قول من قال: يلزم من كون الشيء فوق كونه في جهة -سواء كانت الجهة داخل العالم أو خارجه- وثبوت الانقسام لذاته، لأن كل واحد من جوانبه غير الجانب الآخر، وكل ممكن القسمة لذاته ممكن الوجود لذاته ويلزم أيضا من كون الشيء في جهة: إما قدم الجهة وإما ثبوت الانتقال.
فالجواب عن ذلك: أما الحجة الأولى فللناس في جوابها طريقان:
أحدهما: أنه تعالى فوق العرش، وهو مع ذلك ليس بداخل العالم ولا بمنقسم. وهذا قول الكلابية وأئمة الأشعرية وغيرهم. وإذا قيل لهم: هذا ممتنع. قالوا: إثبات وجود م وجود لا داخل العالم ولا خارجه أبعد عن العقول من إثبات موجود خارج العالم وليس بجسم ولا منقسم، فإن كان الأول جائزا في العقل فالثاني أولى بالجواز وإن كان ممتنعا بطل قول النفاة.
الطريق الثاني: أن يقال: هل الانقسام فيه بالفعل أو بالإمكان؟ فإن
_________________
(١) مجموع ٦٩ ص ١٤٥ فيه زيادة.
[ ١ / ٦٨ ]
كان بالإمكان بحيث يقبل التفريق والتبعيض لم يسلم اللزوم، ولا دل ذلك عليه؛ وإنما ذكر في الدليل أن كل جانب غير الآخر.
ومطلق المغايرة لا يقتضي قبول التفريق والانفصال؛ فإن لفظ «غير» فيه اصطلاحان، أحدهما: اصطلاح الأشعرية ومن وافقهم أن ما جاز مفارقة أحدهما الآخر بزمان أو مكان أو وجود أو ما جاز مفارقة أحدهما مطلقا ولهذا لا يقولون صفات الله مغايرة لذاته؛ بل لا يقولون إن الصفة اللازمة للمخلوق مغايرة له، ولا أن بعض الجملة مغاير لها، ولا الواحد من العشرة مغاير لها. فعلى هذا إذا لم يقبل التفريق لم يكن أحد من الجانبين مغايرا للآخر.
والاصطلاح الثاني: أن حد «غير» ما جاز العلم بأحدهما دون الآخر.
وهذا اصطلاح المعتزلة والكرامية، فعلى هذا تكون صفة الموصوف مغايرة له، وتكون صفات الله مغايرة لذاته، ويكون كلام الله غير الله.
وعلى القولين الأولين لا يكون كلامه غيره.
والذي عليه السلف أنه لا يطلق إثبات المغايرة، ولا نفيها، لكن يفصل (١): هل أريد «بالغير» أنه ممكن العلم بهذا دون هذا، أو يريدون أنه يمكن مفارقة هذا لهذا، ووجود هذا بدون هذا، وتحقق ماهية هذا دون هذا، ونحو ذلك؟
فعلى هذا التفسير لا تكون الصفة اللازمة للموصوف مغايرة للموصوف، ولا البعض اللازم للكل مغايرا للكل على ذلك.
وأما لزوم «الانتقال» فللناس عنه جوابان مبنيان على جواز قيام
_________________
(١) يعني: يستفصل المطلق لهذه العبارة.
[ ١ / ٦٩ ]
الصفات الفعلية المتعلقة بالمشيئة بذاته. فمن لم يجوز ذلك قال: إنه لما خلق العالم لم ينتقل هو ولم يتغير؛ بل خلقه مباينا له، لم يدخل في العالم ولم يدخل العالم فيه، وحدث بينه وبين العالم إضافة التحتية، وحدوث الإضافات جائزًا اتفاقًا؛ بل لا بد منه. وهذا قول من يقول: الاستواء إضافة محضة، وأنه فعل فعلا في العرش صار به مستويا عليه بكونه خلق العرش تحته فلزم أن يكون هو فوقه من غير حركة من الرب ولا تحول قائم بذاته.
والجواب الثاني: جواب من يجوز قيام الأفعال الإرادية بذاته كما هو المفهوم من النصوص، وهؤلاء يلتزمون ما ذكر من معنى الانتقال والحركة؛ لكن منهم من يقر بالمعنى دون اللفظ لكون الشرع لم يرد بهذا اللفظ، وإنما ورد بلفظ الاستواء والمجيء والنزول ونحو ذلك.
ومنهم من يقر باللفظ أيضا ويقول إن ذلك لا يستلزم الحدوث، وأن الاستدلال بذلك على الحدوث باطل. ومن قال: إن ذلك حجة إبراهيم ﵇ فقد أبطل، بل قصته تدل على نقيض المطلوب، كما قد بسط كلام الناس عليها في غير هذا المكان وهذا الذي احتملته هذه الورقة (١) .