قال في "الأنوار الكاشفة" (ص ٥٥): "في سماعه من عمر خلاف، والظاهر أنه لا يثبت" (١). اهـ.
_________________
(١) قد كنت صنعت هاهنا بحثًا في النظر في هذا الخلاف الذي أشار إليه المعلمي، وفيما قيل أيضًا أن إبراهيم قد ولد في حياة النبي -ﷺ-، فذكره بعض من صنف في الصحابة في مصنفاتهم، وهم: أبو نعيم، وأبو إسحاق بن الأمين، لكني وجدت البحث يربو على عشر ورقات، فخشيت إثقال هذا الموضع به، إلا أني لم أرد إخلاء هذا المقام من الإشارة إلى أطراف هذا البحث لتميم الفائدة، فأقول وبالله التوفيق: أولًا: ذِكْرُ من أثبت لإبراهيم السماع من عمر أو أشار إليه.
(٢) قال عبد الله بن أحمد: أَمْلَى عليّ أبي فقال: هذه تسمية من روى عن عمر بن الخطاب: ..، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وحميد -يعني: بن عبد الرحمن بن عوف- روى عن عمر، فلا أدري سمع منه أم لا؟ وقال ابن أبي ذئب عن الزهري، عن حميد: رأيت عمر. وإبراهيم بن عبد الرحمن لا شك فيه سمع من عمر. "العلل ومعرفة الرجال" (١ / رقم ٤٦٤).
(٣) قال يعقوب بن شيبة: روى إبراهيم عن عمر بن الخطاب سماعًا ورواية، ويقال: إنه لم يكن أحد من ولد عبد الرحمن بن عوف يروي عن عمر سماعًا غيره، وقد روى عن أبيه، وعثمان، وعلي، وسعد بن أبي وقاص، وعمرو بن العاص، وأبي بكرة، وكان ثقة" "تاريخ دمشق" (٢ / ق ٤٦١ - الظاهرية). وقد سبقه إلى هذا القول بلفظه: الواقدي أيضًا، كما في "طبقات ابن سعد" (٥/ ٥٦) والظاهر أن يعقوب قد عَنَاه بقوله: ويقال .. ونسب الحافظ ابن حجر في "التهذيب" مثل هذا إلى الطبرى.
(٤) قال الحافظ ابن حجر في الاستدلال على إثبات السماع: "روى ابن أبي ذئب عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: رأيت بيت رويشد الثقفي حين حرقه عمر، كان حانوتًا للشراب، فرأيته كأنه جمرة" "تهذيب التهذيب" (١/ ١٤٠). قلت: هذا يُثْبت الإدراك فقط، وقد يَرَى الصبي مِثْلَ هذا فيحفظه، ويعلق بذهنه، وليس في هذا ما يدل على صحة السماع -وهو محل الخلاف-، ولهذا نظائر معروفة، منها ما ثبت أن محمود بن الربيع عقل مَجَّةً مَجَّهَا النبي -ﷺ- في وجهه من دلو من بئر كانت في دارهم، وهو ابن أربع سنين أو خمس سنين. قال البخاري: أدرك النبي -ﷺ- "تاريخه الكبير" (٧ / الترجمة ١٧٦١) وقال أبو حاتم الرازي: أدرك النبي -ﷺ- وهو صبي، ليست له صحبة، وله رؤية: "الجرح والتعديل" (٨ / الترجمة ١٣٢٨).
[ ١ / ١٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وهذا سعيد بن المسيب، كان عمره لما توفي عُمَر (٨) سنين، وثبت أنه سمع عُمرًا ينعي النعمان بن مقرن على المنبر، ولم يصح عنه عن عمر سماعًا سوى ذلك، ولهذا حكم غير واحد من الحفاظ -وهو الراجح- بأن سعيدًا عن عمر منقطع، ولما سئل يحيى بن معين قال: ابن ثمان يحفظ؟ استنكارًا لذلك. ثانيًا: ذِكْرُ مَنْ صرح بَعَدم السماع، أو يفيد صنيعه ذلك.
(٢) قال البيهقي: لم يثبت له سماع من عمر بن الخطاب -﵁-، وإنما يقال إنه رآه" السنن: (٨/ ٢٧٧).
