على كل ما يريده
(إذا جنى شخص؛ فلا يجوز أن يُعاقب بغير العقوبة الشرعية، وليس لأحد من المتعلمين والأستاذين أن يعاقبه بما يشاء، وليس لأحد أن يعاونه ولا يوافقه على ذلك، مثل أن يأمر بهجر شخص فيهجره بغير ذنب شرعي، أو يقول: أقعدته أو أهدرته أو نحو ذلك؛ فإن هذا من جنس ما يفعله القساوسة والرهبان مع النصارى والحزابون مع اليهود، ومن جنس ما يفعله أئمة الضلالة والغواية مع أتباعهم، وقد قال الصديق الذي هو خليفة رسول الله - ﷺ - في أمته: أطيعوني ما أطعت الله، فإن عصيت الله؛ فلا طاعة لي عليكم. وقد قال النبي - ﷺ -: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (١)، وقال: «من أمركم بمعصية؛ فلا تطيعوه» (٢) .
فإذا كان المعلم أو الأستاذ قد أمر بهجر شخص أو بإهداره وإسقاطه وإبعاده ونحو ذلك؛ نظر فيه، فإن كان قد فعل ذنبًا شرعيًا عوقب بقدر ذنبه بلا زيادة، وإن لم يكن أذنب ذنبًا شرعيًا لم يجز أن يعاقب بشيء لأجل غرض المعلم أو غيره.
وليس للمعلمين أن يحزبوا الناس ويفعلوا ما يلقي بينهم العداوة
_________________
(١) [صحيح] . رواه أحمد في «المسند» (١ / ١٣١) من حديث علي بن أبي طالب ﵁، وفي (١ / ٤٠٩) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، وفي (٥ / ٦٦) من حديث عمران بن حصين ﵁ بلفظ: «في معصية الله»، وفي «مسند الشهاب» للقضاعي (٢ / ٥٥) بلفظ المؤلف. وانظر: «صحيح الجامع» (٧٥٢٠) .
(٢) [صحيح] . رواه ابن ماجه في (الجهاد، باب لا طاعة في معصية الله، ٢٨٦٣)، وأحمد في «المسند» (٣ / ٦٧) من حديث أبي سعيد الخدري. وانظر: «صحيح الجامع» (٦٠٩٩)، و«السلسلة الصحيحة» (٢٣٢٤) .
[ ١٦٧ ]
والبغضاء، بل يكونون مثل الأخوة المتعاونين على البر والتقوى؛ كما قال تعالى: ﴿وَتَعاوَنوا عَلَى البِرِّ والتَّقْوَى وَلاَ تَعاوَنوا عَلَى الإثْمِ والعُدْوانِ﴾ (١) .
وليس لأحد منهم أن يأخذ على أحد عهدًا بموافقته على كل ما يريده وموالاة من يواليه ومعاداة من يعاديه، بل من فعل هذا كان من جنس جنكزخان وأمثاله الذين يجعلون من وافقهم صديقًا والي ومن خالفهم عدوًا باغي؛ بل عليهم وعلى أتباعهم عهد الله ورسوله بأن يطيعوا الله ورسوله، ويفعلوا ما أمر الله به ورسوله، ويحرموا ما حرم الله ورسوله، ويرعوا حقوق المعلمين كما أمر الله ورسوله؛ فإن كان أستاذ أحد مظلومًا نصره، وإن كان ظالمًا لم يعاونه على الظلم، بل يمنعه منه؛ كما ثبت في «الصحيح» عن النبي - ﷺ - أنه قال: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا» . قيل: يا رسول الله! أنصره مظلومًا؛ فكيف أنصره ظالمًا؟! قال: «تمنعه من الظلم؛ فذلك نصرك إياه» (٢) .
وإذا وقع بين معلم ومعلم أو تلميذ وتلميذ أو معلم وتلميذ خصومة ومشاجرة لم يجز لأحد أن يعين أحدهما حتى يعلم الحق؛ فلا يعاونه بجهل ولا بهوى، بل ينظر في الأمر، فإذا تبين له الحق أعان المحق منهما على المبطل، سواء كان المحق من أصحابه أو أصحاب غيره، وسواء كان المبطل من أصحابه أو أصحاب غيره؛ فيكون المقصود عبادة الله وحده وطاعة رسوله واتباع الحق والقيام بالقسط، قال الله تعالى: ﴿يا أيُّها الذينَ آمنوا كونوا قَوَّامينَ بِالقِسْطِ شُهِداءَ للهِ وَلَوْ عَلَى أنْفُسِكُمْ أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبينَ إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقيرًا فاللهُ أوْلَى بِهِما فَلاَ تَتَّبِعوا الهَوَى أنْ تَعْدِلوا وإنْ تَلْووا أوْ تُعْرِضوا فَإنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلونَ خَبِيرًا﴾ (٣)، يقال: لوى
_________________
(١) المائدة: ٢.
