وَإِن كَانَ الْمَعْنى الأول أَكثر فَإِن الثَّانِي أبين وَأظْهر. وَأي الْمَعْنيين أجل: الْجزع مِنْهُ أم الاسترسال إِلَيْهِ فَإِن الْكَلَام فِي هَذِه الْفُصُول كثير الرّيع جم الْفَوَائِد.
[ ١٠٢ ]
الْجَواب: قَالَ أَبُو على مسكويه - ﵀: الْجزع من الْمَوْت على ضروب وَكَذَلِكَ الاسترسال إِلَيْهِ. وَبَعضه مَحْمُود وَبَعضه مَذْمُوم وَذَلِكَ أَن من الْحَيَاة مَا هُوَ جيد مَحْبُوب وَمِنْهَا مَا هُوَ ردىء مَكْرُوه فَيجب من ذَلِك أَن يكون ضدها الَّذِي هُوَ الْمَوْت بِحَسبِهِ: مِنْهُ مَا هُوَ حِيَال الْحَيَاة الجيدة وَلَا بُد من تَبْيِين هَذِه الْأَقْسَام ليبين سَبَب الْجزع والاسترسال وَأيهمَا أَعلَى فَأَقُول: إِن الْحَيَاة المقترنة بالآفات الْعَظِيمَة والمهن الهائلة والآلام الشَّدِيدَة: مثل أَن يسبي الرجل وَأَهله وَولده ويملكهم قوم أشرار حَتَّى يرى فِي أَهله وَولده مَا لَا طَاقَة لَهُ بِهِ ويسام فِي نَفسه وجسمه مَا لَا صَبر عَلَيْهِ وَيَقَع فِي الْأَمْرَاض الشَّدِيدَة الَّتِي لَا برْء مِنْهَا ويضطر إِلَى فعل قَبِيح بأصدقائه وبوالديه فَهَذَا كُله ردىء مَكْرُوه وَلَيْسَ أحد يخْتَار الْعَيْش فِيهِ وَلَا يُؤثر الْحَيَاة مَعَه فضده إِذا جيد مَحْبُوب لِأَن الْمَوْت أَمَام هَذِه المحن فِي مجاهدة عَدو يسوم هَذَا السّوم - موت مُخْتَار جيد. فَيجب بِحَسب هَذَا النّظر أَن نقُول: إِن تِلْكَ الْحَيَاة الْمَكْرُوهَة يسْتَحبّ فِيهَا الْمَوْت الَّذِي هِيَ ضِدّه فالاسترسال إِلَى هَذَا الْمَوْت جيد وَسَببه ظَاهر. وَكَذَلِكَ إِذا عكست الْحَال فَإِن الْحَيَاة المحبوبة والعيش المضبوط الَّتِي مَعهَا صِحَة الْبدن واعتدال المزاج وَوُجُود الْكِفَايَة من الْوُجُوه الجميلة والتمكن بِهَذِهِ الْأَشْيَاء من السَّعْي نَحْو السَّعَادَة القصوى وَتَحْصِيل الصُّورَة المكملة للْإنْسَان مَعَ مساعدة الإخوان الْفُضَلَاء وقرة الْعين بالأولاد النجباء والعز بالعشيرة وَأهل بَيت الصَّالِحين - كُله مَحْبُوب مُؤثر جيد. وَمُقَابِله إِذن الَّذِي هُوَ الْمَوْت ردىء مَكْرُوه لِأَن الْمَوْت يَنْقَطِع بِهِ
[ ١٠٣ ]
