[ ١٠٨ ]
الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ بن مسكويه - ﵀: غلاض الرجلَيْن أَعنِي النَّاقِص من مُدَّة عمره وَالزَّائِد فِيهَا - غَرَض وَاحِد وَإِن اخْتلفَا فِي الْخَبَر. وَرُبمَا فعل الرجل الْوَاحِد ذَلِك بِحَسب زمانين مُخْتَلفين أَو بِحَسب حَالين فِي زمَان وَاحِد. وَسبب هَذَا الْفِعْل محبَّة النَّفس وَذَاكَ أَن الْإِنْسَان يحب أَن يعْتَقد فِيهِ من الْفضل أَكثر مِمَّا هُوَ وَيُحب أَن يعْذر فِي نقص إِن وجد فِيهِ. وَهُوَ إِذا كَانَ حَدثا وَظَهَرت مِنْهُ فَضِيلَة أَو نقيصة نقص من زمَان عمره ليعلم غَيره أَن الْفَضِيلَة حصلت لَهُ فِي زمَان قصير وَأَن ذَلِك لم يكن ليتم لَهُ إِلَّا بعناية كَثِيرَة وحرض شَدِيد وَنَفس كَرِيمَة وانصراف عَن الشَّهَوَات الْغَالِبَة على أقرانه وَترك اللّعب الَّذِي هُوَ يستولى على لداته وَكلما كَانَ الزَّمَان أقصر كَانَ إِلَى الْفَضِيلَة أقرب وَكَانَ التَّعَجُّب مِنْهُ أَكثر. وَإِن كَانَت مِنْهُ نقيصه عذر فِي فعله بقلة الحنكة والدربة وانتظر فلاحه ورجى تلافيه وإنابته. وَإِن الْإِنْسَان مرشح طول عمره لاقتناء الْفَضَائِل والاستكثار من
[ ١٠٩ ]
المعارف وَيجب أَن يكون أبدا بِحَال من الْفضل يستكثر فِي مثل سنه أَن يبلغ إِلَيْهَا أَو يعجب من كَثْرَة تدربه بِالزَّمَانِ الْقصير فِي الْأُمُور الَّتِي يحْتَاج فِيهَا إِلَى الزَّمَان الطَّوِيل. وَأَيْضًا فَإِن المكتهل وَذَا السن الْكثير التجربة مِمَّن صحب الزَّمَان ولقى الرِّجَال وَتصرف فِي الْعُلُوم - مهيب فِي النُّفُوس جليل فِي الصُّدُور موقر فِي الْمجَالِس مستشار فِي النوائب مرجوع إِلَيْهِ فِي الرَّأْي. وَهَذِه حَال مَرْغُوب فِيهَا فَإِذا بلغ الْإِنْسَان من السن مَا يحْتَمل أَن يَدعِي فِيهِ هَذِه الدَّعْوَى أَو فَكل وَاحِد من الرجلَيْن أَو الرجل الْوَاحِد فِي الزمانين أَو الْحَالَتَيْنِ غَايَته فِي التكذب بِمَا ينقص من عمره التمويه بِالْفَضْلِ وادعاء رُتْبَة لَيست لَهُ. وَهَذَا شَرّ ظَاهر فمتعاطيه شرير وأفاضل النَّاس لَا يعتريهم هَذَا الشَّرّ لأَنهم لَا يتدنسون بِالْكَذِبِ وَلَا يستكثرون.
[ ١١٠ ]