وأنكر ذلك آخرون من المتكلمين: كأبي المعالي الجويني وطوائف من المعتزلة، والأشعرية، وبعض الحنبلية.
وفصل الخطاب: أن «الحد» له عدة معاني ترجع إلى أصلين: منها ما هو متفق عليه بين المسلمين، ومنها ما هو متفق عليه بين أهل السنة،
_________________
(١) المسند عنه ما رواه أبو الشيخ في كتاب العظمة بإسناد عنه أنه قال: «أشرقت لنوره السموات وأنار بوجهه الظلمات، وحجب جلاله عن العيون، وناجاه على عرشه السنة الصدور»
(٢) اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية ص١٧١ للفهارس جـ١/٨٥.
[ ١ / ٦٥ ]
ومنها ما هو متنازع فيه؛ فإن «الحد» يكون لحقيقة الشيء النوعية، وهو حد الماهية. ويكون لعينه الذاتية، وهو حد لوجوده.
فالأول: هو «الحد» الذي يتكلم فيه المتكلمون من المنطقيين وغيرهم.
والثاني: كالحد الذي ينعته الشروطيون في حدود العقار وفي حُلَى الأشخاص. فإذا انحصر نوعه في شخصه كالشمس مثلا كان له حد بالاعتبارين. وهو بالاعتبار الأول: كلي لا يمنع نفس تصور معناه من وقوع الشركة فيه. وهو بالاعتبار الثاني: عيني يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه.
وإن قيل: إن وجود كل شيء عين ماهيته أو قيل ذلك في حق الله تعالى فقط كان الحد الذي هو حقيقته العينية الوجودية هو الحد الذي هو الماهية النوعية إذا عني به حقيقة المحدود. وإن عني بالحد القول الدال على ماهية الشيء لم يكن لذلك وجود إلا في الذهن لا في الخارج، والله أعلم (١) (٢) .
فأما الأول فقد يعني بالحد حقيقة الشيء، وقد يعني به القول الدال على ماهيته.
_________________
(١) من قوله: وهو بالاعتبار الأول كلي إلى قوله والله أعلم في الهامش بخطه أيضًا وليس هو نهاية البحث.
(٢) وقال ﵀ في رده على المنطقيين: أشرف الموجودات واجب الوجود، ووجوده معين لا كلي؛ فإن الكلي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، وواجب الوجود يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه. وقال أيضًا: قولهم: إن الماهية لها حقيقة ثابتة في الخارج غير وجودها شبيه بقول من يقول: المعدوم شيء، وهو من أفسد ما يكون إلى أن قال: وحقيقة الفرق الصحيح: أن الماهية هي ما يرتسم في النفس من الشيء، والوجود ما يكون خارجا عنه. وهذا فرق صحيح؛ فإن الفرق بين ما في النفس وما في الخارج ثابت معلوم لا ريب فيه. وأما تقدير حقيقة لا تكون ثابتة في العلم ولا في الوجود فهو باطل. مجموع الفتاوى (٩/٩٧-٩٩، ١٢٥) .
[ ١ / ٦٦ ]
فأما «الحد» بمعنى حقيقة الشيء التي هو بها يتميز بها عن غيره، فلا ريب بين المسلمين أن الله له حقيقة، وذات فذلك حده الذي لا يعلمه غيره، كما جاء في الأثر: يا من لا يعلم ما هو إلا [هو] ولا يبلغ قدرته غيره.
وهل يقال له ماهية لا يعلمها غيره، ولا تجري ماهيته في مقال. أو يقال: لا ماهية له؟ على قولين لأصحابنا وغيرهم. الأول قول أكثرهم.
وأما الحد بمعنى القول -فله أسماء تميزه عن غيره وله حدود بخواصه التي تميزه عن [غيره] كقولنا: رب العالمين، وخالق السموات والأرض والأول والآخر والظاهر والباطن.
وأما «الحد» المركب من الجنس والفصل فلا يجوز في حق الله تعالى.
فأما حد عينه الذاتية فيراد به: علي بذاته وحد بصفاته وحد بمقداره.
فأما الأول: فهو بمعنى انفصاله عن غيره وتميزه عنه بحيث لا يختلط به وهذا داخل فيما قصده ابن المبارك وغيره؛ خلافا للجهمية الذين يجعلونه مختلطا بالمخلوقات؛ ولهذا قال: بائن من خلقه بحد. فإن «الحد» هو الفصل والتمييز بينه وبين غيره. و«الحد» بهذا المعنى متفق عليه بين أهل السنة القائلين بأن الله فوق العرش بل وعند الذين يقولون لا داخل العالم ولا خارجه أيضا؛ فإن الأعراض المختلفة كالطعم واللون إذا قامت بجسم واحد كانت متميزة بخصائصها وحدودها وليست متميزة بأعيانها وذواتها (١) .
_________________
(١) باقي الكلام على الأعراض مخروم في الأصل. والمعنى واضح بدونه. ومعروف الكلام في الأعراض.
[ ١ / ٦٧ ]
وأما الثاني: فهو بمعنى صفاته القائمة به المميزة له عن غيره، كما يقال في حُلية الموصوف ونعوته، فله حد بهذا الاعتبار.
وأما «الحد» بمعنى المقدار والنهاية فهذا مورد النزاع، فقيل: لا حد له ولا غاية ولا مقدار وقيل: له حد من جانب العرش فقط وقيل: له حد ونهاية لا يعلمها غيره؛ إذ لا يعقل موجود بدون ذلك، وقد يقال: إن ابن المبارك وغيره قصدوه، إذ لو لم يريدوا ذلك لم يكن حاجة إلى قولهم: على عرشه بل يكفي أن يقال: هو منفصل عن خلقه متميز عنهم (١) .