استكمال السَّعَادَة وإتمام الْفَضِيلَة ويفوته أمرا عَظِيما كَانَ معرضًا لَهُ. وَهَذَا ضرب من النّظر وَبَاب من الِاعْتِبَار. وَضرب آخر وَهُوَ أَن الْبَقَاء بِنَفسِهِ أَمر مُخْتَار لِأَنَّهُ وجود مُتَّصِل والوجود كريم شرِيف. وضده الْعَدَم رذل خسيس وَالرَّغْبَة فِي الشَّيْء الْكَرِيم وَاجِبَة كَمَا أَن الزّهْد فِي الشَّيْء الخسيس وَاجِب. وَإِذا كَانَت حَيَاة مَا مُنْقَطِعَة لَا محَالة ثمَّ كَانَ ذَلِك يُفْضِي إِلَى حَيَاة أُخْرَى أبدية وَوُجُود سرمدي - صَار هَذَا الْمَوْت غير مَكْرُوه إِلَّا بِقدر مَا يكره من الدَّوَاء المر إِذا أدّى إِلَى الصِّحَّة فَإِن العلاج المؤلم والدواء الكريه مختاران إِذا أديا إِلَى صِحَة طَوِيلَة وسلامة مُتَّصِلَة. فَإِن لم يَكُونَا مختارين بِالذَّاتِ فهما مختاران بِالْعرضِ. فالإنسان المستبصر الَّذِي يرى أَن أخراه أفضل من دُنْيَاهُ وآجله خير لَهُ من عاجله - يسترسل إِلَى الْمَوْت استرساله إِلَى الدَّوَاء الكريه والعلاج المؤلم ليفضي بِهِ إِلَى خير دَائِم وَإِن كَانَ هَذَا الأختيار بِالْعرضِ لَا بِالذَّاتِ وَرُبمَا ظن ذَلِك ظنا فَحسن أَيْضا مِنْهُ الاسترسال إِلَيْهِ بِحَسب قُوَّة ظَنّه وَمَا وَقع إقناعه بِهِ كَمَا يحسن فِي الدَّوَاء إِذا قوى ظَنّه بِمَعْرِفَة واصفه لَهُ. فَأَما من خلا من هَذَا الإعتقاد وَالظَّن الْقوي فَهُوَ يجزع من الْمَوْت لِأَنَّهُ عدم مَا والعدم مهروب مِنْهُ وَهَذَا سَبَب صَحِيح وَعلة ظَاهِرَة. وَهَذَا ضرب آخر من الاسترسال إِلَى الْمَوْت والجزع مِنْهُ وَهُوَ أَن من قوى ظَنّه واستحكمت بصيرته فِي عاقبته ومعاده وَلكنه لم يقدم مَا يعْتَقد أَنه يسْعد بِهِ وَلم يتأهب بأهبته وَلَا استعد لَهُ عدَّة فَهُوَ يكره الْمَوْت ويجزع مِنْهُ وَلَا يسترسل إِلَيْهِ. وبالضد من راى أَنه مستعد لعدته آخذ أهبته فَهُوَ حَرِيص عَلَيْهِ مسترسل إِلَيْهِ. وَأَنت ترى ذَلِك فِي أَصْحَاب الْأَهْوَاء الْمُخْتَلفَة والديانات المتضادة كالهند فِي تسرعهم إِلَى إحراق نُفُوسهم وإقدامهم على ضروب الْمثل وَالْقَتْل
[ ١٠٤ ]
فِي أبدانهم وكالخوارج فِي حرصهم على الْمَوْت وبذلهم نُفُوسهم فِي مواقفهم الْمَشْهُورَة وحروبهم المأثورة وَأَن الرجل إِذا طعن قنع فرسه ليسبح فِي الرمْح وَيَنْتَهِي إِلَى طاعنه ثمَّ قَرَأَ: [اي] ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [\ اي] وَلذَلِك اتخذ أَصْحَاب السُّلْطَان فِي صُدُور رماحهم حاجزًا لِئَلَّا يسبح فِيهَا المطعون فيصل إِلَى الطاعن. والصابرون على أَنْوَاع الْعَذَاب وضروب الْمثل وَالْقَتْل من أهل الْأَهْوَاء - أَكثر من أَن يحصوا.
