيرها من التجارة أو الزراعة.. إلخ.
٥ـ أن يبتعد عن السياسة مطلقًا حتى لا يكون هدفًا سهلًا لسهام خصومه ويتجرأ عليه الناس١.
٦ـ أن يكون شجاعًا في مواجهة الأمور من غير تهور في إبداء رأيه وأن يثبت بجانب الحق لا يتلون.
٧ـ أن يتجمل بالصبر وعدم استعجال النتائج فقد بقي رسول الله ﷺ في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو قومهم فلم يزد عدد من آمن به عن خمسين ومائة فرد.
٨ـ أن يتعود التدرج في الدعوة وتقديم الأهم على المهم وتلك كانت دعوة الرسل ودعوة الرسول صلوات الله وسلامه عليهم جميعًا. يشهد بذلك نصيحة الرسول ﷺ لمعاذ بن جبل المذكورة في الصحيحين أن النبي ﷺ قال له "أنك ستأتي قومًا أهل كتاب فادعوهم إلى شهادة ألا إله إلا الله وأني رسول الله. فإن هم
_________________
(١) ١ لا مندوحة للداعية من توجيه النصح إلى رجال السياسة بالحكم والموعظة الحسنة - (المجلة) .
[ ١١٦ ]
أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض خمس صلوات في اليوم والليلة. فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم.. الحديث ". وكذلك كانت تشريعات الإسلام.
٩ـ أن يوطن نفسه بأنه ستسلط عليه حرب الأعصاب من جبهات متعددة فعليه الثبات على حقه في صبر وليقرأ في ذلك ما وجه إلى الرسول منها في مثل ما أشار إليه القرآن بقوله ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ .. الآيات وغيرها. وكذلك حرب الدعايات بين الدول قديما وحديثا والتاريخ الحديث مفعم بالكثير منها وليعلم أن خصوم الإسلام وخصوم العقيدة الصحيحة لن يتركوه يسير على أرض مفروشة بالورود. كما عليه أن يعلم أن المعاكسة له أمر عادي لأن انتزاع الناس من عقيدة امتزجت بدمائهم وتوارثوها جيلًا بعد جيل من أصعب الأمور وأشقاها على النفوس فليكن حكيما في دعوته وطبيبا في علاجه.
١٠ـ ألا يهاجم غيره ولا يسفه رأي الآخرين. وإنما يعرض الإسلام وتشريعه في مقابلة ما يراه خطأ وألا يهاجم إلا إذا دعته الضرورة القصوى وليكن دستوره في دعوته هو دستور الله ﵎ ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ حتى لا يتحزب الناس ضده وقد يسلط عليه من يضايقه من سفهاء القوم حتى يفلت منه الزمام وينطلق لسانه بالشتم والقذف والسب. فليعف بلسانه عن النزول إلى هذا الدرك وليعلم أن هذا مقصود لجره إليه ولتكن قدوته برسل الله ﵎ ومنهم الرسول الكريم ﷺ فقد كان يدفع السيئة بالحسنة بل ويعطي من شتمه وفوق ذلك كان يدعو لمن أساءه فيقول اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون.
١١ـ ألا يتقيد بزمان أو بمكان في دعوته والا تحول إلى مدرس أو موظف وطبيعة عمل كل منهما تختلف عن طبيعة عمل الداعي ومهمته.
[ ١١٧ ]
١٢ـ أن يعف عما في أيدي الناس (وليكن ممن يعطي لا ممن يأخذ) فإن من مد يده إلى ما في أيدي الناس لم يستطع أن يمد لسانه ينهاهم عن منكر يفعلوه.
١٣ـ أن يتواضع وألا يتعالى على الضعفاء وعلى الفقراء وعليه أن يجعل نفسه أبًا للجميع يحس بإحساسهم ويتألم لآلامهم ويفرح لفرحهم. لينصره الله وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم.
وهذا جهدي و(إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب) ..
[ ١١٨ ]