(٢) تقدم تخريجه قريبًا.
(٣) النساء: ١٣٥.
[ ١٦٨ ]
يلوي لسانه: فيخبر بالكذب. والإعراض: أن يكتم الحق؛ فإن الساكت عن الحق شيطان أخرس.
ومن مال مع صاحبه - سواء كان الحق له أو عليه -؛ فقد حكم بحكم الجاهلية وخرج عن حكم الله ورسوله، والواجب على جميعهم أن يكونوا يدًا واحدة مع الحَقِّيِّ على المبطل، فيكون المعظَّم عندهم من عظَّمه الله ورسوله، والمقدَّم عندهم من قدِّمه الله ورسوله، والمحبوب عندهم من أحبَّه الله ورسوله، والمهان عندهم من أهانه الله ورسوله بحسب ما يرضى الله ورسوله لا بحسب الأهواء؛ فإنَّه من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فإنَّه لا يضرُّ إلاَّ نفسه.
فهذا هو الأصل الذي عليهم اعتماده، وحينئذ؛ ٍ فلا حاجة إلى تفرُّقهم وتشيُّعهم؛ فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿إنَّ الذينَ فَرَّقوا دينَهُمْ وكانوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ في شَيْءٍ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَكونوا كالذينَ تَفَرَّقوا واخْتَلَفوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتِ﴾ (٢)، وإذا كان الرَّجل قد علَّمه أستاذ عرف قدر إحسانه إليه وشكره.
ولا يشدُّ وسطه لا لمعلِّمه ولا لغير معلِّمه؛ فإنَّ شدَّ الوسط لشخص معيَّن وانتسابه إليه من بدع الجاهليَّة، ومن جنس التَّحالف الذي كان المشركون يفعلونه، ومن جنس تفرُّق قيس ويمن، فإن كان المقصود بهذا الشدِّ والانتماء التَّعاون على البرِّ والتَّقوى؛ فهذا قد أمر الله به ورسوله له ولغيره بدون هذا الشدِّ، وإن كان المقصود به التَّعاون على الإثم والعدوان؛ فهذا قد حرَّمه الله ورسوله، فما قُصد بهذا من خير؛ ففي أمر الله ورسوله بكلِّ معروف استغناء عن أمر المعلِّمين، وما قُصد بهذا من شرٍّ؛ فقد حرَّمه
_________________
(١) الأنعام: ١٥٩.
(٢) آل عمران: ١٠٥.
[ ١٦٩ ]
الله ورسوله.
فليس لمعلِّم أن يحالف تلامذته على هذا، ولا لغير المعلِّم أن يأخذ أحدًا من تلامذته لينسبوا إليه على الوجه البدعيِّ: لا ابتداءً ولا إفادةً، وليس له أن يجحد حقَّ الأوَّل عليه، وليس للأوَّل أن يمنع أحدًا من إفادة التعلُّم من غيره، وليس للثَّاني أن يقول: شدَّ لي وانتسب لي دون معلِّمك الأوَّل، بل إن تعلَّم من اثنين فإنَّه يراعي حقَّ كلٍّ منهما، ولا يتعصَّب لا للأوَّل ولا للثَّاني، وإذا كان تعليم الأول له أكثر كانت رعايته لحقِّه أكثر.
وإذا اجتمعوا على طاعة الله ورسوله وتعاونوا على البرِّ والتَّقوى لم يكن أحد مع أحد في كلِّ شيء؛ بل يكون كلُّ شخص مع كلِّ شخص في طاعة الله ورسوله، ولا يكونون مع أحد في معصية الله ورسوله، بل يتعاونون على الصِّدق والعدل والإحسان، والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، ونصر المظلوم وكلِّ ما يحبُّه الله ورسوله، ولا يتعاونون لا على ظلم ولا عصبيَّة جاهليَّة، ولا اتباع الهوى بدون هدى من الله، ولا تفرق ولا اختلاف، ولا شد وسط لشخص ليتابعه في كل شيء ولا يحالفه على غير ما أمر الله به ورسوله.
