الشخص المعين
(إن المتجهد في مثل هذا - يعني: إنكار علو الله - من المؤمنين إن استفرغ وسعه في طلب الحق؛ فإن الله يغفر له خطأه وإن حصل منه نوع تقصير، فهو ذنب لا يجب أن يبلغ الكفر، وإن كان يُطلق القول بأن هذا الكلام كفر كما أطلق السلف الكفر على من قال ببعض مقالات الجهمية، مثل القول بخلق القرآن أو إنكار الرؤية أو نحو ذلك مما هو دون إنكار علو الله على الخلق، وأنه فوق العرش؛ فإن تكفير صاحب هذه المقالة كان عندهم من أظهر الأمور، فإن التكفير المطلق مثل الوعيد المطلق، لا يستلزم تكفير الشخص المعيَّن حتى تقوم عليه الحجة التي تكفِّر تاركها.
كما ثبت في الصحاح عن النبي - ﷺ - في الرجل الذي قال: «إذا أنا مت فاحرقوني ثم اسحقوني ثم ذرُّوني في اليم؛ فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين، فقال الله له: ما حملك على ما فعلت؟ قال: خشيتك. فغفر له» (١) .
فهذا الرجل اعتقد أن الله لا يقدر على جمعه إذا فعل ذلك أو شك، وأنه لا يبعثه، وكلٌ من هذين الاعتقادين كفر يكفر من قامت عليه الحجة، لكنه كان يجهل ذلك، ولم يبلغه العلم بما يرده عن جهله، وكان عنده إيمان بالله وبأمره ونهيه ووعده ووعيده، فخاف من عقابه، فغفر الله له بخشيته.
فمن أخطأ في بعض مسائل الاعتقاد من أهل الإيمان بالله وبرسوله وباليوم الآخر والعمل الصالح لم يكن أسوأ حالًا من هذا الرجل؛ فيغفر الله
_________________
(١) رواه البخاري في (الأنبياء)، وقد تقدم تخريجه. انظر: (ص ٤٦) .
[ ٥٣ ]
خطأه، أو يعذبه إن كان منه تفريط في اتّباع الحق على قدر دينه، وأما تكفير شخص علم إيمانه بمجرد الغلط في ذلك؛ فعظيم.
فقد ثبت في «الصحيح» عن ثابت بن الضحاك عن النبي - ﷺ -؛ قال: «لعن المؤمن كقتله، ومن رمى مؤمنًا بالكفر؛ فهو كقتله» (١) .
وثبت في «الصحيح» أن من قال لأخيه: يا كافر؛ فقد باء به أحدهما (٢)، وإذا كان تكفير المعيّن على سبيل الشتم كقتله؛ فكيف يكون تكفيره على سبيل الاعتقاد؟! فإن ذلك أعظم من قتله؛ إذ كل كافر يباح قتله، وليس كل من أبيح قتله يكون كافرًا، فقد يُقتل الداعي إلى بدعة لإضلاله الناس وإفساده مع إمكان أن الله يغفر له في الآخرة لما معه من الإيمان؛ فإنه قد تواترت النصوص بأنه يخرج من النار مَنْ في قلبه مثقال ذرة من إيمان) (٣) .
* * *
_________________
(١) رواه البخاري في (الأدب، باب ما ينهى من السباب واللعان، رقم ٦١٠٥، وفي الأيمان والنذور، باب من حلف بملة سوى ملة الإسلام، رقم ٦٦٥٣) .
(٢) رواه البخاري في (الأدب، باب من كفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال، رقم ٦١٠٣) من حديث أبي هريرة ﵁، ومسلم في (الإيمان، باب بيان حال إيمان من قال لأخيه المسلم يا كافر، رقم ٦) من حديث ابن عمر ﵄.
(٣) * «الاستقامة» (١ / ١٦٣ - ١٦٦) .
[ ٥٤ ]