(٣) لم يذكر البخاري في "تاريخه الكبير" (١/ ٢٩٥)، ولا مسلم في "الكنى" (١ رقم ٣)، ولا ابن أبي حاتم في "الجرح" (٢/ ١١١)، ولا ابن حبان في "الثقات" (٤/ ٤) روايته عن عمر أصلًا، وإنما ذكروا روايته عن أبيه عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان، وسعد ابن أبي وقاص، وغيرهم من صغار الصحابة. ومن المعلوم من طريقة الأئمة أنهم يذكرون في ترجمة الرجل: الأقدم فالأقدم من شيوخه، وقد يقدمون الأفضل وإن لم يكن هو الأسَنَّ، فما بال عُمر وهو المقدَّم: سنًا وفضلًا، لم يذكره أحدٌ من هؤلاء في شيوخ إبراهيم؟
(٤) ذَكَرَ مسلم في كتاب "الطبقات" مَنْ قيل إنه ولد في حياة النبي -ﷺ-، ثم ذكر مَنْ بعد هؤلاء قليلًا، ثم قال: الطبقة بعد هؤلاء من أهل المدينة، فذكر: سعيد بن المسيب بن حزن، قال: أدرك من خلافة عمر (ثمان) سنين. ثم قال (١/ ٢٣٥): وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. وحميد بن عبد الرحمن بن عوف. وأبو سلمة ومصعب ابنا عبد الرحمن بن عوف. اهـ. فربما أشعر هذا الترتيب بتأخر إبراهيم عن ابن المسيب، فيكون إبراهيم قد أدرك من خلافة عمر أقل من ثمان سنين، وهذا الإشعار يحتاج إلى تتبع واستقراء لكتاب الطبقات، للنظر في منهج مسلم في ترتيب المذكورين في الطبقة الواحدة. هذا، ولم يخرج أحدٌ مِنْ أصحاب الكتب الستة لإبراهيم عن عمر إلا النسائي في كتاب "المواعظ" من "السنن الكبرى"، حسبما في "تحفة الأشراف" للمزي (٨ / رقم (١٠٣٨٢)، والبخاري تعليقًا، واختلف هل هو المذكور في هذا الموضع أم لا، راجع "التحفة" (٨ / رقم ١٠٣٨١) مع "النكت الظراف" لابن حجر. وليس فيه تصريح بسماع. وبعد هذه العجالة، يظهر لي أن القول ما قال البيهقي ﵀ ويؤيده ظاهر صنيع من ذكرنا من الأئمة، وأن إبراهيم لا يُدَفع عن إدراك عمر ورؤيته، لكنه كان في سنٍّ لا تحتمل السماع والحفظ، =
[ ١ / ١٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وأما قول الإمام أحمد فإن حُمل على ما قلنا -وفيه بُعْد- فذاك، وإلَّا فقوله لا يخلو عن نظر، والله تعالى أعلم. أما بالنسبة لما قيل إن إبراهيم قد ولد في حياة النبي -ﷺ- فإن القائلين بذلك إنما نسبوا هذا القول إلى الواقدي، وقد عَدَّ إبراهيمَ في التابعين غيرُ واحدٍ ممن صنف في التواريخ والطبقات ونحوها، وعلي رأسهم: - ابن معين "تاريخ دمشق" (٢ / ق ٤٦١). - يعقوب بن شيبة (نفسه). - ابن سعد "طبقاته" (٥/ ٥٦). - البخاري "التاريخ الكبير" (١/ ٢٩٥). - أبو حاتم الرازي "الجرح" (٢/ ١١١). - مسلم "طبقاته" (١/ ٢٣٥). - العجلي "ثقاته" (١ / رقم (٢٦). - يعقوب بن سفيان "المعرفة والتاريخ" (١/ ٣٦٧). - النسائي في كتاب "الكنى" له ووثقه "إكمال مغلطاي" (١ / ق ٥٧ / أ). - أبو عبد الله بن أبي بكر المقدمي القاضي "التاريخ وأسماء المحدثين وكناهم" رقم (٤٢٣). - ابن حبان "الثقات" (٤/ ٤)، و"مشاهير علماء الأمصار" (ص ٦٦). وغيرهم، وكفى بهؤلاء مقنع لمن أراد الصواب. ومما تجدر الإشارة إليه هنا، ما أورده البخاري في "التاريخ الأوسط" (١/ ٣٤٥): روى يونس عن ابن شهاب، أخبرني إبراهيم قال: استسقى النبي -ﷺ-. قال: وروى بعضهم: استُسْقِي بهم، ولا أُراه يصح؛ لأن أمه أم كلثوم زَوَّجها أخوها الوليد -يعني لعبد الرحمن بن عوف- أيام الفتح. اهـ. أقول: قصد البخاري ﵀ دفع شهود إبراهيم لهذا الاستسقاء وتخطئة من روى ما يدل على ذلك، واستدل بأن أباه إنما تزوج بأمه أيام الفتح -وكان فتح مكة على رأس ثمان سنين ونصف من الهجرة النبوية- وقد توفي النبي -ﷺ- في السنة الحادية عشرة من الهجرة، فلو قُدر أن يولد لهما إبراهيم بعد تسعة أشهر من زواجهما لكان قد أدرك من حياة النبي -ﷺ- سنتين إلا قليلًا، فأَنَّى له أن يشهد هذا الاستسقاء ويحكيه؟ فهذا مرسل حتمًا، وذلك على تقدير أن إبراهيم ولد هكذا، لكن لا دليل على هذا. ومقتضى صنيع البخاري ﵀ أنه لا يثبت عنده تحديد لميلاد إبراهيم، ولو ثبت عنده ذلك لكان هو الأَولى بالذكر، لأنه هو المقصود لذاته في تخطئة تلك الرواية المذكورة، فلما لم يثبت ذلك عنده اكتفى -في دفعها- بما ثبت من تاريخ زواج عبد الرحمن بن عوف بأم كلثوم - بما بيناه سابقًا، والله تعالى أعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل.
[ ١ / ١٥٨ ]