قال ﵀ في «رسالته إلى أهل البحرين» واختلافهم في صلاة الجمعة:
والذي أوجب هذا أن وفدكم حدثونا بأشياء من الفرقة والاختلاف بينكم، حتى ذكروا أن الأمر آل إلى قريب المقاتلة، وذكروا أن سبب ذلك الاختلاف في «رؤية الكفار ربهم»، وما كنا نظن أن الأمر يبلغ بهذه المسألة إلى هذا الحد؛ فالأمر في ذلك خفيف.
وإنما المهم الذي يجب على كل مسلم اعتقاده أن المؤمنين يرون ربهم في الدار الآخرة في عرصة القيامة وبعد ما يدخلون الجنة، على ما تواترت به الأحاديث عن النبي - ﷺ - عند العلماء بالحديث؛ فإنه أخبر - ﷺ - أنا نرى ربنا كما نرى القمر ليلة البدر والشمس عند الظهيرة، لا يُضام في رؤيته (١) .
أما «مسألة رؤية الكفار»؛ فأول ما انتشر الكلام فيها وتنازع الناس فيها - فيما بلغنا - بعد ثلاث مئة سنة من الهجرة، وأمسك عن الكلام في هذا قوم من العلماء، وتكلم فيها آخرون؛ فاختلفوا فيها على «ثلاثة أقوال»، مع أني ما علمت أن أولئك المختلفين فيها تلاعنوا ولا تهاجروا فيها؛ إذ في الفِرَق الثلاثة قوم فيهم فضل وهم أصحاب سنة
والأقوال الثلاثة في «رؤية الكفار»:
_________________
(١) يشير إلى حديث: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته»: رواه البخاري في (مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر، ٥٤٤)، ومسلم في (المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاتي الصبح والعصر، ٦٣٣)؛ من حديث جرير بن عبد الله ﵁.
[ ١٨٠ ]
أحدها: أن الكفار لا يرون ربهم بحال: لا المظهر للكفر، ولا المسر له
الثاني: أنه يراه من أظهر التوحيد من مؤمني هذه الأمة ومنافقيها وغبرات من أهل الكتاب، وذلك في عرصة القيامة، ثم يحتجب عن المنافقين فلا يرونه بعد ذلك
الثالث: أن الكفار يرونه رؤية تعريف وتعذيب - كاللص إذا رأى السلطان -، ثم يحتجب عنهم ليعظم عذابهم ويشتد عقابهم
فبالجملة؛ فليس مقصودي بهذه الرسالة الكلام المستوفي لهذه المسألة؛ فإن العلم كثير، وإنما الغرض بيان أن هذه «المسألة» ليست من المهمات التي ينبغي كثرة الكلام فيها وإيقاع ذلك إلى العامة والخاصة حتى يبقى شعارًا ويوجب تفريق القلوب وتشتت الأهواء.
وليست هذه «المسألة» فيما علمت مما يوجب المهاجرة والمقاطعة، فإن الذين تكلموا فيها قبلنا عامتهم أهل سنة واتباع، وقد اختلف فيها من لم يتهاجروا ويتقاطعوا، كما اختلف الصحابة ﵃ والناس بعدهم في رؤية النبي - ﷺ - ربه في الدنيا، وقالوا فيها كلمات غليظة؛ كقول أم المؤمنين عائشة ﵂: من زعم أن محمدًا رأى ربه؛ فقد أعظم على الله الفرية. ومع هذا؛ فما أوجب هذا النزاع تهاجرًا ولا تقاطعًا.
وكذلك ناظر الإمام أحمد أقوامًا من أهل السنة في «مسألة الشهادة للعشرة بالجنة» حتى آلت المناظرة إلى ارتفاع الأصوات، وكان أحمد وغيره يرون الشهادة، ولم يهجروا من امتنع من الشهادة، إلى مسائل نظير هذه كثيرة.
[ ١٨١ ]
وهنا آداب تجب مراعاتها:
١ - منها: أن من سكت عن الكلام في هذه المسألة ولم يدع إلى شيء؛ فإنه لا يحل هجره، وإن كان يعتقد أحد الطرفين؛ فإن البدع التي هي أعظم منها، لا يهجر فيها إلا الداعية دون الساكت؛ فهذه أولى.
٢ - ومن ذلك: أنه لا ينبغي لأهل العلم أن يجعلوا هذه المسألة محنة وشعارًا يفضلون بها بين إخوانهم وأضدادهم؛ فإن مثل هذا مما يكرهه الله ورسوله.
٣ - وكذلك لا يفاتحوا فيها عوام المسلمين الذين هم في عافية وسلام عن الفتن، ولكن إذا سئل الرجل عنها أو رأى من هو أهل لتعريفه ذلك ألقى إليه مما عنده من العلم ما يرجو النفع به، بخلاف الإيمان بأ ن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة؛ فإن الإيمان بذلك فرض واجب لما قد تواتر فيها عن النبي - ﷺ - وصحابته وسلف الأمة.
