(الحمد والذم والحب والبغض والموالاة والمعاداة إنما تكون بالأشياء التي أنزل الله بها سلطانه، وسلطانه كتابه، فمن كان مؤمننًا وجبت موالاته من أي صنف كان، ومن كان كافرًا وجبت معاداته من أي صنف كان، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ. وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الَغالِبُونَ﴾ (١) .
ومن كان فيه إيمان وفيه فجور أُعطي من الموالاة بحسب إيمانه ومن البغض بحسب فجوره، ولا يخرج من الإيمان بالكلية بمجرد الذنوب والمعاصي كما يقوله الخوارج والمعتزلة، ولا يجعل الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون بمنزلة الفساق في الإيمان والدين والحب والبغض والموالاة والمعاداة، قال الله تعالى: ﴿وإنْ طائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنينَ اقْتَتَلوا فأصْلِحوا بَيْنَهُما فإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلوا التي تَبْغِي حَتَّى تَفيءَ إلى أمْرِ اللهِ فإنْ فاءَتْ فَأصْلِحوا بَيْنَهُما بِالعَدْلِ وأقْسِطوا إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطينَ ﴾ إلى قوله: ﴿إنَّما المُؤْمِنونَ أخْوَةٌ﴾ (٢)؛ فجعلهم إخوة مع وجود الاقتتال والبغي.
وأما الشخص المعين؛ فيذكر ما فيه من الشر في مواضع:
منها: المظلوم له أن يذكر ظالمه بما فيه، أما على وجه دفع ظلمه واستيفاء حقه كما قالت هند: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح،
_________________
(١) المائدة: ٥٥، ٥٦.
(٢) الحجرات: ٩.
[ ١٧٣ ]
وأنه ليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي، فقال لها النبي - ﷺ -: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» (١) وقال تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلاَّ مَنْ ظُلِمَ﴾ (٢) .
ومنها أن يكون على وجه النصيحة للمسلمين في دينهم ودنياهم كما في الحديث الصحيح عن فاطمة بنت قيس لما استشارت النبي - ﷺ - من تنكح؟ وقالت: إنه خطبني معاوية وأبو جهم؛ فقال: «أما معاوية؛ فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم؛ فرجل ضراب للنساء»، وروي: «لا يضع عصاه عن عاتقه» (٣)؛ فبين لها أن هذا فقير قد يعجز عن حقك، وهذا يؤذيك بالضرب، وكان هذا نصحًا لها وإن تضمن ذكر عيب الخاطب.
وفي معنى هذا نصح الرجل فيمن يعامله ومن يوكله ويوصي إليه ومن يستشهده؛ بل ومن يتحاكم إليه وأمثال ذلك، وإذا كان هذا في مصلحة خاصة؛ فكيف بالنصح فيما يتعلق به حقوق عموم المسلمين من الأمراء والحكام والشهود والعمال: أهل الديوان وغيرهم؟! فلا ريب أن النصح في ذلك أعظم، كما قال النبي - ﷺ -: «الدين النصيحة، الدين النصيحة» . قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم» (٤) .
وقد قالوا لعمر بن الخطاب في أهل الشورى: أمر فلانًا وفلانًا، فجعل
_________________
(١) رواه البخاري في (النفقات، باب إذا لم ينفق الرجل فللمرأة أن تأخذ بغير علمه، ٥٣٦٤، وفي الأحكام، باب القضاء على الغائب، ٧١٨٠)؛ من حديث عائشة ﵂.
(٢) النساء: ١٤٨.
(٣) رواه مسلم في (الطلاق، باب المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها، ١٤٨٠) من حديث فاطمة بنت قيس ﵂ بلفظ مقارب.
(٤) رواه مسلم في (الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة، ٥٥) من حديث تميم الداري ﵁.
[ ١٧٤ ]
يذكر في حق كل واحد من الستة - وهم أفضل الأمة - أمرًا جعله مانعًا له من تعيينه.
وإذا كان النصح واجبًا في المصالح الدينية الخاصة والعامة، مثل نقلة الحديث الذين يغلطون أو يكذبون، كما قال يحيى بن سعيد: سألت مالكًا والثوري والليث بن سعد - أظنه - والأوزاعي عن الرجل يتهم في الحديث أو لا يحفظ؟ فقالوا: بين أمره. وقال بعضهم لأحمد بن حنبل: إنه يثقل علي أن أقول فلان كذا وفلان كذا. فقال: إذا سكت أنت وسكت أنا؛ فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم؟!
ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة؛ فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين، حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلى واعتكف؛ فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع؛ فإنما هو للمسلمين هذا أفضل. فبين أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله؛ إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب؛ فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعًا، وأما أولئك؛ فهم يفسدون القلوب ابتداءً) (١) .
* * *
_________________
(١) * «مجموع الفتاوى» (٢٨ / ٢٢٧ - ٢٣٢) .
[ ١٧٥ ]