الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن على المرء أن يهتم بالصلاة؛ لأن أمرها عظيم، ومكانتها كبيرة، وأن يخلص العبادة لله وحده لا شريك له، وأن يتبرأ مما سوى الله كائنا من كان، وأن يؤمن ويعتقد أنه سبحانه هو المعبود بالحق، وما عبد من دونه فهو باطل، كما قال ﷿ في سورة الحج: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: ٦٢]، وفي سورة لقمان قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ [لقمان: ٣٠]، وقال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ [الأسراء: ٢٣]، وقال ﷿: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥].
هذا الأساس العظيم هو أصل دين الإسلام، وهو أول شيء يدخل به العبد في دين الله الإسلام، ثم يلي هذه الشهادة الشهادة بأن محمدًا رسول الله، هاتان الشهادتان هما أصل الدين لا يصح دين بدونهما، إحداهما لا تغني عن الأخرى، فبعد مبعث محمد ﷺ لا بد منهما، فلا إسلام إلا بتوحيد الله، ولا إسلام إلا بالإيمان بأن محمدًا رسول الله ﵊، فلو أن إنسانًا يصوم النهار ويقوم الليل، ويعبد الله بكل العبادات، ولكنه لم يؤمن بمحمد ﷺ بعدما بعثه الله، فإنه يكون بذلك كافرًا، بل من أكفر الناس عند جميع أهل العلم، ولو أنه شهد أن محمدًا رسول الله وصدقه، وعمل كل شيء، إلا أنه يشرك بالله - يعبد مع الله غيره من ملك أو نبي أو صنم أو شجر أو حجر أو جني أو كوكب - صار بذلك كافرًا ضالًا، ولو قال: إن محمدًا رسول الله، فلا بد من الإيمان بهما جميعًا، لا بد من توحيد الله، والإخلاص له.
ولا بد من الإيمان بأن محمدًا رسول الله، بعثه الله إلى الثقلين -إلى الجن والإنس-، وكان الرسل الماضون يبعث كل واحد منهم إلى قومه خاصة، لكن نبينا محمدًا ﵊ بعثه الله إلى الناس كافة، إلى العرب والعجم، إلى الجن والإنس، إلى
[ ٧٢ ]
الذكور والإناث، إلى الأغنياء والفقراء، إلى الحكام والمحكومين، كلهم داخلون في رسالته ﵊، فمن أجاب هذه الدعوة التي جاء بها وانقاد لها وآمن بها دخل الجنة، ومن استكبر دخل النار، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧].
وقال ﵊: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار»، وقال النبي ﵊: «كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة»، وقد قال الله ﷿: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ﵊.
ثم بعد هاتين الشهادتين أمر الصلاة، فهي التي تلي هاتين الشهادتين، وهي الركن الأعظم بعد هاتين الشهادتين، فمن حفظها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع. جاء في مسند أحمد بإسناد جيد، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، عن النبي ﷺ أنه ذكر الصلاة يومًا بين أصحابه فقال: «من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة وحشر يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف»، قال بعض الأئمة في هذا: إنما يحشر من أضاع الصلاة مع هؤلاء الصناديد من الكفرة الأشقياء: فرعون، وهامان، وقارون، وأبي بن خلف؛ لكونه شابههم، والإنسان مع من شابه. قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] يعني أشباههم ونظراءهم.
فمن كانت علته الرياسة حتى ترك الصلاة حشر مع فرعون؛ لأن فرعون حمله ما هو فيه من الملك على التكبر، وعادى موسى ﵊ من أجل ذلك، فصار من الأشقياء الذين باعوا بالخسارة وصاروا إلى النار، قال تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] نعوذ بالله من ذلك. ومن حملته وظيفته أو وزارته على التخلف عن الصلاة، صار شبيهًا بهامان وزير فرعون فيحشر معه يوم القيامة نعوذ بالله من ذلك، فإن تركها من أجل المال والشهوات والنعم، شابه قارون الذي أعطاه الله المال
[ ٧٣ ]
العظيم فاستكبر وطغى، حتى خسف الله به الأرض وبداره، فيكون شبيهًا به فيحشر معه يوم القيامة إلى النار.
أما إن شغله عن الصلاة وعن حق الله البيع والشراء والمعاملات والمكاسب الدنيوية، فإنه يكون شبيهًا بأبي بن خلف - تاجر أهل مكة - فيحشر معه إلى النار، نسأل الله العافية من الكفرة وأعمالهم.
والمقصود أن أمر الصلاة عظيم، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله» (^١)، وقال ﵊: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» (^٢).
أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه بإسناد صحيح، عن بريدة ﵁، وخرج مسلم في صحيحه عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» (^٣).
