، حَتَّى أَن جَمَاهِير الْأُمُور ومعاظم الْأَحْوَال فِي الشَّرِيعَة السياسية، لَا تتمّ وَلَا تنظم إِلَى بوسيط يلحم ويسدي، ويرتق ويغتق، وَيحسن ويجمل؟ الْجَواب قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: لما كَانَت ضرورات النَّاس دَاعِيَة إِلَى شركَة الْأَحْوَال الَّتِي قدمنَا ذكرهَا فِي الْمَسْأَلَة الأولى، وَكَانَ كل إِنْسَان يحب نَفسه، وَيُحب لَهَا الْمَنْفَعَة، ويحرص لَهَا على الإستئثار بهَا دون صَاحبه، ظهر الْفساد وَحدث التظالم الَّذِي ذكرته فِي الْمَسْأَلَة الْمُقدمَة، وَلم يَثِق أحد المشاركين فِي الْأَمر بِصَاحِبِهِ، لِأَنَّهُ ذُو نصيب فِيهِ، ومحبة للمنفعة العائدة مِنْهُ لنَفسِهِ وَكَانَ للهوى، تطرق إِلَيْهِ وتسلق عَلَيْهِ، فَاحْتَاجَ إِلَى وَاسِطَة تكون حَاله فِي ذَلِك الْأَمر، بَريَّة من حَالهمَا، ليعتدل الحكم، وَيصِح رَأْيه، وَيُعْطِي كل وَاحِد قسطه ونصيبه من غير خيف وَلَا هوى. وَلَيْسَ يجب إِذا كَانَت الشّركَة مذمومة أَن يجلو مِنْهَا الْإِنْسَان، لِأَنَّهُ يضْطَر بالضعف البشري إِلَيْهَا كَمَا ضربنا لَهُ الْمثل من الْحمل الثقيل، أَو كَثْرَة أَجزَاء الشَّيْء المنظور فِيهِ. فَإِن تركت الشّركَة فِي مثل هَذِه الْأُمُور، وأهملت المعاونة، فَاتَ ذَلِك
[ ٩٦ ]
الْأَمر دفْعَة، وَفِي فَوته فَوت مَنَافِع عِظَام، فَكَانَ تَحْصِيله على مَا يَقع فِيهِ من الْخلَل أولى من تَركه رَأْسا وَأكْثر أُمُور الْبشر لَا يتم إِلَّا بالمعاونة والتشارك لعجزهم عَن التفرد ونقصهم عَن الْكَمَال وَظُهُور أثر الْخلق والإبداع فيهم فَلَمَّا كَانَ المتشاركون فِي الْأَمر أَكثر عددا والآراء أَشد اخْتِلَافا والأهواء أغمض مدخلًا - كَانَت الْحَاجَات إِلَى الوسائط أصدق والضرورة إِلَيْهِم أَشد. والسياسة من هَذِه الْأُمُور أَعنِي الَّتِي تكْثر فِيهَا الْأَهْوَاء وَيحْتَاج فِيهَا إِلَى الإشتراك والتعاون فَيحْتَاج فِيهِ إِلَى من يصدق رَأْيه وَيسلم من الْهوى والعصبية فَإِن أمكن أَن يكون الْوَسِيط خلوا من ذَلِك الْأَمر كَانَ أَجْدَر بالحكم الْعدْل والرأى الصائب وَإِن لم يكن ذَلِك اجْتهد أَن يكون حَظه فِي الْأَمر أقل من حَظّ المختصمين أَو يكون أَكثر ضبطًا للنَّفس وأقمع للهوى وَأكْثر رياضة من غَيره وكل ذَلِك ليسلم من دَاعِي الْهوى والميل مَعَه والانصباب إِلَيْهِ لتتفق الْكَلِمَة وَيحدث الْعدْل الَّذِي هُوَ سَبَب التآحد وَزَوَال الْكَثْرَة.