(بذل المنافع والأموال سواء كان بطريق التعوض أو بطريق التبرع ينقسم إلى واجب ومستحب:
وواجبها ينقسم إلى فرض على العين، وفرض على الكفاية: فأما ما يجب من التبرعات - مالًا ومنفعة ـ؛ فله موضع غير هذا، وجماع الواجبات المالية بلا عوض أربعة أقسام مذكورة في الحديث المأثور: «أربع من فعلهن فقد برىء من البخل: من آتى الزكاة، وقرى الضيف، ووصل الرحم، وأعطى في النائبة» (١) .
ولهذا كان حد البخيل من ترك أحد هذه الأربعة في أصح القولين لأصحابنا، اختاره أبو بكر وغيره.
فالزكاة هي الواجب الراتب التي تجب بسبب المال بمنزلة الصلاة المفروضة، وأما الثلاثة؛ فوجوبها عارض، فقرى الضيف واجب عندنا ونص عليه الشافعي، وصلة الأرحام واجبة بالإجماع؛ كنفقة الأقارب، وحمل العاقلة، وعتق ذي الرحم المحرم، وإنما الاختلاف فيمن تجب صلته، وما مقدار الصلة الواجبة، وكذلك الإعطاء في النائبة؛ مثل الجهاد في سبيل الله، وإشباع الجائع، وكسوة العاري، وقد نص أحمد على أنه لو صدق السائل لما أفلح من رده.
وأما الواجبات المنفعية بلا عوض؛ فمثل تعليم العلم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونصر المظلوم، وهي كثيرة جدًا، وعامة الواجب في منافع البدن، ويدخل فيها الأحاديث الصحيحة من حديث أبي
_________________
(١) [ضعيف] . رواه الطبراني في «الكبير» (٤ / ٢٤١ / رقم ٤٠٩٧)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٤ / ١٨١ / رقم ٢١٦١) . وانظر: «السلسلة الضعيفة» (١٧٠٩) .
[ ٢٢٩ ]
ذر وأبي موسى وغيرهما: «على كل سلامى من ابن آدم صدقة» (١)، وتدخل أيضًا في مطلق الزكاة والنفقة في مثل قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٢)، كما نقل مثل ذلك عن السلف: الحسن البصري وغيره، وقال النبي - ﷺ -: «كل معروف صدقة» (٣)، ويُروى: ما تصدق عبد بصدقة أعظم من موعظة يعظ بها أصحابًا له، فيتفرقون وقد نفعهم الله بها. ودلائل هذا كثيرة ليس هذا موضعه.
وأما المنافع المالية وهو كمن اضطر إلى منفعة مال الغير؛ كحبل ودلو يستقي به ماء يحتاج إليه، وثوب يستدفىء به من البرد، ونحو ذلك؛ فيجب بذله، لكن هل يجب بذله مجانًا، أو بطريق التعوض كالأعيان؟ فيه وجهان.
وحجة التبرع متعددة؛ كقوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعونَ الماعونَ﴾؛ ففي «سنن أبي داود» عن ابن مسعود؛ قال: كنا نعده عارية القدر والدلو والفأس (٤) . وكذلك إيجاب بذل منفعة الحائط للجار إذا احتاج إليه على أصلنا المتبع لسنة رسول الله - ﷺ -، وغير ذلك من المواضع.
ففي الجملة ما يجب إيتاؤه من المال أو منفعته أو منفعة البدن بلا
_________________
(١) رواه البخاري في (الصلح، باب فضل الإصلاح بين الناس، ٢٧٠٧)، ومسلم في (الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، ١٠٠٩) من حديث أبي هريرة ﵁، ورواه مسلم في (صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاة الضحى، ٧٢٠) من حديث أبي ذر ﵁.
(٢) البقرة: ٣.
(٣) رواه البخاري في (الأدب، باب كل معروف صدقة، ٦٠٢١) من حديث جابر بن عبد الله ﵄.
(٤) [صحيح] . رواه بنحوه أبو داود في (الزكاة، باب في حقوق المال، رقم ١٦٥٧)، والنسائي في «السنن الكبرى» (١١٧٠١) . وانظر: «صحيح أبي داود» للألباني.
[ ٢٣٠ ]
عوض له تفصيل في موضع آخر، ولو كان كثير من المتفقهة مقصرين في علمه، بحيث قد ينفون وجوب ما صرحت الشريعة بوجوبه) (١) .
* * *
_________________
(١) * «مجموع الفتاوى» (٢٩ / ١٨٥ - ١٨٧) .
[ ٢٣١ ]