الفرق بين «الخوارج المارقين» و«البغاة المتأولين»
«وأما جمهور أهل العلم؛ فيفرقون بين «الخوارج المارقين» وبين «أهل الجمل وصفين» وغير أهل الجمل وصفين ممن يعد من البغاة المتأولين، وهذا هو المعروف عن الصحابة، وعليه عامة أهل الحديث والفقهاء والمتكلمين، وعليه نصوص أكثر الأئمة وأتباعهم؛ من أصحاب مالك، وأحمد، والشافعي، وغيرهم.
وذلك أنه قد ثبت في «الصحيح» عن النبي - ﷺ - أنه قال: «تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين، تقتلهم أولى الطائفتين بالحق» (١)، وهذا الحديث يتضمن ذكر الطوائف الثلاثة، ويبين أن المارقين نوع ثالث ليسوا من جنس أولئك؛ فإن طائفة علي أولى بالحق من طائفة معاوية، وقال في حق الخوارج المارقين: «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة» (٢)، وفي لفظ: «لو يعلم الذين يقاتلونهم ما لهم على لسان نبيهم لنكلوا عن العمل» (٣)، وقد روى مسلم أحاديثهم في الصحيح من عشرة أوجه، وروى هذا البخاري من غير وجه، ورواه أهل السنن والمسانيد، وهي مستفيضة عن النبي - ﷺ - متلقاة بالقبول،
_________________
(١) رواه مسلم في (الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم، رقم ١٠٦٥) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٢) رواه البخاري ومسلم. تقدم تخريجه (ص ١٢٢) .
(٣) رواه مسلم في (الزكاة، باب التحريض على قتل الخوارج، ١٠٦٦) بلفظ: «لاتكلوا» من حديث علي بن أبي طالب ﵁.
[ ١٥٦ ]
أجمع عليها علماء الأمة من الصحابة ومن اتبعهم، واتفق الصحابة على قتال هؤلاء الخوارج.
وأما «أهل الجمل وصفين»؛ فكانت منهم طائفة قاتلت من هذا الجانب، وأكثر أكابر الصحابة لم يقاتلوا لا من هذا الجانب ولا من هذا الجانب، واستدل التاركون للقتال بالنصوص الكثيرة عن النبي - ﷺ - في ترك القتال في الفتنة، وبينوا أن هذا قتال فتنة.
وكان علي ﵁ مسرورًا لقتال الخوارج، ويروي الحديث عن النبي - ﷺ - في الأمر بقتالهم، وأما قتال «صفين»؛ فذكر أنه ليس معه فيه نص، وإنما هو رأي رآه، وكان أحيانًا يحمد من لم ير القتال.
وقد ثبت في «الصحيح» عن النبي - ﷺ - أنه قال في الحسن: «إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (١)؛ فقد مدح الحسن وأثنى عليه بإصلاح الله به بين الطائفتين: أصحاب علي، وأصحاب معاوية، وهذا يبين أن ترك القتال كان أحسن، وانه لم يكن القتال واجبًا ولا مستحبًا.
و«قتال الخوارج» قد ثبت عنه أنه أُمر به وُحَّض عليه؛ فكيف يسوى بين ما أُمر به وحُضَّ عليه، وبين ما مُدح تاركه وأُثني عليه؟!
فمن سوَّى بين قتال الصحابة الذين اقتتلوا بالجمل وصفِّين وبين قتال ذي الخويصرة التميمي وأمثاله من الخوارج المارقين والحرورية المعتدين؛ كان قولهم من جنس أقوال أهل الجهل والظلم المبين، ولزم صاحب هذا القول أن يصير من جنس الرافضة والمعتزلة الذين يكفرون أو يفسقون
_________________
(١) رواه البخاري في (الصلح، باب قول النبي للحسن بن علي ابني هذا سيد، ٢٧٠٤، وفي المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، رقم ٣٦٢٩)؛ من حديث أبي بكرة ﵁.
[ ١٥٧ ]
المتقاتلين بالجمل وصفين، كما يقال مثل ذلك في الخوارج المارقين؛ فقد اختلف السلف والأئمة في كفرهم على قولين مشهورين، مع اتفاقهم على الثناء على الصحابة المقتتلين بالجمل وصفين والإمساك عما شجر بينهم؛ فكيف نسبة هذا بهذا؟!
وأيضًا؛ فالنبي - ﷺ - أمر بقتال «الخوارج» قبل أن يقاتلوا، وأما «أهل البغي»؛ فإن الله تعالى قال فيهم: ﴿وإنْ طائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنينَ اقْتَتَلوا فَأصْلِحوا بَيْنَهُما فإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلوا التي تَبْغِي حَتَّى تَفيءَ إلى أمْرِ اللهِ فإنْ فاءَتْ فَأصْلِحوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وأقْسِطوا إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ (١)؛ فلم يأمر بقتال الباغية ابتداءً، فالاقتتال ابتداءً ليس مأمورًا به، ولكن إذا اقتتلوا أمر بالإصلاح بينهم، ثم إن بغت الواحدة قوتلت، ولهذا قال من قال من الفقهاء: إن البغاة لا يبتدئون بقتالهم حتى يقاتلوا، وأما الخوارج؛ فقد قال النبي - ﷺ - فيهم: «أينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة» (٢)، وقال: «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد» (٣) .
وكذلك مانعو الزكاة؛ فإن الصديق والصحابة ابتدؤوا قتالهم، قال الصديق: والله؛ لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله - ﷺ - لقاتلتهم عليه. وهم يقاتلون إذا امتنعوا من أداء الواجبات وإن أقروا بالوجوب.
ثم تنازع الفقهاء في كفر من منعها وقاتل الإمام عليها مع إقراره بالوجوب؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد، كالروايتين عنه في تكفير الخوارج، وأما أهل البغي المجرد؛ فلا يكفرون باتفاق أئمة الدين؛ فإن
_________________
(١) الحجرات: ٩.
(٢) تقدم قريبًا.
(٣) تقدم قريبًا.
[ ١٥٨ ]
القرآن
قد نص على إيمانهم وأخوتهم مع وجود الاقتتال والبغي، والله أعلم) (١) .
* * *
_________________
(١) * «مجموع الفتاوى» (٣٥ / ٥٤ - ٥٧) .
[ ١٥٩ ]