وهو منهيٌّ عن هذا
(الإيمان له حلاوة في القلب ولذة لا يعدلها شيء ألبتة، وقد قال النبي - ﷺ -: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار» (١) . أخرجاه في «الصحيحين»، وفي «صحيح مسلم»: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا» (٢) .
وكما أن الله نهى نبيه أن يصيبه حزن أو ضيق ممن لم يدخل في الإسلام في أول الأمر فكذلك في آخره؛ فالمؤمن منهيٌّ أن يحزن عليهم أو يكون في ضيق من مكرهم.
وكثير من الناس إذا رأى المنكر أو تغيُّر كثير من أحوال الإسلام جزع وكَلَّ وناح كما ينوح أهل المصائب، وهو منهي عن هذا؛ بل هو مأمور بالصبر والتوكل والثبات على دين الإسلام، وأن يؤمن بأن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأن العاقبة للتقوى، وأن ما يصيبه فهو بذنوبه؛ فليصبر، إن وعد الله حق، وليستغفر لذنبه، وليسبح بحمد ربه بالعشي والإبكار.
_________________
(١) رواه البخاري في (الإيمان، باب حلاوة الإيمان، رقم ١٦، وباب من كره أن يعود في الكفر، رقم ٢١، وفي الإكراه، باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر، ٦٩٤١)، ومسلم في (الإيمان، باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان، ٦٠)؛ من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٢) رواه مسلم في (الإيمان، باب الدليل على أن من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا، ٣٤) من حديث العباس بن عبد المطلب ﵁.
[ ١٣٩ ]
وقوله - ﷺ -: «ثم يعود غريبًا كما بدأ» (١) يحتمل شيئين:
أحدهما: أنه في أمكنة وأزمنة يعود غريبًا بينهم ثم يظهر، كما كان في أول الأمر غريبًا ثم ظهر، ولهذا قال: «سيعود غريبًا كما بدأ» .
وهو لما بدأ كان غريبًا لا يُعرف ثم ظهر وعرف، فكذلك يعود حتى لا يُعرف ثم يظهر ويُعرف، فيقل من يعرفه في أثناء الأمر كما كان من يعرفه أولًا.
ويحتمل أنه في آخر الدنيا لا يبقى مسلمًا إلا قليل، وهذا إنما يكون بعد الدجال ويأجوج ومأجوج عند قرب الساعة، وحينئذٍ يبعث الله ريحًا تقبض روح كل مؤمن ومؤمنة ثم تقوم القيامة.
وأما قبل ذلك؛ فقد قال - ﷺ -: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم؛ حتى تقوم الساعة» (٢)، وهذا الحديث في «الصحيحين» ومثله من عدة أوجه.
فقد أخبر الصادق المصدوق أنه لا تزال طائفة ممتنعة من أمته على الحق، أعزاء، لا يضرهم المخالف ولا خلاف الخاذل، فأما بقاء الإسلام غريبًا ذليلًا في الأرض كلها قبل الساعة؛ فلا يكون هذا) (٣) .
* * *
_________________
(١) جزء من حديث رواه مسلم في (الإيمان، باب بيان أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا، ١٤٦) من حديث ابن عمر ﵄.
(٢) تقدم تخريجه (ص ١٠٩) .
(٣) * «مجموع الفتاوى» (١٨ / ٢٩٥ - ٢٩٦) .
[ ١٤٠ ]