يجب إقامة دورات تعليمية للدعاة، تأكيدًا لما علموا، وتأسيسًا لما لم يعلموا لأن العلم يحتاج إلى المحافظة، وحياته مدارسته، كما أن التربية تعتمد في كثير على الخبرة والممارسة وللمسلمين في ذلك أسوة برسول الله ﷺ فلقد كان شديد الحرص على حفظ ما يوحى إليه حتى طمأنه الله على أن حفظ القرآن الكريم وبيانه متحققان بأمر الله تعالى وذلك في قوله ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَه فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ١، وتأكيدًا لاستمرار الحفظ والفهم والبيان كان جبريل ﵇ يأتي رسول الله ﷺ ليدارسه ما نزل من القرآن مرة، وفي العام الأخير من حياته ﷺ دارسه القرآن مرتين ٢، وكان ﵊ يتعهد أصحابه بالتربية والتدريب ولا يكتفي بأنهم علموا فلقد جاء مرة إلى ابن مسعود وقال له: "اقرأ علي شيئًا من القرآن، فقال له ابن مسعود: أأقرأه عليك وعليك أنزل؟! فقال له: نعم. إني أحب أن أسمعه من غيري" ٣.
ومرّ ﷺ على بلال وهو يقرأ من هذه السورة وهذه السورة. فقال: " يا بلال مررت بك وأنت تقرأ من هذه السورة وهذه السورة. فقال: أخلط الطيب بالطيب. فقال له: اقرأ السورة على وجهها" ٤.
وهكذا كان النبي ﷺ يربي أصحابه، ويؤكد لهم ما علموا ويوجههم نحو الخير فيما علموا، ويدرهم على القراءة والحفظ أمامه مرة ومرة حتى يتأكد من إتقانهم وقرائتهم وفهمهم للقرآن الكريم.
إن تدريب الدعاة مدارسة لفقههم الدعوة وعلومها، وممارسة عملية على الوسائل الحديثة في فن الدعوة. ومن
_________________
(١) ١ سورة القيامة آية ١٧، ١٨، ١٩. ٢ صحيح البخاري كتاب فضائل القرآن جـ ٦ ص ٢٢٩. ٣ الاتقان جـ ١ ص ١٠٩. ٤ المصدر السابق جـ ١ ص ١٠٩.
[ ٨٦ ]
المستحسن أن ينظم هذا التدريب من خلال دورات تعليمية ينقطع الداعية لها فترة زمنية كافية، ونقترح لهذه الدورات ما يلي:-
أـ تنظيم هذه الدورات من قبل كليات الدعوة وأصول الدين في الجامعات الإسلامية بعد أن يوضع للدراسة بها خطة متكاملة تهدف إعداد الدارس كداعية لله تعالى في المجالين النظري والعملي.
إن كليات التربية تقوم بالإشراف على التربية العملية وتقوم بعقد دورات منتظمة للمعلمين تستمر فترات طويلة، وليس هناك ما يمنع تنظيم مثل هذه الدورات للدعاة مع استمرار الدراسة فيها فترة مناسبة على أن يعقد في نهايتها امتحانات نظرية وعملية يحصل الناجح فيها على شهادة معينة تحدد لها المزايا الملائمة تشجيعًا على الدراسة والتحصيل والعناية.
ب - يلاحظ تنوع الدراسة كمًا وكيفًا تبعًا لمستوى الدعاة وقدراتهم ومستوى الأشخاص الموجهة إليهم الدعوة، واختلاف المهام الموكولة للدعاة. ومن السهل تحديد مستوى الدراسة وذلك بواسطة المشرفين على الدعاة.
جـ - تقوم الدراسة النظرية في هذه الدورات على الأساسيات التي يحتاجها الداعية كعلوم القرآن، وعلوم السنة وعلوم العقيدة وأساليب الخطاب وأنواعه، ومما يعمق الاستفادة بدراسة هذه المواد تكليف الدارسين يعمل أبحاث مختصرة في الدراسات الموضوعية من الكتاب والسنة، كما أن هذا النوع من الأبحاث يعلم الداعية كيفية الإعداد والتنسيق وجمع المعلومات وهذا ينفعه في مجال الدعوة.
د - لا تكتفي هذه الدورات بالدراسة النظرية، بل إنها تعتمد على الدراسة العملية كعقد الندوات وإقامة حلقات المناقشة وإلقاء الخطب والمحاضرات والتدريب على الإخراج المسرحي والإلقاء التمثيلي. على أن تتم هذه الدراسة تحت إشراف الأساتذة المتخصصين لإصلاح الأخطاء وإتمام القصور، والتعليق المفيد على مستوى آداء الدارس لما كلف به وبذلك يلتقي الجانب النظري مع الجانب العملي. ومن الممكن إقامة الدراسة العملية في تجمع حقيقي للناس كأن تقام في المسجد وفي النادي وفي المصنع.. وهكذا.