فالأمر عظيم وخطير جدًا، إذا نظرنا في حال الناس اليوم ولا حول ولا قوة إلا بالله، فقد كثر المتخلفون عن الصلاة والمتساهلون بأدائها في الجماعة، فنسأل الله لنا ولجميع المسلمين الهداية.
والله جل وعلا أوسع النعم وأكثر الخيرات، ولكن ابن آدم مثل ما قال الله جل وعلا: ﴿كَلا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧].
أدر الله النعم وأوسع الخير، فقابلها الكثير من الناس بالعصيان والكفران، نعوذ بالله من ذلك، فالواجب الحذر، والواجب التبليغ، كل إنسان يبلغ من حوله ويجتهد في بذل الدعوة وبذل التوجيه لمن حوله من المتخلفين، ومن المتكاسلين، ومن المقصرين في الصلاة وغيرها من حقوق الله وحق عباده؛ لعل الله أن يهديهم بأسبابه، وقد كان النبي ﷺ يقول: «فليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع».
_________________
(١) رواه الترمذي في الإيمان برقم (٢٥٤١)، ومسند الإمام أحمد (٥/ ٢٣١).
(٢) رواه الترمذي في كتاب الإيمان، ٩ - باب ما جاء في ترك الصلاة برقم (٢٥٤٥)، والنسائي في ٥ - كتاب الصلاة، ٨ - باب الحكم في تارك الصلاة، رقم (٤٥٩)، وأحمد (٥/ ٣٤٦)، وابن ماجه في ٥ - كتاب إقامة الصلاة، ٧٧ - باب ما جاء فيمن ترك الصلاة رقم (١٠٧٩).
(٣) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، ٣٥ - باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة برقم (٨٦) ورواه الإمام أحمد بلفظ: " بين الرجل وبين الشرك أو الكفر ترك الصلاة "، المسند (٣/ ٣٨٩).
[ ٧٤ ]
وقد ذهب جمع من أهل العلم إلى أن من تركها تهاونًا وإن لم يجحد وجوبها يكفر كفرا أكبر؛ لهذه الآيات والأحاديث التي سبق ذكرها، ولو قال إنه يؤمن بوجوبها، إذا تركها تهاونًا فقد تلاعب بهذا الأمر الواجب، وقد عصى ربه معصية عظيمة، فيكفر بذلك في أصح قولي العلماء؛ لعموم الأدلة، ومنها قول الرسول ﵊: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر»، ما قال من جحد وجوبها، بل قال: «من تركها»، فهذا يعم من جحد ومن لم يجحد، وهكذا قوله ﷺ: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة»، ما قال إذا جحد وجوبها.
فالرسول ﵊ أفصح الناس ﵊، فهو أفصح الناس، وهو أعلم الناس، يستطيع أن يقول إذا تركها جاحدًا لها، أو إذا جحد وجوبها، لا يمنعه من هذه الكلمة التي تبين الحكم لو كان الحكم كما قال هؤلاء، فلما أطلق ﵊ كفره فقال: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر»، دل ذلك على أن مجرد الترك والتعمد لهذا الواجب العظيم يكون به كافرًا كفرًا أكبر - نسأل الله العافية - ورِدّة عن الإسلام، نعوذ بالله من ذلك.
ولا يجوز للمرأة المسلمة بعد ذلك أن تبقى معه حتى يرجع إلى الله ويتوب إليه، وقد قال عبد الله بن شقيق العقيلي التابعي الجليل ﵀: (كان أصحاب النبي ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة).
فذكر أنهم مجمعون على أن ترك الصلاة كفر، ولم يقولوا بشرط أن ينكر وجوبها، أو يجحد وجوبها، أما من قال: إنها غير واجبة، فهذا كافر عند الجميع كفرًا أكبر، وإذا قال: إنها غير واجبة فقد كفر عند جميع أهل العلم، ولو صلى مع الناس، متى جحد الوجوب كفر إجماعًا، نسأل الله العافية.
وهكذا لو جحد وجوب الزكاة، أو وجوب صوم رمضان أو جحد وجوب الحج مع الاستطاعة كفر إجماعًا، نسأل الله العافية.
وهكذا لو قال: إن الزنا حلال، أو الخمر حلال، أو اللواط حلال، أو العقوق حلال، أو الربا حلال، كفر بإجماع المسلمين، نسأل الله العافية؛ لأنه استحل ما حرمه الله، لكن إذا كان مثله يجهل ذلك وجب تعليمه، فإن أصر على جحد الوجوب كفر إجماعا كما تقدم، والله ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه.
[ ٧٥ ]