سيِّئة دونها في العقاب ماذا يفعل؟
(إذا كان القائم بالملك والإمارة يفعل من الحسنات المأمور بها ويترك من السيئات المنهي عنها ما يزيد به ثوابه على عقوبة ما يتركه من واجب أو يفعله من محظور؛ فهذا قد ترجحت حسناته على سيئاته، فإذا كان غيره مقصرًا في هذه الطاعة التي فعلها مع سلامته عن سيئاته؛ فله «ثلاثة أحوال»: إما أن يكون الفاضل من حسنات الأمير أكثر من مجموع حسنات هذا أو أقل؛ فإن كانت فاضلة أكثر كان أفضل، وإن كان أقل كان مفضولًا، وإن تساويا تكافآ، هذا موجب العدل ومقتضى نصوص الكتاب والسنة في الثواب والعقاب.
وهو مبني على قول من يعتبر الموازنة، والمقابلة في الجزاء، وفي العدالة أيضًا، وأما من يقول: إنه بالكبيرة الواحدة يستحق الوعيد، ولو كان له حسنات كثيرة عظيمة؛ فلا يجيء هذا، وهو قول طائفة من العلماء في العدالة، والأول أصح على ما تدل عليه النصوص.
ويتفرع من هنا «مسألة»، وهو ما إذا كان لا يتأتى له فعل الحسنة الراجحة إلا بسيئة دونها في العقاب؛ فلها صورتان:
إحداهما: إذا لم يمكن إلا ذلك؛ فهنا لا يبقى سيئة، فإن ما لا يتم الواجب أو المستحب إلا به؛ فهو واجب أو مستحب، ثم إن كانت مفسدته دون تلك المصلحة لم يكن محظورًا؛ كأكل الميتة للمضطر ونحو
[ ١٩٧ ]
ذلك من الأمور المحظورة التي تبيحها الحاجات؛ كلبس الحرير في البرد، ونحو ذلك، وهذا باب عظيم.
فإن كثيرًا من الناس يستشعر سوء الفعل ولا ينظر إلى الحاجة المعارضة له التي يحصل بها من ثواب الحسنة ما يربى على ذلك؛ بحيث يصير المحظور مندرجًا في المحبوب أو يصير مباحًا إذا لم يعارضه إلا مجرد الحاجة، كما أن من الأمور المباحة؛ بل والمأمور بها إيجابًا أو استحبابًا: ما يعارضها مفسدة راجحة تجعلها محرمة أو مرجوحة؛ كالصيام للمريض، وكالطهارة بالماء لمن يخاف عليه الموت، كما قال - ﷺ -: «قتلوه قتلهم الله! هلا سألوا إذا لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال» (١) .
وعلى هذا الأصل يبنى جواز العدول أحيانًا عن بعض سنة الخلفاء، كما يجوز ترك بعض واجبات الشريعة وارتكاب بعض محظوراتها للضرورة، وذلك فيما إذا وقع العجز عن بعض سنتهم، أو وقعت الضرورة إلى بعض ما نهوا عنه؛ بأن تكون الواجبات المقصودة بالإمارة لا تقوم إلا بما مضرته أقل.
وهكذا «مسألة الترك» كما قلناه أولًا وبيَّنَّا أنه لا يخالفه إلا أهل البدع ونحوهم من أهل الجهل والظلم.
«والصورة الثانية»: إذا كان يمكن فعل الحسنات بلا سيئة، لكن بمشقة لا تطيعه نفسه عليها أو بكراهة من طبعه بحيث لا تطيعه نفسه إلى فعل تلك الحسنات الكبار المأمور بها إيجابًا أو استحبابًا إن لم يبذل لنفسه
_________________
(١) [صحيح] . رواه أبو داود في (الطهارة، باب في المجروح يتيمم، ٣٣٦) من حديث جابر بن عبد الله ﵁، وابن ماجه في (الطهارة وسننها، باب في المجروح تصيبه الجنابة فيخاف على نفسه، ٥٧٢) من حديث ابن عباس ﵄. وانظر: «صحيح الجامع» (٤٣٦٢) .