هـ يهتم برنامج هذه الدورات بدراسة
[ ٨٧ ]
العادات والتقاليد السائدة بين المدعوين، والأديان والمذاهب المنتشرة فيهم، والطبائع والأفكار المسيطرة عليهم.
إن دراسة هذه النواحي تساعد الداعية على فهم المدعوين، وتحدد له طرق مخاطبتهم، ووسائل إقناعهم، كما أنها تجعله يواجههم ويدعوهم بالحكمة المطلوبة، والمجادلة الحسنة،فيأتيهم من حيث حاجتهم وقناعتهم متخيرًا المناسب لحالهم، وبذلك ينال ثقتهم ويفوز بهديهم، ويكون ممتثلًا قول الله تعالى ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ ١ ونفعها يتم بملاحظة هذه النواحي وأمثالها.
وـ يجب الإهتمام في هذه الدورات بالتركيز على الجانب الإيماني لتعميقه عند الدعاة فهو الركيزة الأساسية لنجاح الدعوة لأن الداعية يظهر للناس ويؤثر فيهم بقوله وعمله وبكل أنشطته وهذا التركيز يتم بما يلي: ـ
ـ إختيار الأساتذة الذين يدرسون في هذه الدورات إختيارا معينا فهم أسوة للدارسين، وقدوة لهم في كافة المجالات، ومن المعلوم أن الطالب يتأثر كثيرا بأستاذه، وهناك العديد من الأعلام تربوا على يد أشياخهم وأخذوا منهم العلم والعمل معا ويجب أن يكون الأساتذة مؤهلين لهذه القدوة حتى يفيدوا ويستفيدوا.
ـ توجيه الدارسين إلى الخلق المتين. والسلوك الحميد مع إبراز الأمثلة الموحية من خلال سيرة النبي الكريم وسيرة الصحابة والتابعين.
ـ العناية بتقديم الدراسات الإسلامية في ثوب قشيب يوجه إلى النظر والتعمق والإخلاص مع ضرورة الدراسة المقارنة وخاصة في مجال الأديان والمذاهب المعاصرة وغيرها
ـ التركيز على بيان صورة المجتمع بنظمه وتقاليده في الإسلام مع بيان موقف الإسلام من مشاكل الحضارة.
ـ مراقبة الجانب العملي للدعاة، والإشراف على حياتهم اليومية للتأكد من محافظتهم على الفرائض والتمسك بالحلال، والبعد عن الحرام في كافة القضايا وجميع الأنشطة.
_________________
(١) ١ـ سورة الأعلى آية ٩
[ ٨٨ ]
القيام برحلات للدراسة والإعتبار كزيارة مناطق الوحي وأماكن الغزوات ومواطن الأحداث التاريخية، للدراسة والإتعاظ بالنتائج.
إن إيمان الدعاة شرط أساسي لنجاح الدعوة، ويجب أن ينتهي من حياة الناس وإلى الأبد صورة الداعية الذي يعيش حياته العملية بعيدا عن تعاليم الإسلام بصورة كلية أو جزئية، لأن إختلاف عمل الداعية عن قوله يضر ولا يفيد، فهو يدعو الناس بقوله، وينفرهم عن الطاعة بعمله وكأنه يقول لهم لا تصدقوني فيما أدعوكم.
إن الناس عامة جبلوا على إحترام الشخصية القائدة التي تتحد قولا وعملا، ويتاثرون بها، يقول الإمام الشاطبي: " إن المفتي أمر مثلا بالصمت عما لا يعني فإن كان صامتا عما لا يعني ففتواه صادقة وإن كان من الخاطئين فيما لا يعني فهي غير صادقة، وإن دلك على المحافظة على الصلاة وكان محافضا عليها صدقت فتياه، وإن لا فلا وعلى هذا سائر أحكام الشريعة. لأن علامة صدق القول مطابقة العمل، بل هو الصدق في الحقيقة عند العلماء، ولذلك قال الله تعالى ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ ١ وقال في ضده ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ٢ فاعتبر في الصدق مطابقة القول العمل وفي الكذب مخالفته.٣ وحسب الناظر أن أفعال النبي ﷺ كانت مع أقواله على الوفاء والتمام فحينما نهى النبي عن الربا ووضع الدماء لم يكتفي بالقول بل قرن نهيه بالفعل والتطبيق على نفسه وأهل بيته حيث قال ﷺ " إن ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب، وإن دماء الجاهلية موضوعة وأول دم أبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب " ٤، وقال ﷺ حين جاءه أسامة بن زيد يستشفعه في حد "أتشفع في حد من حدود الله تعالى والذي نفسي بيده
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب من آية ٢٣ ٢ سورة التوبة آيات ٧٥ـ٧٧ ٣ الموافقات ج٤ص٢٥٢بتصرف ٤ العقد الفريد ج٢ص١٣٠
[ ٨٩ ]
لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" ١.
إن الداعية إذا كان على مستوى الدعوة وتطابق قوله وعمله، فهو أدى إلى النجاح وأقرب إلى التوفيق.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم كتاب الحدود باب قطع يد الشريف
[ ٩٠ ]