مكث الشيخ ﵀ في "عسير" دارسًا ومدرسًا ومحاسبًا في الجمارك، ثم قاضيًا فرئيسًا للقضاء.
وقد كان أمير "عسير" حينئذٍ: محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن إدريس المعروف بـ: الإدريسي (١)، المولود: (١٢٩٣ هـ)، والمتوفي: (١٣٤١ هـ).
لقّب الإدريسيُّ شيخنا بـ: شيخ الإسلام؛ لما رآه من ورعه وزهده وعلمه وثقته وأمانته، وصار يعتمد عليه في تدريس الطلبة، والجواب عن بعض المهمات، وحلِّ بعض المسائل القضائية المشكلة، وكتمان بعض الكتابات السرية، وجعله: "نائب
_________________
(١) وصفه المعلمي في وصيته التي كتبها لمَّا انتقل من بلده إلى عسير بقوله: "أمير المؤمنين السيد الإمام، محي علوم الشريعة ومجددها، وسميت رسوم البدع الشنيعة ومبددها". وقد كان المعلمي درس على الإدريسي بعض الفنون، ولا سيما النحو، وقد جمع ما ألقاه الإدريسي من دروس في النحو في كتاب سماه المعلمي: "الأمالي النحوية" أفاد ذلك الزيادي في مقدمة "عمارة القبور" (ص ٢٦ - ٢٧، ٣٤). وللإدريسي ترجمة في "الأعلام" للزركلي (٦/ ٢٠٣)، وانظر مصادر ترجمته الأخرى في المقدمة المشار إليه آنفًا (ص ١٦).
[ ١ / ٢٩ ]
الشرع الشريف" فصار المعلمي ينوب عنه -حال مرض الإدريسي- في تولِّي أكثر المخاطبة مع من يأتيه من المندوبين، وفي قراءة الكتب التى ترِدُ وعرض مضمونها عليه وهكذا صار لديه: العالم الثقة الأمين
وقد كان الشيخ في أثناء تلك المدّة يكثر الطلب من الإدريسي أن يُعْفِيهُ من مهام القضاء وغيره؛ كي يتفرغ لخدمة العلم فقط، فكان الإدريسي يعِدُهُ بإحضار مساعدين له في تلك المهام حتى يتسنى له ما يريد، لكن قضى الله وفاة الإدريسي قبل أن يفي بوعده.
ثم رأى المعلمي بعد وفاة الإدريسي أن تفرغه للعلم واجب؛ لأمور ذكرها، منها قوله: "من المعلوم أن الدّعوة مبنيّةٌ على علم وعملٍ، فكيف نقوم لإحياء العمل وترك العلم، والقيام بخدمة العلم هو أعظم خدمة للدعوة بل هو الشطر المهم فيها".