[ ١٩٨ ]
ما تحبه من بعض الأمور المنهي عنها التي إثمها دون منفعة الحسنة؛ فهذا القسم واقع كثيرًا في أهل الإمارة والسياسة والجهاد، وأهل العلم والقضاء والكلام، وأهل العبادة والتصوف، وفي العامة مثل من لا تطيعه نفسه إلى القيام بمصالح الإمارة - من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، وأمن السبل، وجهاد العدو، وقسمة المال - إلا بحظوظ منهي عنها؛ من الاستئثار ببعض المال، والرياسة على الناس، والمحاباة في القسم، وغير ذلك من الشهوات، وكذلك في الجهاد: لا تطيعه نفسه على الجهاد إلا بنوع من التهور، وفي العلم: لا تطيعه نفسه على تحقيق علم الفقه وأصول الدين إلا بنوع من المنهي عنه من الرأي والكلام، ولا تطيعه نفسه على تحقيق علم العبادة المشروعة والمعرفة المأمور بها إلا بنوع من الرهبانية.
فهذا القسم كثر في دول الملوك؛ إذ هو واقع فيهم، وفي كثير من أمرائهم وقضاتهم وعلمائهم وعبادهم - أعني أهل زمانهم -، وبسببه نشأت الفتن بين الأمة؛ فأقوام نظروا إلى ما ارتكبوه من الأمور المنهي عنها فذموهم وأبغضوهم، وأقوام نظروا إلى ما فعلوه من الأمور المأمور بها فأحبوهم، ثم الأولون ربما عدوا حسناتهم سيئات، والآخرون ربما جعلوا سيئاتهم حسنات، وقد تقدم أصل هذه المسألة، وهو أنه إذا تعسر فعل الواجب في الإمارة إلا بنوع من الملك؛ فهل يكون الملك مباحًا كما يباح عند التعذر؟
ذكرنا فيه القولين؛ فإن أقيم التعسر مقام التعذر لم يكن ذلك إثمًا، وإن لم يقم كان إثمًا، وأما ما لا تعذر فيه ولا تعسر؛ فإن الخروج عن سنة الخلفاء اتباع للهوى.
«فالتحقيق» أن الحسنات حسنات، والسيئات سيئات، وهم خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، وحكم الشريعة أنهم لا يؤذن لهم فيما فعلوه من
[ ١٩٩ ]
السيئات ولا يؤمرون به، ولا يجعل حظ أنفسهم عذرًا لهم في فعلهم إذا لم تكن الشريعة عذرتهم؛ لكن يؤمرون بما فعلوه من الحسنات، ويحضون على ذلك ويرغبون فيه؛ وإن عُلم أنهم لا يفعلونه إلا بالسيئات المرجوحة كما يؤمر الأمراء بالجهاد، وإن عُلم أنهم لا يجاهدون إلا بنوع من الظلم الذي تقل مفسدته بالنسبة إلى مصلحة الجهاد.
ثم إذا علم أنهم إذا نهوا عن تلك السيئات تركوا الحسنات الراجحة الواجبة لم ينهوا عنها؛ لما في النهي عنها من مفسدة ترك الحسنات الواجبة إلا أن يمكن الجمع بين الأمرين، فيفعل حينئذ تمام الواجب، كما كان عمر ابن الخطاب يستعمل من فيه فجور لرجحان المصلحة في عمله، ثم يزيل فجوره بقوته وعدله.
ويكون ترك النهي عنها حينئذ؛ مثل ترك الإنكار باليد أو بالسلاح إذا كان فيه مفسدة راجحة على مفسدة المنكر، فإذا كان النهي مستلزمًا في القضية المعينة لترك المعروف الراجح؛ كان بمنزلة أن يكون مستلزمًا لفعل المنكر الراجح، كمن أسلم على أن لا يصلي إلا صلاتين كما هو مأثور عن بعض من أسلم على عهد النبي - ﷺ -، أو أسلم بعض الملوك المسلطين وهو يشرب الخمر أو يفعل بعض المحرمات، ولو نهي عن ذلك ارتد عن الإسلام.
ففرق بين ترك العالم أو الأمير لنهي بعض الناس عن الشيء إذا كان في النهي مفسدة راجحة وبين إذنه في فعله، وهذا يختلف باختلاف الأحوال؛ ففي حال أخرى يجب إظهار النهي: إما لبيان التحريم واعتقاده والخوف من فعله، أو لرجاء الترك، أو لإقامة الحجة بحسب الأحوال؛ ولهذا
[ ٢٠٠ ]
تنوع حال النبي - ﷺ -
في أمره، ونهيه، وجهاده، وعفوه، وإقامته الحدود، وغلظته، ورحمته) (١) .
* * *
_________________
(١) * «مجموع الفتاوى» (٣٥ / ٢٨ - ٣٢) .
[ ٢٠١ ]