( أصل الأخوة أن النبي - ﷺ - آخى بين المهاجرين والأنصار وحالف بينهم في دار أنس بن مالك، كما آخى بين سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف؛ حتى قال سعد لعبد الرحمن: خذ شطر مالي، واختر إحدى زوجَتَيْ حتى أطلقها وتنكحها. فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في مالك وأهلك، دلوني على السوق. وكما آخى بين سلمان الفارسي وأبي الدرداء، وهذا كله في «الصحيح» .
وأما ما يذكر بعض المصنفين في «السيرة» من أن النبي - ﷺ - آخى بين على وأبي بكر ونحو ذلك؛ فهذا باطل باتفاق أهل المعرفة بحديثه؛ فإنه لم يؤاخ بين مهاجر ومهاجر وأنصاري وأنصاري، وإنما آخى بين المهاجرين والأنصار، وكانت المؤاخاة والمحالفة يتوارثون بها دون أقاربهم؛ حتى أنزل الله تعالى: ﴿وأولو الأرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلَى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللهِ﴾ (٢)؛ فصار
_________________
(١) * «مجموع الفتاوى» (٢٠ / ٢٠٧) .
(٢) الأنفال: ٧٥.
[ ١٦٢ ]
الميراث بالرحم دون هذه المؤاخاة والمحالفة.
وتنازع العلماء في مثل هذه المحالفة والمؤاخاة: هل يورث بها عند عدم الورثة من الأقارب والموالي؟ على قولين:
أحدهما: يورث بها، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحمد في إحدى الروايتين؛ لقوله تعالى: ﴿والذينَ عَقَدْتْ أيْمانُكُمْ فآتوهُمْ نَصيبَهُمْ﴾ (١) .
والثاني: لا يورث بها بحال، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد في الرواية المشهورة عند أصحابه، وهؤلاء يقولون: هذه الآية منسوخة.
وكذلك تنازع الناس: هل يُشرع في الإسلام أن يتآخى اثنان ويتحالفا كما فعل المهاجرون والأنصار؟
فقيل: إن ذلك منسوخ؛ لما رواه مسلم في «صحيحه» عن جابر: أن النبي - ﷺ - قال: «لا حِلْف في الإسلام، وما كان من حلف في الجاهليَّة؛ فلم يزده الإسلام إلا شدة» (٢)، ولأن الله قد جعل المؤمنين إخوة بنص القرآن، وقال النبي - ﷺ -: «المسلم أخو المسلم، لا يسلمه ولا يظلمه، والذي نفسي بيده؛ لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه من الخير ما يحبه لنفسه» (٣)، فمن كان قائمًا بواجب الإيمان كان أخًا لكل مؤمن ووجب على كل مؤمن أن
_________________
(١) النساء: ٣٣.
(٢) رواه مسلم في (فضائل الصحابة، باب مؤاخاة النبي - ﷺ - بين أصحابه، رقم ٢٥٣٠) من حديث جبير بن مطعم ﵁.
(٣) روى شطره الأول البخاري في (المظالم والغضب، باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه، ٢٤٤٢)، ومسلم في (البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، ٢٥٨٠) من حديث عبد الله بن عمر ﵁. وروى شطره الثاني البخاري في (الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ١٣)، ومسلم في (الإيمان، باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ٤٥) من حديث أنس ﵁.
[ ١٦٣ ]
يقوم بحقوقه، وإن لم يجر بينهما عقد خاص؛ فإن الله ورسوله قد عقدا الأخوة بينهما بقوله: ﴿إنَّما المُؤْمِنونَ أخْوَةٌ﴾ (١)، وقال النبي - ﷺ -: «وددت أني قد رأيت إخواني» (٢) .
ومن لم يكن خارجًا عن حقوق الإيمان وجب أن يُعامل بموجب ذلك؛ فيُحمد على حسناته ويوالى عليها، ويُنهى عن سيئاته ويُجانب عليها بحسب الإمكان، وقد قال النبي - ﷺ -: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا» . قلت: يا رسول الله! أنصره مظلومًا؛ فكيف أنصره ظالمًا؟ ! قال: «تمنعه من الظلم؛ فذلك نصرك إياه» (٣) .
والواجب على كل مسلم أن يكون حبه وبغضه وموالاته ومعاداته تابعًا لأمر الله ورسوله؛ فيحب ما أحبه الله ورسوله، ويبغض ما أبغضه الله ورسوله، ويوالي من يوالي الله ورسوله، ويعادي من يعادي الله ورسوله، ومن كان فيه ما يوالى عليه من حسنات وما يعادى عليه من سيئات؛ عومل بموجب ذلك، كفساق أهل الملة؛ إذ هم مستحقون للثواب والعقاب والموالاة والمعاداة والحب والبغض بحسب ما فيهم من البر والفجور؛ فإن ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٤) .
وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، بخلاف الخوارج والمعتزلة، وبخلاف المرجئة والجهمية؛ فإن أولئك يميلون إلى جانب وهؤلاء إلى
_________________
(١) الحجرات: ١٠.
(٢) رواه مسلم في (الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء، رقم ٢٤٩) من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: «وددت أنا قد رأينا إخواننا» .
(٣) رواه البخاري في (الإكراه، باب يمين الرجل لصاحبه، ٦٩٥٢) بلفظ قريب من هذا من حديث أنس بن مالك ﵁. ورواه مسلم في (البر والصلة، باب نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا، ٤٦٨١) بلفظ آخر من حديث جابر بن عبد الله ﵁.
(٤) الزلزلة: ٧، ٨.
[ ١٦٤ ]
جانب، وأهل السنة والجماعة وسط، ومن الناس من يقول: تشرع تلك المؤاخاة والمحالفة، وهو يناسب من يقول بالتوارث بالمحالفة.
لكن لا نزاع بين المسلمين في أن ولد أحدهما لا يصير ولد الآخر بإرثه مع أولاده، والله سبحانه قد نسخ التبني الذي كان في الجاهلية حيث كان يتبنى الرجل ولد غيره، قال الله تعالى: ﴿ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللاَّئي تُظاهِرونَ مِنْهُنَّ أمَّهاتِكُمْ وما جَعَلَ أدْعِياءَكُمْ أبْناءَكُمْ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿ادْعوهُمْ لآبائِهِمْ هُوَ أقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فإنْ لَمْ تَعْلَموا آباءَهُمْ فإخْوانَكُمْ في الدِّينِ﴾ (٢) .
وكذلك لا يصير مال كل واحد منهما مالًا للآخر يورث عنه ماله؛ فإن هذا ممتنع من الجانبين، ولكن إذا طابت نفس كل واحد منهما بما يتصرف فيه الآخر من ماله؛ فهذا جائز، كما كان السلف يفعلون، وكان أحدهما يدخل بيت الآخر ويأكل من طعامه مع غيبته لعلمه بطيب نفسه بذلك؛ كما قال تعالى: ﴿أوْ صَديقِكُمْ﴾ (٣) (٤) .
* * *
_________________
(١) الأحزاب: ٤.
(٢) الأحزاب: ٥.
(٣) النور: ٦١.
(٤) * «مجموع الفتاوى» (٣٥ / ٩٢ - ٩٥) .
[ ١٦٥ ]