٤ - ومن ذلك: أنه ليس لأحد أن يطلق القول بأن الكفار يرون ربهم من غير تقييد؛ لوجهين:
أحدهما: أن «الرؤية المطلقة» قد صار يُفهم منها الكرامة والثواب؛ ففي إطلاق ذلك إيهام وإيحاش، وليس لأحد أن يطلق لفظًا يوهم خلاف الحق إلا أن يكون مأثورًا عن السلف، وهذا اللفظ ليس مأثورًا.
الثاني: أن الحكم إذا كان عامًا في تخصيص بعضه باللفظ خروج عن القول الجميل؛ فإنه يمنع من التخصيص، فإن الله خالق كل شيء ومريد لكل حادث، ومع هذا يمنع الإنسان أن يخص ما يستقذر من المخلوقات وما يستقبحه الشرع من الحوادث، بأن يقول على الانفراد: يا خالق الكلاب، ويا مريدًا للزنا، ونحو ذلك، بخلاف ما لو قال: يا خالق كل شيء، ويا من كل
[ ١٨٢ ]
شيء يجري بمشيئته.
فكذلك هنا لو قال: ما من أحد إلا سيخلو به ربه وليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان، أو قال: إن الناس كلهم يُحشرون إلى الله فينظر إليهم وينظرون إليه؛ كان هذا اللفظ مخالفًا في الإيهام للفظ الأول.
فلا يخرجن أحد عن الألفاظ المأثورة، وإن كان قد يقع تنازع في بعض معناها؛ فإن هذا الأمر لا بد منه، فالأمر كما قد أخبر به نبينا - ﷺ - والخير كل الخير في اتباع السلف الصالح والاستكثار من معرفة حديث رسول الله - ﷺ - والتفقه فيه، والاعتصام بحبل الله، وملازمة ما يدعو إلى الجماعة والألفة، ومجانبة ما يدعو إلى الخلاف والفرقة؛ إلا أن يكون أمرًا بينًا قد أمر الله ورسوله فيه بأمر من المجانبة؛ فعلى الرأس والعين.
وأما إذا اشتبه الأمر: هل هذا القول أو الفعل مما يعاقب صاحبه عليه أو ما لا يعاقب؟ فالواجب ترك العقوبة؛ لقول النبي - ﷺ -: «ادرؤوا الحدود بالشبهات؛ فإنك إن تخطىء في العفو خير من أن تخطىء في العقوبة» (١) . رواه أبو داود، ولا سيما إذا آل الأمر إلى شر طويل وافتراق أهل السنة والجماعة؛ فإن الفساد الناشىء في هذه الفرقة أضعاف الشر الناشىء من خطأ نفر قليل في مسألة فرعية.
وإذا اشتبه على الإنسان أمر؛ فليدع بما رواه مسلم في «صحيحه» عن عائشة ﵂؛ قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة يقول: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما
_________________
(١) [ضعيف] . رواه الترمذي في (الحدود، باب ما جاء في درء الحدود، ١٤٢٤) وغيره؛ من حديث عائشة ﵂. ولشطره الأول شواهد يتقوى بها. وانظر: «إرواء الغليل» (٨ / ٢٥) .
[ ١٨٣ ]
اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (١) .
وبعد هذا؛ فاسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه من القول والعمل، ويرزقنا اتباع هدي نبيه - ﷺ - باطنًا وظاهرًا، ويجمع على الهدى شملنا، ويقرن بالتوفيق أمرنا، ويجعل قلوبنا على قلب خيارنا، ويعصمنا من الشيطان، ويعيذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.
وقد كتبت هذا الكتاب وتحريت فيه الرشد، وما أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، ومع هذا؛ فلم أحط علمًا بحقيقة ما بينكم ولا بكيفية أموركم، وإنما كتبت على حسب ما فهمت من كلام من حدثني، والمقصود الأكبر إنما هو إصلاح ذات بينكم وتأليف قوبكم.
وأما استيعاب القول في «هذه المسألة» وغيرها وبيان حقيقة الأمر فيها؛ فربما أقول أو أكتب في وقت آخر إن رأيت الحاجة ماسة إليه، فإني في هذا الوقت رأيت الحاجة إلى انتظام أمركم أوكد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، وحسبنا الله ونعم الوكيل) (٢) .
* * *
_________________
(١) رواه مسلم في (صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، ٧٧٠) من حديث عائشة ﵂.
(٢) * «مجموع الفتاوى» (٦ / ٤٨٥ - ٥٠٦) .
[ ١٨٤ ]