أدى التطور الحديث إلى كثرة المؤثرات وتداخل عمليات التغيير الاجتماعي، والداعية في مجمل عمله يقوم بعملية اجتماعية هدفه منها هداية الإنسان وإخراجه من عالم الضلال إلى عالم النور والهدى، وتثبيت عقيدته وسلوكه على الحق وفق تعاليم الإسلام الحنيف. والداعية بذلك يقوم بمهمة عظيمة ودقيقة يحتاج خلالها العون والمساعدة والتخطيط، ولذا كان لا بد من الإشراف على الداعية وإمداده بما يعينه على النجاح. وهذا الإشراف يجب أن يكون موحدًا تقوم به هيئة واحدة في كل بلد إسلامي لأن تعدد جهات الإشراف يؤدي إلى التضارب واختلاف الأهداف ويجب أن يكون هذا الإشراف كاملًا بأن يشمل الجوانب التالية:-
أـ دراسة التيارات المختلفة التي توجد بين المدعوين، للوقوف على حقيقتها ومعرفة أسبابها، وقياس مدى قوتها، وتحليلها تحليلًا يبين موقعها من الدعوة وبهذه الدراسة يسهل وضع المنهج الأمثل لتبليغ الدعوة.
ب - وضع الخطة المناسبة لنجاح الدعوة على ضوء ما يسود المدعوين من تيارات، وما يكتنفهم من اتجاهات ولكل بيئة، لأن الاختلاف بين الأفراد تقتضي الاختلاف في أسلوب الدعوة، وذلك الاختلاف ضروري في فن الدعوة، وإيراده ليس بدعًا أمام الدعاة، لأن تعدد أساليب الخطاب في القرآن الكريم راعت اختلاف المخاطبين، فمن يناسبه الترغيب قد لا يناسبه الترهيب ومن يتأثر بالسور والآيات القصيرة قد لا يتأثر بالآيات الطوال، والمنكر المعاند يحتاج لتأكيد الخبر بعكس العاقل المصدق. وهكذا.
يقول صاحب كتاب القرآن وعلم النفس، والأسلوب المكي يغاير الأسلوب المدني لأن المكي قصير الجمل كثير
[ ٨٤ ]
التكرار، ملئ بالقصص والأقسام فيه مناسبة الفواصل، ورنين السجع، أما المدني فقل أن تجد فيه شيئًا من هذا، والعامل النفسي في ذلك أن القوم في مكة كانوا غير مستقرين، بل كانوا مطاردين قلقة نفوسهم، غير مستعدين لتشريع أو تفصيل، والمشركون أيضًا كانوا منصرفين عن سماع القرآن متأثرة نفوسهم بأدبهم وخطبهم ومنافراتهم، كما أن التشريع يحتاج إلى هدوء ورزانة في العقل، وترو في المنطق، وتقبل للإرشاد، ورغبة في التطور والإصلاح وطاعة للأمر واستجابة للداعي، وكل هذه الحالات غير متوفرة في الحياة المكية مما جعل الأسلوب المكي ينزل مناسبًا لأهل مكة، فلما غايرت الحياة المدنية الحياة في مكة جاء الأسلوب المدني مناسبًا للحياة المدنية، وبذلك تغاير الأسلوبان في القرآن الكريم ١ وثبت أنه ﷺ كان يخاطب كل قبيلة بلسانها ٢، لأن ذلك التناسب من أهم أسباب بيان الدعوة واتضاحها أمام المخاطبين.
جـ توجيه الداعية بين الحين والآخر نحو ما يجب عليه عمله للدعوة وخاصة كيفية استخدامه للوسائل الحديثة في تبليغ الدعوة كعقد الندوات المفتوحة، وتقديم التمثيليات الهادفة وهكذا.
د - مراجعة أعمال الدعاة. وملاحظة مستوى أدائهم ومتابعة قدراتهم العلمية والأخلاقية للإبقاء على من يرجى صلاحه ووضع غيرهم في أعمال تناسب استعداداتهم.
هـ - تنظيم الدراسات التي تقدم للدعاة، ووضع الخطة التفصيلية لها، سواء كانت هذه الدراسات في دورات للعاملين أو في مدارس الدعوة وكلياتها والهدف من هذا التنظيم هو تنسيق المقررات واختيارها لتتجه جميعًا إلى الإعداد المطلوب في انسجام وتكامل.
إن الإشراف بهذا العموم من أسباب نجاح الدعاة في علاجهم أمراض المجتمع بمنهج الإسلام، وفي تصديهم لما يجابههم من شبه وتحديات، ومن أجل أدائه على صورة مثلى فإني أقترح أن تقوم به المؤسسات الرسمية بالاشتراك مع الجامعات الإسلامية المتخصصة، لأن المؤسسات يغلب عليها الطابع التنظيمي، والجامعات يغلب عليها طابع البحث العلمي، وبإيجاد التفاعل بين
_________________
(١) ١ القرآن وعلم النفس للشيخ خلاف ص ٢١. ٢ الشفا للقاضي عياض جـ ١ ص ٢٧٨ وقد أورد القاضي عياض أمثلة عدبدة على هذا في كتابه المذكور.
[ ٨٥ ]
المؤسسة والجامعة في أي إقليم يمكن الوصول إلى إشراف دقيق يثري كافة الجوانب المطلوبة ويتابع ما يجد بالبحث والتخطيط.
ولعل في هذا المؤتمر مؤشرًا على جدوى هذا الاقتراح الذي نرجو له الاستمرار والعموم.
[ ٨٦ ]