فأما تقبيل اليد فلم يكونوا يعتادونه إلا قليلا (٣) ولما قدموا عليه - ﷺ - عام مؤتة قبلوا يده، وقالوا: نحن الفرارون، قال: «بل أنتم العكارون» (٤) . وقَبَّلَ أبو عبيدة يد عمر، ورخص أكثر الفقهاء أحمد وغيره لمن فعل ذلك على وجه التدين، لا على وجه التعظيم للدنيا، وكره ذلك آخرون كمالك وغيره، وقال سليمان بن حرب: هي السجدة الصغرى.
وأما ابتداء مد اليد للناس ليقبلوها وقصده لذلك فينهى عن ذلك بلا نزاع كائنا من كان، بخلاف ما إذا كان المقبل المبتدئ بذلك وفي السنن: «قالوا: يا رسول الله يلقى أحدنا أخاه أفينحني له؟ قال: «لا» قالوا: فيلتزمه ويعانقه؟ قال: «لا»، قالوا: فيصافحه؟ قال: «نعم» (٥) .
قال الشيخ تقي الدين: فأبو بكر والقاضي ومن تبعهما فرقوا بين القيام لأهل الدين وغيرهم، فاستحبوه لطائفة وكرهوه لأخرى. والتفريق
_________________
(١) مختصر الفتاوى ص٨٤. للفهارس العامة جـ١/١٤.
(٢) مختصر الفتاوى ص٧٦. للفهارس العامة جـ١/١٦.
(٣) يعني الصحابة كما في أول الفصل قوله: ولم يكن من عادة الصحابة.
(٤) الذين يعطفون إلى الحرب.
(٥) مختصر الفتاوى ص٥٦٤ والآداب الشرعية جـ٢/٢٥٩. للفهارس العامة جـ١/١٨.
[ ١ / ٢٩ ]
في مثل هذا بالصفات فيه نظر. قال: وأما أحمد فمنع منه مطلقا لغير الوالدين؛ فإن النبي - ﷺ - سيد الأئمة ولم يكونوا يقومون له، فاستحباب ذلك للإمام العادل مطلقا خطأ، وقصة ابن أبي ذئب مع المنصور تقتضي ذلك. وما أراد أبو عبد الله -والله أعلم- إلا لغير القادم من سفر، فإنه نص على أن القادم من السفر إذا أتاه إخوانه فقام إليهم وعانقهم فلا بأس به، وحديث سعد يخرج على هذا وسائر الأحاديث؛ فإن القادم يتلقى؛ لكن هذا قام فعانقهم، والمعانقة لا تكون إلا بالقيام.