[ ١٠٥ ]
وَإِنَّمَا ذكرنَا سَبَب الْجزع من الْمَوْت والاسترسال إِلَى الْمَوْت وَأيهمَا يحسن وَفِي أَي مَوضِع وعَلى أَي حَال. وَلم كَانَت الفسولة فِي السمان أَكثر الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه - ﵀: هَذِه الْمَسْأَلَة كَأَنَّهَا عَن الْحَال الْأَغْلَب والوجود الْأَكْثَر. وَالسَّبَب فِيهِ أَنه لما كَانَت الْحَرَارَة الغريزية سَبَب الْحَيَاة وَسبب الْفَضَائِل التابعة للحياة أعنى الذكاء وَالْحَرَكَة والشجاعة وَمَا أشبههَا - كَانَت الْأَبدَان الَّتِي حظها مِنْهَا أَكثر - أفضل. وَالْحكم الصَّحِيح فِي هَذَا أَن الْأَبدَان المعتدلة فِي النحافة وَالسمن والطول وَالْقصر وَسَائِر الكيفيات الْأُخَر - أفضل الْأَبدَان. وَلما كَانَت مسألتك مَخْصُوصَة بالنحافة وَالسمن خصصنا الْجَواب أَيْضا فَنَقُول: إِن الْحَرَارَة إِذا قاومت أخلاط الْبدن فأذابت فضول الرطوبات مِنْهُ ونفت الْبرد الْغَالِب عَلَيْهِ هُوَ ضِدّه - كَانَ ذَلِك سَببا للحركة واليقظة وسببًا للإقدام والنجدة. وَيتبع هَذِه الْأَشْيَاء سَائِر الْفَضَائِل اللَّازِمَة لَهَا وذكو الْحَرَارَة الَّتِي فِي الْقلب وَهِي أول هَذِه الْفَضَائِل كلهَا.
[ ١٠٦ ]
وَإِذا غلبت الرطوبات عَلَيْهَا أطفأتها وغمرتها وحالت بَينهَا وَبَين أفعالها وعاقتها عَنْهَا فَكَانَ والنحافة وَالسمن وَإِن كَانَا جَمِيعًا قد خرجا عَن الإعتدال فأحدهما وَهُوَ النحافة خُرُوجه عَن الِاعْتِدَال بإفراط الْحَرَارَة الَّتِي هِيَ سَبَب الْفَضَائِل وَهِي أولى بهَا من اطرف الْأُخَر الَّذِي ضدها اعني السّمن الَّذِي هُوَ خُرُوج عَن الِاعْتِدَال إِلَى جَانب الْبرد وَعدم الْحَرَارَة الْمُؤَدِّي إِلَى بُطْلَانهَا وزوالها. وَقد تبين فِي كتاب الْأَخْلَاق أَن أَطْرَاف الْفَضَائِل كلهَا مذمومة وَلَكِن بَعْضهَا أقرب إِلَى الْمَدْح. وَإِن كَانَ الْبعد من الْوسط فيهمَا وَاحِدًا كَانَ الِاعْتِدَال الممدوح بالجود والسخاء لَهُ طرفان أَحدهمَا الْبُخْل وَالْآخر التبذير وهما جَمِيعًا مذمومان وخارجان من الِاعْتِدَال إِلَّا أَن أحد الطَّرفَيْنِ وَهُوَ التبذير أشبه بالجود من الطّرف الآخر لِأَن أحد الطَّرفَيْنِ بالإمعان يتَأَدَّى إِلَى بطلَان الشَّيْء الممدوح وَعَدَمه وَالْآخر يتَأَدَّى إِلَى الزِّيَادَة فِيهِ بالإفراط. ولعمري إنَّهُمَا فِي فقد الِاعْتِدَال سَوَاء وَلَكِن أَحدهمَا أشبه بِهِ من الآخر. وَهَذَا هُوَ مَوضِع لَا يدْفع وَلَا يُنكر.