ثم سوّل لهم الشيطان الحكم على الله سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا بالتعطيل عن الخلق والإحداث والتصرف ألبتة في الأزل الماضي الذي لا أول له ولا نهاية وأنه لم يخلق قبل هذا العالم المذكور في الشرع شيئًا، ولم يتصرف بشيء ألبتة، بل لم يزل في الأزل عطلا معطلا: إما لعدم القدرة على قول الجهمية ومن وافقتهم وإما لعدم المشيئة على قول المعتزلة ومن وافقهم ثم لما عرضت له القدرة أو المشيئة تغير بسبب خلق هذا العالم وصار كل يوم هو في شأن؛ ليصححوا بذلك دعوى معرفة نسبة هذا العالم. وقد ذكرت هذا في أول الباب.
فقول «جهم»: إن التعطيل في الأزل كان لعدم القدرة هو لما كان معترفا بالله، ومظهرا أن الله هو الذي أحدثه من غير طريق السمع التي تعرف سبحانه إليهم منها وعرفهم منها أنه هو الذي خلق السموات
_________________
(١) كذا بالأصل ولعله توحد الله -أي كونه واحدا لا مثيل له في جلاله وكماله كما هو في دعاء ختم القرآن له.
[ ١ / ٧٤ ]
والأرض فأطاعوا الشيطان في ذلك وحكموا على الله بأنه لم يزل في الأزل الذي لا أول له ولا نهاية معطلا عن الخلق والإحداث والتصرف ألبتة، لأنهم وجدوا الطريق إلى معرفة ذلك من غير جهة السمع مسدودة مع الاعتراف لله بجواز أن يكون قد خلق قبل هذا العالم شيئا، لأنه لو وجد أو حصل في الوجود قبل هذا العالم شيء غير الله لجاز في العقل أن يكون حدوث هذا العالم عنه كالحيوان والنبات وكذلك ما قبله وما قبله وما قبله وهلم جرّا إلى غير نهاية، فامتنعت معرفة الله من غير هذا الوجة وقد زين لهم الشيطان عدم صحة الدين إلا بمعرفته منه فالتزموا الحكم عليه بذلك.