أَلا ترى الله - تَعَالَى - يَقُول: [اي] ﴿كَلا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ [\ اي] والشاعر يَقُول: وَالنَّفس مولعة بحب العاجل. وَمن أجل هَذَا الْمَعْنى ثارت الْفِتَن واستحالت الْأَحْوَال وحارت الْعُقُول واحتيج إِلَى الْأَنْبِيَاء والسياسة والمقامع والمواعظ فَإِذا كَانَ حب العاجلة طباعًا ومبذورًا فِي الطينة ومصوغًا فِي الصِّيغَة فَكيف يُسْتَطَاع نَفْيه ومزايلته وَكَيف يرد التَّكْلِيف بِخِلَاف مَا فِي الطبيعة أليست الشَّرِيعَة مقوية للطبيعة أَلَيْسَ الدّين قوام السياسة أَلَيْسَ التألة قَضِيَّة الْعقل أَلَيْسَ الْمعَاد نَظِير المعاش فَكيف الْكَلَام فِي هَذَا الشق وَكَيف يطرد العتب على من أحب مَا حببت إِلَيْهِ وَقصرت همته عَلَيْهِ كَمَا خلق ذكرا أَو أُنْثَى أَو طَويلا أَو قَصِيرا أَو ضريرًا أَو بَصيرًا أَو جلفًا أَو شهمًا فَإِن سقط اللوم فِي إِحْدَى الحاشيتين سقط فِي الَّتِي تَلِيهَا وَإِن لزم فِي إِحْدَاهمَا لزم فِي أخراهما.
[ ١٨٤ ]
وَهَذَا نظر ينسل إِلَى الْجَبْر وَالِاخْتِيَار وهما فنان يحتاجان إِلَى تَحْدِيد نظر وتجديد اعْتِبَار. وَالْحَال المقسمة للبال من قَضَاء الوطر وبلوغ الْغَايَة فقي النّظر. الْجَواب: قَالَ أَوب عَليّ مسكويه - ﵀: العاجلة إِنَّمَا يومأ بهَا إِلَى الْحَواس وتوابعها من اللَّذَّات فِي المآكل والمشارب والاستفراغات والاستراحات. وَالَّتِي تخْتَص بِهَذِهِ الْأَشْيَاء من الْحَواس هِيَ النَّفس البهيمية. ثمَّ يَنْبَغِي أَن تعلم أَن هَذِه النَّفس هِيَ مَعنا من أول النشوء وَمَعَ الْولادَة فقد ألفناها إلفًا قَوِيا مَعَ الزَّمَان الْمُتَّصِل الطَّوِيل فَلذَلِك كَانَت قوتها أظهر وغلبتها أَشد وَصَارَ الحكم لَهَا. وَإِنَّمَا نَظرنَا النَّفس المميزة بِقُوَّة الْعقل من بعد فَيظْهر أَثَرهَا قَلِيلا قَلِيلا إِلَى أَن يقوى فِي وَقت التكهل والاجتماع وبلوغ الأشد فَنحْن نحتاج لذَلِك إِلَى مقاومة تِلْكَ النَّفس والاستعداد لَهَا وَكسر حدتها وإيهان قوتها بكلفة شَدِيدَة وصبر طَوِيل بِحَسب قوتها واستيلائها علينا وإلفنا إِيَّاهَا ونحتاج أَيْضا إِلَى تَقْوِيَة النَّفس الناطقة بامتثال أمرهَا وتثميرها وتنفيذ عزائمها فلأجل هَذَا صَعب علينا قبُول أَمر هَذِه وَسَهل قبُول أَمر تِلْكَ. فَأَما قَوْلك: كَيفَ يرد التَّكْلِيف بِخِلَاف مَا فِي الطبيعة فَإنَّا نقُول: إِن طبيعة النَّفس البهيمية الانقياد للنَّفس الناطقة وَالْوُقُوف عِنْد أمرهَا. وَلَوْلَا أَن ذَلِك فِي جلبتها وسوسها وَهُوَ قبُول التَّأْدِيب وَأَن
[ ١٨٥ ]
تصدر أفعالها الْخَاصَّة بهَا بِحَسب مَا يأمرها بِهِ الْعقل - لَكَانَ - لعمري - تكليفًا بِخِلَاف مَا فِي الطَّبْع وَلَكِن أحدا لَا يروم إبِْطَال هَذِه الْقُوَّة رَأْسا بل يطالبها بِأَن تقبل تَرْتِيب الْأَفْعَال على مَا يرسمه الْعقل وَهِي مطبوعة على قبُول هَذَا الْأَدَب كَمَا قُلْنَا. وَلَيْسَ يجْرِي هَذَا مجْرى مَا ضرب بِهِ الْمثل من الطول وَالْقصر وَغَيرهمَا لِأَن هَذَا شَيْء لَا صنع فِيهِ للأدب وَإِنَّمَا هُوَ أثر يقبل الهيولى من الْمُعْطِي بِحَسب مَوْضُوعه وَلَا يُمكن خِلَافه بِوَجْه وَلَا سَبَب. وَتَفْسِير ذَلِك أَن الرُّطُوبَة الَّتِي فِي الْمَادَّة تقبل من الْحَرَارَة امتدادًا وانجذابًا إِلَى الْعُلُوّ الَّذِي هُوَ حَرَكَة وَلَا يُمكن أَن يكون إِلَّا على مَا يظْهر بِالْفِعْلِ. فقد بَان الْفرق بَين هذَيْن النَّوْعَيْنِ اللَّذين رمت الْجمع بَينهمَا وَظهر السَّبَب فِي حب العاجلة وَحسن مَا أدب الله - تَعَالَى - بِهِ النَّاس بِالدّينِ والآداب وَخرج الْجَواب عَن الْمَسْأَلَة فِي إيجاز وإيضاح.