وحينئذٍ؛ فلا ينتقل أحد عن أحد إلى أحد، ولا ينتمي أحد لا لقيطًا ولا ثقيلًا ولا غير ذلك من أسماء الجاهلية؛ فإن هذه الأمور إنما ولدها كون الأستاذ يريد أن يوافقه تلميذه على ما يريد، فيوالي من يواليه، ويعادي من يعاديه مطلقًا، وهذا حرام؛ ليس لأحد أن يأمر به أحدًا ولا يجيب عليه أحدًا، بل تجمعهم السنة وتفرقهم البدعة، يجمعهم فعل ما أمر الله به ورسوله وتفرق بينهم معصية الله ورسوله، حتى يصير الناس أهل طاعة الله أو أهل معصية الله؛ فلا تكون العبادة إلا لله ﷿ ولا الطاعة المطلقة إلا له سبحانه ولرسوله - ﷺ -.
[ ١٧٠ ]
ولا ريب أنهم إذا كانوا على عادتهم الجاهلية - أي: من علمه أستاذ كان محالفًا له - كان المنتقل عن الأول إلى الثاني ظالمًا باغيًا ناقضًا لعهده غير موثوق بعقده، وهذا أيضًا حرام وإثم، هذا أعظم من إثم من لم يفعل مثل فعله؛ بل مثل هذا إذا انتقل إلى غير أستاذه وحالفه كان قد فعل حرامًا، فيكون مثل لحم الخنزير الميت؛ فإنه لا بعهد الله ورسوله أوفى ولا بعهد الأول؛ بل كان بمنزلة المتلاعب الذي لا عهد له ولا دين له ولا وفاء، وقد كانوا في الجاهلية يحالف الرجل قبيلة، فإذا وجد أقوى منها نقض عهد الأولى وحالف الثانية - وهو شبيه بحال هؤلاء -؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَلاَ تَنْقُضوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفيلًا إنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلونَ. ولا تكونوا كالتي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا تَتَّخِذونَ أيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إنَّما يَبْلُوَكُمُ اللهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُمْ فيهِ تَخْتَلِفونَ. وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً ولكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْألُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلونَ. وَلاَ تَتَّخِذوا أيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبوتِها وَتَذوقوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبيلِ اللهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظيمٌ﴾ (١) .
وعليهم أن يأتمروا بالمعروف ويتناهوا عن المنكر، ولا يدعوا بينهم من يظهر ظلمًا أو فاحشة، ولا يدعوا صبيًا أمرد يتبرج أو يظهر ما يفتن به الناس، ولا أن يعاشر من يتهم بعشرته، ولا يكرم لغرض فاسد.
ومن حالف شخصًا على أن يوالي من والاه ويعادي من عاداه كان من جنس التتر المجاهدين في سبيل الشيطان، ومثل هذا ليس من المجاهدين في سبيل الله تعالى ولا من جند المسلمين، ولا يجوز أن يكون مثل هؤلاء من عسكر المسلمين؛ بل هؤلاء من عسكر الشيطان، ولكن يحسن أن يقول
_________________
(١) النحل: ٩١ - ٩٤.
[ ١٧١ ]
لتلميذه: عليك عهد الله وميثاقه أن توالي من والى الله ورسوله وتعادي من عادى الله ورسوله، وتعاون على البر والتقوى ولا تعاون على الإثم والعدوان، وإذا كان الحق معي نصرت الحق، وإن كنت على الباطل لم تنصر الباطل؛ فمن التزم هذا كان من المجاهدين في سبيل الله تعالى، الذين يريدون أن يكون الدين كله لله وتكون كلمة الله هي العليا.
وفي «الصحيحين»: أن النبي - ﷺ - قيل له: يا رسول الله! الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء؛ فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا؛ فهو في سبيل الله» (١)، فإذا كان المجاهد الذي يقاتل حمية للمسلمين، أو يقاتل رياءً للناس ليمدحوه، أو يقاتل لما فيه من الشجاعة؛ لا يكون قتاله في سبيل الله ﷿ حتى يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا؛ فكيف من يكون أفضل تعلمه صناعة القتال مبنيًا على أساس فاسد ليعاون شخصًا مخلوقًا على شخص مخلوق؟! فمن فعل ذلك كان من أهل الجاهلية الجهلاء والتتر الخارجين عن شريعة الإسلام، ومثل هؤلاء يستحقون العقوبة البليغة الشرعية التي تزجرهم وأمثالهم عن مثل هذا التفرق والاختلاف؛ حتى يكون الدين كله لله والطاعة لله ورسوله ) (٢) .
* * *
_________________
(١) رواه البخاري في (التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ﴾، ٧٤٥٨)، ومسلم في الإمارة، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ١٩٠٤)؛ من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
(٢) * «مجموع الفتاوى» (٢٨ / ١٥ - ٢١) .
[ ١٧٢ ]